الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 14 الرجوع إلى "الثقافة"

مصير الانسان

Share

قرأت البارحة ، تحت مصباحي الأخضر ، في كتاب حديث ظهر هذا الشهر " لوريس مترلنك " هذه العبارة ؛

سوف تأتي على الإنسان لحظة يأبى فيه الحياة،  ما لم يكن عائدا إلى «الحيوانية» !.. فذكرت من الفور  الملك شهريار» في قصتى «شهرزاد». إن هذا الإنسان  قد حاول عبثا أن يتذوق الحياة في آخر أيامه، فلقد بلغ من  التجرد الفكرى وقتئذ مبلغا باعد بينه وبين البشرية هذا  الرجل كان قد مر بكل الأطوار التي تعرفها الحياة  الإنسانية، فقد عاش حياة الحيوان، يوم كانت تقدم له في  كل ليلة فتاة يقتلها في الصباح، وعاش حياة القلب  يوم عرف «شهرزاد» فأحب جوارها، ونسى القتل  والفتك، وجلس إليها ينظر في عينيها، ويصغى إلى قصصها،  ثم عاش حياة العقل يوم أيقظ فكره حدیث «شهرزاد»  واستعت أمام بصيرته افاق عوالم ليس لها حدود، فنهض  على قدميه، انطلق يهيم في أجواء الفكر العليا، وفتنة  حب المجهول، واستكشاف المستور، ولم يسعفه العلم فلجأ

إلى السحر، ولم يطفئ غلته السحر فعاد إلى الفكر، وضاقت  به الأرض، فتطلع إلى السماء، ولكن السماء لا يرقى  إليها البشر وهو لا يريد العودة إلى الأرض، تلك  الأرض التي ستمها، وعاف ثمارها المادية والروحية  واستنفد لذائذها السفلية والعلوية. لقد فرغ من كل  شي وشبع من كل شيء، ولم يعد على هذه الأرض شئ  يغريه بالبقاء إلا أن يعرف إنه يريد أن يعرف يعرف  ماذا؟.. يعرف ما لم يسمح لأدمى أن ينفذ إليه، تلك  لذته الوحيدة التي بقيت له، وذلك هو خيط الأمل الذي يربطه  بالحياة، ولقد أصابه في ذلك ما يشبه الخبل. فهو يمضى الليل  يتطلع إلى نجوم السماء كأنه يسألها أن تجيب على أسئلة  فكره الحائر وتعب الفكر، واضطرب في بناء جسمه  الكليل، وأيقن أن الجسم هو الوتد الذى يعقل روحه  ويلصق فكره بالأرض. فثار على الجسم، و وأراد أن يتحرر من سجنه. وسجن الجسم هو «المكان» كما أن  سجن الماء هو «الوعاء، فرأى أن يفر من جدرانه بالسفر والرحيل، فطوف في البلاد والقفار حتى وجد  نفسه آخر الأمر يعود إلى حيث بدأ المطاف، وأدرك أن  ليس في السفر سوى تغيير إناء بعد إناء. ومتى كان في  تغيير الإناء تحرير للماء؟ فألقى بنفسه بعدئذ في «خان

أبي ميسور، طالبا الهرب من الجسم والمكان فى غيبوبة  القنب والدخان.

وفى أثناء هذا كله كانت «شهرزاد» ترقبه فى عطف ويأس،  وعلمت أنه إنسان هالك فهو قد ترك الأرض ولم يبلغ  السماء، فهو معلق بين الأرض والسماء ينخر فيه القلق.  وجعلت تحتال في علاج الداء، أما السماء فمن الجنون أن  يفكر إنسان في بلوغها وهو إنسان، فلا مناص إذا من  إعادة شهريار) إلى الأرض إذا أريد له الحياة. فلجأت إلى  «العبد»، كي يعينها على إيقاظ الحيوان ) المحتضر في  أعماق «شهريار»، ولكن التجربة لم تنجح فكان على «شهريار»  أن يختفى من مسرح الوجود.

من الغريب أني منذ كتبت هذه القصة، وقد مضى  الآن على وضعها نحو الثلاثين عاما، وأنا أفكر في إرجاع هذا

الملك التعس في قصة أردت أن أسميها «عودة شهريار».  غير أني وجدت أمر عودته عسيرا، إن لم يكن مستحيلا.  فهو لن يعود بالطبع كما ذهب. إذ لا فائدة عندئذ من  القصة الجديدة. فلا بد إذا من أن يعود شخصا آخر.  وهنا الصعوبة. ما الذي سيعيد هذا الرجل؟.. إنه كان قد  ذهب فى تلك اللحظة التي ينبغي أن تقف عندها كل حياة  بشرية. إن «شهرزاد» نفسها لم تستطع شيئا، فهل  أستطيع أنا؟... إنها قد رأت ما به، وأدركت أنه شعرة بيضاء  قد نزعت وأنه ككل شئ في هذا الوجود قد دار وصار  إلى نهاية دوره، فإذا عاد فإنما يعود من أول الحلقة مولودًا  جديدًا يمر بطور الحيوانية من جديد.

اشترك في نشرتنا البريدية