انتهى مؤتمر باريس الذي عقد خلال شهور الصيف من النظر في معاهدات الصلح الخاصة بإيطاليا ورومانيا والمجر وبلغاريا وفنلنده، وهى الدول التي انحازت إلى جانب ألمانيا خلال الحرب، أما معاهدة الصلح الخاصة بألمانيا ذاتها فلم تطرح حتى اليوم على بساط البحث، ولكنها ستبحث عما قريب في مؤتمر وزراء خارجية الدول الأربع الكبرى، أعنى بريطانيا العظمى وأمريكا وروسيا وفرنسا، وهم يجتمعون الآن في نيويورك لمناسبة انعقاد الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة.
وقد انتهت الحرب العالمية الثانية في الثامن من مايو سنة ١٩٤٥ بتسليم ألمانيا الهتلريا لأعدائها الظافرين بلا قيد ولا شرط ، واحتلتها الدول الكبرى من ذلك الحين، تختص كل منها بمنطقة معينة ، وفرضت عليها شروط التسليم الأساسية ، وهى تتلخص في وجوب تجريد ألمانيا من
السلاح بصورة مطلقة شاملة ، والقضاء على الصناعات الحربية الألمانية، ومعاقبة مجرمى الحرب على ما ارتكبوه من جرائم منافية لقوانين الأمم والإنسانية، والتعويض عن كل ما ارتكبته ألمانيا من صنوف التخريب ، والقضاء على النازية قضاء تاما . وقد عمل الحلفاء منذ أكثر من عام على تحقيق هذه الأغراض ، وكانت أحكام نور نسبرج التي انتهت بإعدام عدد من أقطاب النازية السياسيين والعسكريين وسجن الآخرين مدى الحياة ، وما أعلنته سلطات الحلفاء من أن محاكمة الفوج الثانى من مجرمى الحرب الألمان ، وهم يبلغون المئات ستبدأ عما قريب، نذيرا بأن الحلفاء يعملون بلا هوادة على استئصال شأقة النازية وآثارها ، وهو من أهم الأغراض التي يرمون إلى تحقيقها. على أنه قد لوحظ منذ الساعة الأولى أن الحلفاء لا تجمعهم في معاملة ألمانيا المهزومة أو تحقيق هذه الأغراض الرئيسية
أية خطة مشتركة . والأمر بالعكس ، فقد أضحى واضحا أن الخلاف مستحكم بين حلفاء الأمن حول هذه المسألة ، وأن لكل منهم رأيه في معاملة ألمانيا ومحاسبتها .
والآن يبدو مصير ألمانيا المهزومة مشكلة أوربية ، بل مشكلة دولية خطيرة ؛ فمنذ عام ونصف ، وألمانيا تخضع لحكم الدول المحتلة ، ولكل دولة منطقة احتلال خاصة تحكمها وفق مشيئتها وأساليبها الخاصة فروسيا تسيطر على المنطقة الشرقية حتى نهر الأودر ، وبرطانيا تسيطر على المنطقة الشمالية الغربية حتى حوض الرور ، وأمريكا تسيطر على المنطقة الوسطى والجنوبية الغربية ، وفرنسا تسيطر على منطقة صغيرة جنوبى المنطقة البريطانية ؛ ولا تجمع بين هذه المناطق الأربع أية روابط اقتصادية أو إدارة مشتركة ؛ ولم يوفق مجلس الحلفاء الأعلى إلي تنظيم مثل هذه الروابط ، وقد فشلت سائر الجهود التي بذلت لإعادة وحدة ألمانيا الاقتصادية والإدارية ، كما فشلت كل محاولة لإقامة حكومة ألمانية محلية في ظل الاحتلال ؛ وبعزو الإنجليز والأمريكان - وهم من أنصار تحقيق مثل هذه الوحدة - هذا الفشل إلي معارضة الروس والفرنسيين ؛ والمضى في تمزيق ألمانيا على هذا النحو يشل إنتاجها الزراعي والصناعي ، ويعرضها إلي خطر المجاعة والفوضى ، ويثير في وجه الدول المحتلة صعابا لا نهاية لها ، ويؤخر تحقيق الأهداف التي يعمل الحلفاء لها ، وأهمها أن تقوم في ألمانيا حكومة قومية جديدة ، تأخذ على عاتقها تنفيذ شروط الصلح ، وأن يخلق من بقايا ألمانيا النازية أمة ألمانية مسالة تدين بالمبادئ الديمقراطية وحب السلم ومجانبة التفكير في أخذ الثأر ؛ كما أن هذا التمزيق بعجز ألمانيا عن أداء التعويضات المطلوبة منها ، وبهذا تضار حقوق الحلفاء أنفسهم .
ولهذه الأسباب كلها تحاول السياسة البريطانية
والأمريكية أن تعاون ألمانيا على تحقيق وحدتها الإدارية والاقتصادية ، وقد اتفقت بريطانيا وأمريكا بالفعل على تنظيم الوحدة الاقتصادية بين المنطقتين الإنجليزية والأمريكية ، وهما بلا ريب اغنى مناطق المانيا الصناعية وقد كان مفهوما ان روسيا تعارض في مثل هذا التوحيد ، ولكن التصريحات التي أبداها المارشال ستالين لمراسل اليونيتدبريس أخيرا تنفى هذه المعارضة ، فقد صرح بأن تحقيق الاندماج ، بين مناطق الاحتلال الأربع امر ممكن ، وأنه يجب العمل على إعادة وحدة ألمانيا الاقتصادية بل والسياسية أيضا . فإذا كان المارشال ستالين يعبر عن السياسة التى ترغب موسكو حقا في اتباعها إزاء ألمانيا ، فإن فرنسا تبقى هي الدولة الوحيدة التى تعارض فى وحدة ألمانيا .
