يجتمع فى لندن منذ الثالث من أكتوبر مؤتمر من مندوبى الدول الأربع : بريطانيا وأمريكا وروسيا وفرنسا ، للبحث فى مصير المستعمرات الإيطالية السابقة , وإعداد الإجراءات والمقترحات التى يمكن أن يسترشد بها مؤتمر وزراء خارجية الدول الأربع فى اتخاذ قراره النهائى فى أمر هذه المستعمرات . وكان آخر ما قرره مؤتمر وزراء الخارجية فى هذا الشأن فى صيف العام الماضى ، هو أنه يجب أن يبت فى مصير المستعمرات الإيطالية ، خلال عام من تاريخ التصديق على معاهدة الصلح مع إيطاليا ، وذلك وفقا لقواعد معينة وضعها ، وقد تم هذا التصديق بعد طول الجدل والنقاش بين روسيا وزميلاتها ، فى اليوم الخامس عشر من شهر سبتمبر الماضى ، وأصبحت المعاهدة نافذة من هذا التاريخ ، وإذا فلا بد من تقرير مصير المستعمرات الإيطالية السابقة قبل حلول منتصف سبتمبر سنة ١٩٤٨ .
ونحن نعرف أن معاهدة الصلح الإيطالية تتضمن نصا صريحا ، يقضى بتنازل إيطاليا عن كل حق فى إمبراطوريتها الاستعمارية السابقة ، وقد كانت هذه
الامبراطورية تتألف عند دخول إيطاليا الحرب من ألبانيا وجزر الدوديكانيز فى أوربا ، ومن لوبية والحبشة وأريتريا والصومال فى أفريقية . وقد استردت كل من الحبشة وألبانيا حريتها ، وأعطيت جزر الدوديكانيز لليونان ، ولم يبق إلا أن يبت فى مصير لوبية وأريتريا والصومال ، وهو ما يجرى البحث بشأنه الآن فى مؤتمر لندن .
وتتلخص القواعد التى وضعها مؤتمر وزراء الخارجية لتكون أساسا لتقرير مصير المستعمرات الإيطالية ، فى أن الدول الأربع العظمى تقوم بتقرير هذا المصير وفقا لأحد المبادئ الآتية : ( ١ ) الاستقلال . ( ٢ ) الانضمام إلى إحدى الدول المجاورة . ( ٣ ) الوصاية ، وتتولاها هيئة الأمم المتحدة أو إيطاليا أو إحدى الدول المنضمة للأمم المتحدة . وذلك على أن يشمل النظام المقرر كل المستعمرات المذكورة أو جزءا منها ، وذلك حسبما تملى به رغبات السكان ، أو تدلى به الحكومات ذات الشأن . فإذا لم تتفق الدول الأربع خلال العام المحدد على وضع حل معين ، عرضت المسألة على الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة لتقرر فى شأنها ما تراه ؛ وتتعهد الدول الأربع أن تقبل توصيات
الجمعية العمومية ، وأن تنفذها ، وذلك مع مراعاة الوعود التى بذلتها الحكومة البريطانية للسنوسيين خلال الحرب .
على ضوء هذه القواعد يجرى البحث فى مؤتمر لندن لتقرير مصير المستعمرات الإيطالية ؛ بيد أن مؤتمر لندن الحالى يعتبر مرحلة تمهيدية فقط للمباحث النهائية التى سوف يضطلع بها مؤتمر وزراء خارجية الدول الأربع ، ومن المقرر المتفق عليه أن تؤلف لجنة رباعية لزيارة المستعمرات الإيطالية ودراسة أحوالها ، وتعرف رغبات سكانها ، ليسترشد مؤتمر وزراء الخارجية بمباحثها وتوصياتها ، وفى خلال ذلك يستمع المؤتمر إلى وجهات نظر الدول التى يهمها الأمر أو لها مطالب إقليمية فى المستعمرات الإيطالية ؛ وقد وافق المؤتمر على أن تستدعى ثلاث وعشرون دولة للإدلاء بوجهات نظرها فى هذه المسألة ، ومن بينها مصر والحبشة وإيطاليا والعراق .
