الحلقة الثانية من سلسلة " كتاب البعث "
لم يزل الاستاذ ابو القاسم كرو يواصل نشاطه الادبى الذي بداه منذ كان في مهجره بالشرق العربى . ولعل آخر ما قدمه للادب التونسي - والعربى عامة - من خدمات اصداره سلسلة ( كتاب البعث ) فى تونس ، تحت شعار : ( فكر حر ، وحياة افضل ) .
ونحن اذ نرجو ان يكون لهذه السلسلة ما كان لمثيلاتها فى الشرق كسلسلة " اقرا " او في الغرب كسلسلة "is-ge que sa " من ذيوع ورواج ، وننتظر منها ان تحقق ما حققتاه لقرائهما من تبسيط للعلوم وحسن عرض للفنون والآداب ، وتسلية ونفع في آن - اننا اذ نرجو وننتظر لا نعدم فى الحلقتين الصادرتين ما يبرر الرجاء ويحمل على الانتظار ، وان يكن فهيما - مع ذلك - مجال للمناقشة .
وبين يدى الآن الحلقة الثانية : ( مع الشابى ) وهى بقلم صديقه الاديب النابه ، والشاعر التونسي الناثر الاستاذ " محمد الحليوى ".
يقع هذا الكتاب فى ١٤٤ صفحة من الحجم الصغير ضمنها الكاتب سبعة من الفصول احدها بقلم الشابي نفسه ، واربعة من الملحقات التى تخدم الباحثين فى حياة الشابى وادبه اجل خدمة . وهى تمتاز فوق نفعها بانها هى العمل الجديد الذي قدمه لنا الكاتب . اما الفصول فاحدثها عهدا كتب منذ ١٩٥٣ ونشر فى تلك السنة بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لوفاة الشابى . واول الفصول يرجع تاريخية الى سنة ١٩٣٠ عندما صدر لابى القاسم كتاب ( الخيال الشعرى - عند العرب ) .
وقد قسم المؤلف هذا الفصل الذي جعل عنوانه : ( حول الخيال
الشعري .." ) الى قسمين : ( نظرة فى الادب الفرنسى ) و ( نقد الكتاب ) . ألم فى اولهما بتطور الحركة الادبية فى فرنسا ، ابتداء من ( عصر " الاحياء " او " النهضة ": "Renaissance " التى ظهرت فى ايطاليا حوالى القرن السادس عشر . ) وقدم المامته هذه تمهيدا لمناقشة الشابى فى بعض ما جاء فى كتاب"الخيال الشعرى " من اعجاب مطلق بالغرب وآدابه . وقد ناقشه فعلا فى ذلك ولم ينته معه الى وفاق .
وفي ثاني القسمين من الفصل الاول تناول الاستاذ الحليوى كتاب صديقه بالتحليل والنقد معلنا ان الراى الذى بنى عليه ابو القاسم كتابه والذى ينفي عن العرب خصب الخيال ، ويثبت لهم إجداب الشاعرية ، ليس من الآراء الجديدة ، وليس مما يسلم لاصحابه المحدثين والقدامي .
وبعد ان اتهم الناقد صديقه الشابى بالتحامل على العرب ، تحاملا مبعثه ذلك الاعجاب الغامض بالغرب وادبه ، ورماه بانه ( لم يتحر دقة الباحث المنزه.. ) وبالتسرع في الاحكام ، وعدم التجرد عن الهوى ، وعجب من اهماله الحديث عن الشعراء العذريين الذين يمثلون عنصرا له اهميته فى كتاب كالخيال الشعرى . وعجب ايضا من مقارنة الشابى بين شعراء البادية العربية الجاهليين ، وشعراء الحضارة الاوروبية المعاصرين ، - بعد كل هذا تحدث عن اسلوب ابى القاسم النثرى حديث المعجب الذي لا يحد اعجابه ، المقدر لخصائص هذا الاسلوب البديع ومزاياه .
وفي الفصل الثاني تحدث الحليوى عن ( الشعر فى تونس ) وتناول حديثه بالنقد اللاذع تلك المسابقة التى نظمتها مجلة العالم الادبى لاختيار ثلاثة من اشهر شعراء الشمال الافريقي ، يمثلون نهضته الحاضرة . وتعرض في نقده لطريقة التحصيل على الاصوات ، التى اتبعت فى تلك المسابقة من جهة ، ومن اخرى للتعريف بالشعراء الخليقين بحمل هذا اللقب فى مختلف العصور العربية .
والفصل الثالث هو الذي كتبه ابو القاسم الشابى تعقيبا على الفصل السابق ، فصل ( الشعر في تونس ) وفي التعقيب يشترك الشابى مع صديقه الحليوي في التنديد بالطريقة التى اتبعت للتحصيل على الشعراء الثلاثة المبرزين فى المسابقة ، ولكنه يناقشه فى فكرتين : فكرة المقياس الذي يضعه الحليوى بين ايدى قرائه
ليعرفوا به شعراء العربية في مختلف العصور ، وفكرة الاعتماد على الشهرة فى تقدير عظمة الشعراء ، ولو ان الاستاذ الحليوى تنصل من هذه بعض التنصل .
