الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 303الرجوع إلى "الثقافة"

مصير سكير، لشارلز ديكنز

Share

سنجرؤ على القول بأنك قلما تجد رجلا - من الذين اعتادوا السير كل يوم في أي شارع من شوارع لندن المزدحمة - لا يذكر من بين الناس الذين يعرفهم بالنظر - كما يقولون - أمرا قبيح الهيئة ، منكر الطلعة ، جافي الخلقة ، ينحدر يوما بعد يوم إلى حمأة الهوان يخطي لا تكاد تحس . حتى إذا كرت الأيام انطبعت له في مخيلة رائيه صورة قاتمة من صور الفجيعة والألم .

وقلما نجد امرأ ممن خالطوا الجماعات ، أو ممن تقضي عليهم مهنتهم بالدخول في غمار الناس وزحمتهم لا يذكر مخلوقا هزيلا اعجف ، كان يسير يوما ما وراء خطوه ، مثالا ناطقا للإملاق والعدم ، وشبحا مجسما المرض والسقم ؛ يسير في اطمار رثة ، ويمشي في اسمال بالية ، بعد أن كان ذا مال ورب تجارة ، وصاحب حرفة وقد تنكر له أخدانه ، وانحرف عنه خلانه . . ذلك لأنه شرب الخمر فشربت عقله ، وتمشت في عظامه :

ما زال يشربها وتشرب عقله            خبلا وتؤذن روحه برواح

فقضت على سعادته واودت بهناءته . فتنكر لزوجه ، وبرم بأولاده ، وسئم السعي والعمل . وقد يكون من أشياء هذا الرجل الذي وصفنا ، من هوى إلى منحدر الرذيلة إثر فاجعة من فواجع الدهر ، كخسارة في المال أو خبيبة في الأمال ، او موت حبيب ، أو ظلم قريب . ولكن الفريق الاكبر من اشباه هذا الرجل يرمي بنفسه إلي اللجة - وهو عامد - حتى يبلغ الماء فاه ؛ حتى إذا هوي إلي القاع وحاول النجاة كان لا سبيل إلي النجاة

وقد وقف الرجل الذي نقص خبر مأساته إلي جانب سرير امرأته المحتضرة واطفالها حافون حولها را كعين ،

تمتزج أناتهم الحزينة بصلواتهم الطاهرة البريئة . وكانت الحجرة مظهرا من مظاهر الرثاثة والحقارة

ونظرة إلي وجه المريضة الشقية ينبئك شحوبه أن الحزن والعوز والهم المقيم المقعد كانت - منذ سنين تحز في قلب البائسة حزا غير رقيق .

وكان إلي جانب المريضة امرأة عجوز يبلل وجهها الدمع وهي تسند رأس المريضة ، التى كانت تحمل طفلها على ذراعها . . ولكن وجه المريضة الشاحب لم يكن يرنو إلا إلى وجه زوجها . فكانت تمسك ذراعه بأصابعها المرتعشة ، وكانت تنظر إليه بعينين سيضعفهما البلى عما قريب ، حتى تولت الرجل رجفة من أثر تلكم النظرات ، وكان ساعتئذ قد جيء به من حانة خمر منتفخ الأوداج ، بعيون ملتهبة يكاد لا يستطيع أن يفتحها

وكان إلي جانب السرير مصباح ذابل الفتيلة ، يرسل شبه ضوء على ما حوله من اشباح ، ويدع ما وراءهم من اركان الغرفة في ظلام وامس .

وكان سكون الليل وهدوءه يملأن الرحب خارج المنزل . وكان سكوت الموت يخيم على الغرفة .

وكان على رف المدفأة ساعة تدق ، وكانت دقاتها الخافتة تبعث صدى رهيبا منذرة بصعود روح إلى بارئها عند ما تتم الساعة دورتها .

وإنه لشئ رهيب ترقب نهاية محتضر ، وان يعلم المترقب أن الأمل قد فقد ، وان من المستحيل الشفاء . فإذا طالت ليالي الاحتضار ، كان حزن المترقبين مما لا يستطيع وصفه إلا من قضى عليه القضاء القاسي بشهود محتضر طال احتضاره .

ومما يذهل ويزعج أن يقضي علي المرء أن يسمع ما يبوح به القلب من أسرار طال احتباسها ، فنفس عنها قرب انفكاك القلب من أسره ، حتى لتلمس قلة غناء ما تضمه الحياة من أقفال وقيود ، عندما تتولى الحمى بهذيانها كسر الأقفال وفك القيود . وكم من قصص حكاها المحتضرون ساعة

شرودهم ، وهي قصص تكون أحيانا من قصص الإثم والجريمة ، حتى إن الواقفين إلي جانب سرير المحتضر يتولاهم الرعب ، ويملؤهم الفزع ؛  وكثيرا ما ولوا فرارا خشية ان يذهب الرعب بعقلهم من هول ما سمعوا .