وقد كثر الحدس والتخمين حول موقف الدول الأربع واتجاهاتها نحو هذه المسألة وأطماعها فى تراث إيطاليا الاستعمارى ؛ فأما فيما يتعلق بلوبية ( برقة وطرابلس ) ، فقد قيل إن إنجلترا تسعى جاهدة إلى بسط سيادتها على برقة ، وذلك بأن تنشئ فيها دولة سنوسية فى كنفها ، وتحت حمايتها ، وإنها لن تفرط بأى حال فى قاعدة طبرق ، ومن ثم كان التحفظ الذى حملت مؤتمر وزراء الخارجية على وضعه ، وهو التعهد بمراعاة الوعود التى بذلتها الحكومة البريطانية للسنوسيين خلال الحرب . وأما طرابلس فتتطلع لنيل الوصاية عليها روسيا وأمريكا وإيطاليا ذاتها ؛ وتطالب الحبشة بضم أريتريا إليها ، وتميل أمريكا وبريطانيا إلى منح الحبشة بعض أراضى أريتريا الغربية ترضية لها ، حتى لا تشدد فى المطالبة بمنطقة أوجادن التى تقع بين الحبشة وبين الصومال الإيطالى ، والتى تحتلها بريطانيا الآن ؛ وربما
اتفقت أمريكا وبريطانيا على أن يكون الانتداب لإحداهما على أريتريا لكى لا يفلت ثغر مصوع من نطاق السيادة البريطانية الأمريكية . وأما الصومال الإيطالى ، فأكبر الظن أن يكون من نصيب بريطانيا التى تحرص على أن تنفرد بالسيادة فى مثلث أفريقية الشرقية بأكمله ، وعلى شاطئ أفريقية الشرقى من عدن حتى شرق أفريقية البرتغالى ؛ وفى قلب هذا المثلث تنشئ بريطانيا ، فيما يقال ، قواعد الدفاع الجديدة عن الإمبراطورية البريطانية .
إلى جانب هذه الاتجاهات والفروض المختلفة يجب أن نذكر مطامع إيطاليا ذاتها فى استرداد مستعمراتها السابقة أو جزء منها على الأقل بطريق الوصاية الدولية ، ويلاحظ أن القواعد التى وضعها مؤتمر وزراء الخارجية تفسح مجالا لهذا الاحتمال ، ومع أن معاهدة الصلح الإيطالية تسجل تنازل إيطاليا صراحة عن كل حق لها فى مستعمراتها السابقة حسبما أسلفنا ، فإن إيطاليا لم تيأس من تحقيق مطامعها فى استرداد بعض تراثها الاستعمارى ؛ وتشجع بعض الدول الكبرى إيطاليا على التعلق بهذا الأمل بما تبديه من عطف على إيطاليا ، وتأييد لها ؛ فأمريكا تحاول فى هيئة الأمم المتحدة أن تحصل على تعديل المعاهدة الإيطالية لصالح إيطاليا ، وهى المعاهدة التى لم يجف مدادها بعد ، ولم تدخل فى دور التنفيذ إلا منذ شهر فقط ، كما تسعى إلى إدخالها فى هيئة الأمم المتحدة ؛ وبريطانيا تؤيد هذا الاتجاه ، كما أنها لا تمانع فى أن تعطى إيطاليا الوصاية على طرابلس ، وفرنسا تؤيد وصاية إيطاليا على طرابلس بقوة وصراحة ، لأنها ترى أن تبقى إيطاليا إلى جانب شمال أفريقية الفرنسى سدا منيعا يحميه من موجة التحرير المتدفقة من الشرق ، وروسيا كذلك لا تضن بعطفها على إيطاليا . ***
ومن الطبيعى أن تهتم مصر أشد الاهتمام بمباحث مؤتمر لندن ومصير المستعمرات الإيطالية السابقة ولاسيما لوبية جارتها من الغرب ، وقد أعربت مصر عن هذا الاهتمام فى مؤتمر الصلح فى صيف العام الماضى وتقدمت بمطالبها الإقليمية إزاء إيطاليا . والآن تقدم مصر مذكرة جديدة بمطالبها ووجهات نظرها فى هذه المسألة إلى ممثلى الدول الأربع فى الندن لتكون موضع الدرس فى المؤتمر ، ولم تذع محتويات المذكرة المصرية بعد ؛ بيد أنه يمكن قياسا على ما سبق أن أبدته مصر من وجهات نظرها فى هذا الشأن ، أن تقرر أن مصر ، تطالب من الناحية الإقليمية بهضبة السلوم وواحة جغبوب التى سلخت منها قسرا فى سنة ١٩٢٥ ؛ كما أنها تطالب بإقليم أرتيريا أو منطقة مصوع باعتبارها من الأراضى المصرية السابقة التى أرغمت مصر على الجلاء عنها بطريقة غير مشروعة ، والتى احتلتها إيطاليا بطريق الاغتصاب المحض ودون مسوغ شرعى ؛ وفى هذا المطلب بالذات تنافس الحبشة مصر ؛ والظاهر أن مطالب الحبشة الإقليمية فى هذه المنطقة تلقى من الدول الكبرى عطفا أكثر مما تلقاه مطالب مصر .