والواقع أن فرنسا لا تقف عند المعارضة في تحقيق الوحدة الألمانية وفى إقامة حكومة ألمانية قومية ، بل تذهب إلى وجوب اقتطاع منطقة الرين ولا سيما منطقة الرور من ألمانيا وجعلها وحدة سياسية مستقلة بذاتها . وتفكير فرنسا على هذا النحو تمليه فكرة سلامتها وقصد الحول دون قيام دولة ألمانية قوية تهدد سلامتها مرة اخري أما السياسة الانجليزية الأمريكية فتحرص بالعكس على أن تقوم الأمة الألمانية علي قدميها مرة اخرى ، وان تعود ألمانيا فتغدو عاملا ذا شأن في مجري السياسة الأوربية ، ولكن دون أن تغدو قوة عسكرية تهدد السلم ؛ وترمى السياسة البريطانية من وراء ذلك إلى تحقيق هدفها المأثور ، وهو ألا تترك فرنسا وحدها لتقوى ثم تطغى كعادتها في شئون غربى أوربا ؛ ومن جهة اخرى فإن السياسة البريطانية الأمريكية المشتركة من وراء ذلك هدفا أهم وأبعد أثرا ، هو أن تنقذ ألمانيا من شيح الفوضى وتنهض لكي تغدو كما كانت حاجزا في وجه البلشفية يحمى أوربا الغربية من انسيابها الخطر ؛ ولا تجهل روسيا بالطبع هذا الاتجاه ،
ولهذا يشك كثيرا في أن موسكو قد ترغب حقا في توحيد ألمانيا وإنهاضها ، خصوصا وأنها تجرى في منطقة احتلالها على تطبيق النظم الاشتراكية ، هذا فضلا عن ان روسيا لا يمكن أن توافق بأية صورة على أن تعود ألمانيا فتتمتع بشئ من سابق قوتها او نفوذها خشية ان تعود فتضطرم بمشاريعها العسكرية القديمة .
وهكذا تصطدم الآراء والسياسات المختلفة وتتجاذب حول مصير ألمانيا النازية ، ولهذا بواجه مؤتمر وزراء الخارجية حين يحاول وضع معاهدة الصلح مع ألمانية أشق مهمة عرضت له . والمعروف فيها يتعلق بالناحية الإقليمية أن ألمانيا قد فقدت نهائيا مناطقها الشرقية التى استولت روسيا على بعضها ، وضم البعض الآخر إلي بولونيا ، وهذا ما صرح به المارشال ستالين في حديثه المشار إليه ؛ وعلى ذلك فسوف يبق نهر الأودر هو حد ألمانيا الشرقى ، وتفقد ألمانيا بروسيا الشرقية وبوميرانيا ، وسيليزيا ، وهى مناطق ألمانية عريقة ابقت قرونا داخل الوطن الألمانى ؛ ومن المسلم به ان تمنح منطقة السار لفرنسا ، ولكن الحلفاء ولا يوافقون فرنسا على اقتطاع منطقة الرين من ألمانيا .
وأما فيما يتعلق بالتعويضات فإن روسيا تطالب ألمانيا بأرقام ضخمة جدا ؛ وترى أنجلترا وأمريكا ان يكون تقدير التعويض مناسبا لطاقة الإنتاج الألمانى ، وأن يترك لألمانيا من صناعاتها الدنية الحقيقة ما يمكنها من الوفاء ومن عول نفسها .
وتقوم الآن كل دولة من الدول المحتلة بنقل المصانح والأدوات الألمانية من منطقتها على ذمة التعويضات المطلوبة ؛ وأما تجريد ألمانيا من السلاح ، واستئصال شأقة النازية ، وهي اهم الأغراض التى نص عليها في وثيقة النصر ، فإنه لم يوضع بشأنهما أي خطة مشتركة ، والرأى مختلف في طريقة علاجهما ، وقد ظهر من الحوادث
الأخيرة أن جذور النازية ما زالت متأصلة في بعض نواحى ألمانيا ، وان مقادير عظيمة من السلاح ما زالت تخفى ، ويعز بها من أن إلي آخر .
والخلاصة أن مجلس وزراء الخارجية سوف يضطلع إزاء المشكلة الألمانية بمهمة فادحة ، ومن المحقق أن سيمضى وقت طويل قبل ان يوقن في شأنها إلى حلول مشتركة ، وستغدو هذه المشكلة بالأخص محكا لصهر موقف الدول المتحالفة ومعرفة الأتجاه النهائى الذي تزمع كل منها أن تسير فيه إزاءها ؛ وسنعرف بالأخص خلال هذه المفاوضات الشاقة ماذا يمكن أن يسفر منه ذلك الصراع المرير بين السياسة الروسية والسياسة الإنجليزية الأمريكية حول الأسس الجديدة التى يجب أن تقوم عليها حياة القارة الأوربية .