أما مريضتنا فما كنت تسمع حول سريرها غير نحيب أطفالها ونشيجهم .

وكانت بعد أن تراخت مفاصلها تنقل نظراتها بين أطفالها وأبيهم . ثم سقطت على الوسادة بعد أن حاولت عبثا ان تقول شيئا ، ثم تولتها غيبوبة ؛ فحنا عليها أطفالها ونادوها باسمها نداء رفيقا أول مرة ، ثم نادوها نداء عنيفا قويا بدافع من اليأس . ولكن لات حين جواب ! ثم تحسسوا انفاسها ؛ ثم تسمعوا خفقات قلبها ، ولكن من أين للقلب ان يخفق ، وقد قضى الامر وانطلقت الروح إلي بارئها ؟ !

وسقط الزوج متهالكا على كرسي بجانب سريرها ممسكا بيده جبينه الملتهب ، متفرسا في اطفاله واحدا بعد واحد ، فإذا تلاقت عيناه بعيون أطفاله الدامعة خارت عزيمته . ولم يظفر بنظرة عطف أو كلمة تعزية ، فقد تحاماه أولاده وأجفلوا منه .

وقد أتي عليه حين من الدهر ، قبل أن يصبح سكيرا مدمنا ، كان كثير الأصدقاء والخلصاء ، فأين هم الآن ؟ وقد اصبح احق الناس بالعطف والمواساة ؛ إنهم قد تولوا معرضين !

أما زوجه فقد بقيت على وفائها في سرائه وضرائه ، في الخير والشر ، في الصحة والمرض ، في الفقر والغني . وكان جزاؤها على وفائها أن يؤتى به من الحانة ليراها وهي تلفظ آخر أنفاسها .

ولم يلبث بعد أن قضت نحبها أن خرج هائما على وجهه ، وقد أذهله تأنيب الضمير والخوف والخجل . وقد خبلته الخمر ، وذهب بلبه منظر الموت الذي رأه رأي العين منذ لحظة . ثم عاد إلي حانته ، وبدأ يعب كأسا بعد

كأس فصعد الدم إلى رأسه ، ودارت به الأرض الفضاء   . ثم قال مخاطبا نفسه : كل الناس ميتون فلماذا تشذ هي عن القاعدة ؟ إنها كانت تحسن إلي ، وكان أهلها يقولون ذلك ، ألا لعنة الله عليهم . فماذا عليهم لو بقوا إلي جانبها ولم يتركوها تعاني آلام الاحتضار وحيدة منفردة ؟ . .

والآن ليس يجدي الندم ! إنها قد ماتت ! وقد تكون سعيدة ! ثم نادى الخمار : إلي بكأس اخرى . كأس غير مطففة . إن الحياة سعيدة ما بقيت ، فلنظفر بأعذب ألحانها !

ثم دارت الأيام دورتها ، فإذا الأطفال الثلاثة قد ارتفعوا عن سن الحداثة وجاوزوا حد الصغر ؛ اما ابوهم فقد جاوز الحد بؤسا وإملاقا .

وقد أصبح الفاسق الذي لا يباري ، والسكير الذي لا يرعوي ولا يكاد يفيق .

أما الصبيان فقد هاموا على وجوههم هملا مشردين .

وأما الصبية فبقيت تعمل بيديها ، وكان أبوها يحصل على ما تكسبه من دريهمات ؛ وله إلى ذلك وسيلتان الالحاف حتى تلين ، والضرب حتى تستكين ! ثم دارت الإيام دورتها ، فاذا به يجيئها ذات ليلة ؛ فلما احست بقدومه سألت وهي تنتفض من الخوف من يكون الطارق ؟

فأجابها : ومن تظنين أن يكون غير أبيك ؟ ثم سألها ما خطبك ؟ الم تعلمي أني لم اشرب اليوم إلا قليلا من الخمر ، ذلك بأنه لا خمر بلا نقود ، ولا نقود بلا عمل ؟ !

فلما لم تجبه اعاد سؤاله : ما خطبك يا بنية ؟

فأجابته : إني مريضة ! بل مريضة جدا !

فأجابها بلهجة الرجل الذي يجبر على تجرع الحقيقة المرة : يجب ان تعملي على ان تستعيدي عافيتك ، ذلك لاننا في حاجة إلى نقود . . وعليك ان تبادري إلى طبيب ) الأسقفية ( ليعطيك الدواء ، فإنهم - قاتلهم الله يؤجرون على ذلك ويثابون .