على أن مصير لوبية هو أهم ما يسترعى اهتمام مصر فى هذه المسألة كلها ؛ وقد سبق أن نوهنا غير مرة بأهمية لوبية بالنسبة لمصر من الوجهة الدفاعية ، وأهمية تحريرها من سلطان أية دولة استعمارية . ومصر تطالب لجارتها التاريخية ، وشقيقتها فى العنصر والدين واللغة بالوحدة التامة والاستقلال الكامل ، وتعارض فى أية تجزئة لها أو وضعها تحت وصاية أية دولة استعمارية ؛ فإذا رأى مؤتمر وزراء الخارجية بالرغم من جميع الاعتبارات أن توضع لوبية تحت الوصاية الدولية ، فإن مصر تكون أحق من غيرها بالاضطلاع بهذه الوصاية بحكم الجوار والظروف والعلائق المشتركة ،
كما أنه يمكن أن تمنح هذه الوصاية للجامعة العربية . وتؤيد الجامعة العربية فى القرار الذى أصدره مجلسها أخيرا وحدة لوبية واستقلالها ، وتوصى الحكومات العربية باتخاذ العدة لصون استقلال لوبية ووحدتها ، وبذل كل مسعى دبلوماسى لدى الدول ذات الشأن لتحقيق هذه الغاية . ولاشك أن قرار الجامعة العربية مما يقوى وجهة النظر المصرية بالنسبة لمصير لوبية ويشد أزر قضيتها .
والخلاصة أن مسألة المستعمرات الإيطالية السابقة تدخل الآن فى دور الفصل ، ولابد لمصر أن تتذرع بمنتهى الحزم واليقظة فى بسط مطالبها ووجهات نظرها فيما تعتقد أنه يمس سلامتها ومصالحها الحيوية ؛ ولن تكفى فى ذلك المذكرات الصامتة ، بل يحسن أن تطرق مصر كل وسيلة دبلوماسية ممكنة لتأييد مطالبها . وأكبر ما تخشاه أن يغدو مؤتمر وزراء الخارجية معتركا للمنافسات الاستعمارية ، وأن تتغلب المساومات الاستعمارية على اعتبارات الحق والعدالة ومقتضيات السلام الدولى ، فتوزع أسلاب إيطاليا الاستعمارية بصورة يهدر معها حق المصير ، وتعود إيطاليا المعتدية الآثمة فى الحرب العالمية الثانية إلى وضع أقدامها فى شمال أفريقية مرة أخرى تحت ستار الوصاية الدولية .
على أنه يجب أن نذكر دائما أن نجاح مؤتمر وزراء الخارجية فى تقرير مصير المستعمرات الإيطالية ليس أمرا محققا ، بل يغلب على الظن أن تنتهى المنافسات الاستعمارية ومعارضات روسيا السوفيتية إلى فشل المؤتمر فى تحقيق هذه المهمة ؛ وعندئذ يجب أن تحال المسألة على الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة وفقا للقواعد التى وضعها مؤتمر وزراء الخارجية فى الصيف الماضى ؛ ويغدو لزاما على هذه الهيئة أن تجد بنفسها الحل المنشود لمشكلة المستعمرات الإيطالية .