ولما لم تفسح له الطريق ، سألها لماذا تمانع في دخوله ؟

فأجابته هامسة وهي تقفل الباب وراءه : إن وليم قد عاد ؟ فصرخ الرجل كمن اصابه مس : من ؟ . . قالت الصبية : اسكت ؟ إنه وليم . . أخي وليم

وماذا يبغي ؟ أنقودا ، أم طعاما ، أم شرابا ؟ إن كان يبغى شيئا من ذلك فقد أساء اختيار المكان .

فلما سمع الصبي ذلك طلب إلي أخته أن تغلق الباب ! ثم دار بينه وبين أبيه الحوار الآتي :

- تنظر إلي نظر غير العارف . ولا عجب ! فقد طال العهد على طردك إياي والقذف بي إلي الشارع

- وماذا تريد الآن . .

- أريد ملجأ حصينا ، وحمي أمينا - فقد نزلت بي داهية ، وأصابتني مصبية ! ودع تفصيل القول الآن . وحسبك أن تعلم أنه إذا قبض على فالموت لاحق بي لا محالة

وتفسير هذا أنك إما سارق أو قاتل ؟

نعم ! وقد فعلت . وهل في هذا ما يثير عجبك ؟

- وأين أخواك . .

- اين هم . . لا  أين ؟ فإن احدهما قد مات ، والآخر رحل إلي أمريكا فطوته الغربة . وقد مات أخي بين ذراعي ، مات كما يموت الكلب برصاصة من يد احد حراس الصيد ، وقد دعا ربه وهو يحود بروحه ان يأذن لامه ان تدعو ربها أن يغفر خطيئة أصغر أولادها . . وقال لي قبل ان يلفظ أنفاسه الأخيرة : إنها كانت تحبني يا وليم ، فقد كنت بها بارا ولها مطيعا !

وقال لي : إنه لا ينسي آخر لطمة نالته من يدك وأنت في نوبة من نوبات سكرك .

وقد تذكر يا والدي أننا هربنا معا . وهذه - كما ترى - نهايتنا

وكل ما ابتغيه الآن ان ابقى هنا حتى ادبر الوسيلة للفرار إلى بلد ناء بعيد .

وبقي الصبي مع اخته وابيه يومين ، وفي مساء اليوم

الثالث ساءت حالة الأخت ، وكان على الوالد أن يخرج لإحضار الدواء . فلما عاد به وبقليل من نقود جاد بها احد المحسنين كي يستطيع ان يقيم اوده وأود الصبية والولد يومين أو ثلاثة ، مر على حانة في الطريق ، فتردد أول امره ، ثم غلبته شهوة الخمر فدخل . . فلقي رجلين غريبين يرقبان الطريق ، وقد اوشك اليأس أن يصدهما عن مواصلة البحث عن طريدهما ) وكان هذا الطريد ولده ( فلما دخل اتبعاه النظر ، ثم بادر أولهما إلى تقديم الكأس الأولى متفضلا . وقال الآخر : وكأسا اخري تحية مني وتكرمة ! وظلا يسقيانه . . حتى نسبى بنته المريضة وابنه الطريد

فلما تحقق رجلا العدالة ان الخمر قد ذهبت بلبه سألاه عن مقر ابنه ، فلم يستطع إنكارا ، ولم تمض خمس دقائق حتي كان الولد في قبضة العدالة .

فلما رأي الولد أن قد قضي الأمر هاج هائجه ، وجاش مرجل غضبه . ثم توجه لابيه يخاطبه ، وهو يكاد يتميز من الغيظ ويتمزع من الحنق :

إن دم أخي ودمي في عنقك ، فلم نظفر منك منذ احسننا الحياة بكلمة ود او نظرة عطف ، و كنت انت رائدنا إلى الجريمة ، وقائدنا إلى الهلاك ، فمت انت متي شئت وأنى شئت ، فان شبحي سوف يلازمك ملازمة الظل !

وأنا أتكلم الآن كرجل ميت ، وإني لمنذرك أنك يوم تقف بين يدي الله سوف يقف أولادك يشهدون على ما ارتكبت من جرائم ، وما اقترفت من آثام !

ثم اقتيد إلي خارج الغرفة وهو يتوعد ويهدد ، وفي يديه الأغلال والقيود . ثم دارت الأيام دورتها ، وإذا بالسكير البائس يصبح ذات صباح فلا يجد في الغرفة احدا . . فقد تركته ابنته ، تركته لتجوع منفردة . . وليجوع هو منفردا . . ثم دارت الأيام دورتها فإذا بالسكير البائس المسكين قد القى بنفسه في اليم ، فطواه الماء فأصبح من المغرقين .

اشترك في نشرتنا البريدية