أما ( نعى الشابى ) وهو الفصل الرابع ، ففيه عبرات من صديق على صديقه يوم وفاته ، اججها فواد تلهبه لوعة الاسى ، وارسلها قلم طالما جرى مع الصديق الفقيد في حلبة الادب ، وان كانت تتجافى - من الوجهة الفنية - عن اسلوب الحليوى الذى عرفناه .
ويمثل الفصل الخامس دراسة دقيقة تتناول ( ادب الشابي ) بالبحث وتعتبره اديبا ذا رسالة سامية ، يشعر برسالته ، ويحس بعبئها الثقيل على كاهلة ويحرص على تبليغها للناس حتى لا يبقى ذلك"النبىء المجهول " .
وتعتمد رسالة الشابي - كما لخصها الحليوي - على اركان ثلاثة : ١ - تقديس الشعر والارتفاع بمقام الشاعر . ٢ - تقديس الحب ورفع مستوى المرأة . ٣ - تقديس الطبيعة ورفعها الى درجة " الحي الجليل " . ولعل الشابى كان متأثرا في نظرته الى المرأة والطبيعة بنظرة الشاعر الفرنسي " لامرتين " .
وفي هذا الفصل تحدث الحليوى عن ابى القاسم الشاعر الفيلسوف ، وركز الحديث عن ( فلسفة الشابى ) التى لم يمت حتى كانت مكتملة الاجزاء ، متمايزة الخصائص ، على الرغم من قصر حياة صاحبها .
وهذه الفلسفة تأخذ - فى رأى الحلوى - ثلاثة اطوار : ١ ) طور التشاؤم القاتم المتأثر بمطالعات الشابى لكل من المعرى وجبران . ٢ ) طور الحيرة والتساؤل عن مدى الحياة وجدواها . وفيه كان الشابي يحاول ازاحة القلق عن نفسه ، والتخلص من نزعته التشاؤمية متى وفق الى فهم اسرار الحياة .
٣ ) طور تفهم الحياة والنظر اليها نظرة الجمال الباسم . وفى هذا الطور كان الشابي يتشبث بالحياة ، على الرغم من انه احس بعقارب الفناء تدب اليه ، وفى احدى فترات هذا الطور انشأ " نشيد الجبار " الذي يمثل نظرته الاخيرة خير تمثيل
سأعيش رغم الداء والاعداء كالنسر فوق القمة الشماء
ومن هذا الفصل ينقلنا الكتاب الى ( مكان الشابى فى الادب العربى ) وهو سادس الفصول ليعرب لنا عن تقدير المؤلف لصديقه الشابى ؛ وعده من نوابغ الشعر العربى ، ويرفع منزلته على منزلة جبران وغصوب وابى ماضى من المحدثين اذ يراه اشعر من الاول واعمق من الثاني وامتن من الاخير ، ولعلن ان مكان الشابي ( لا يقل عن المكان الذي احتله امرؤ القيس بتشبيهاته ، وجرير بمناقضاته ، وابو نواس بخمرياته ؛ والمتنبي بحكمياته ، وابن الرومى بهجائياته . وابو فراس برومياته ، وابو العلا ، بلزومياته ) .
وقد سجل الحليوي في هذا الفصل لصديقه الشابى ميزتين : ١ ) ظهوره فجأة كشاعر تام النضج ٢ ) تأثيره العميق في الناشئة الادبية ، وان لم يوجد الى الآن من استطاع ان يحل مكانه ، او يتمم ما بدأ به ، كما يقول الحليوي والفصل السابع والاخير هو ( ذكرى الشابى الثامنة عشرة ) وفيه يلاحظ الاستاذ الحليوى مدى ( الخسارة التى خسرها الادب العربي الحديث ، وخسرتها تونس العربية بفقد هذا العبقرى الفذ ) الذي احدث ما احدث من الدوى حول ادبه وهو الذي لم يعمر فى عالم الادب الاست سنوات ، اذ بدأ ( ينشر آثاره سنة ١٩٢٨ . وتوفاه الله سنة ١٩٣٤ ) . . ( فلو عاش الشابى الى اليوم الملا الدنيا وشغل الناس ) .
وفي هذا الفصل ايضا يعرف الحليوي قراءه بشخص أبى القاسم ومميزاته الذاتية التى تختلف عما يوحى به شعر لا من قوة وجبروت ، اذ هو ( الرجل الذي إذا حدث لا يكاد يسمع ، واذا ناقش لا يكاد يجرح ، واذا اثنيت على شعره او حدثته عن نفسه علت وجهه حمرة الخجل . . ) وهو ( ككل فنان مخلص لفنه لم يكن محبا لهاته المجالس الصاخبة المليئة بالهذر والسخف )
وفي هذا الفصل يضرب الحليوي بابى القاسم اروع مثل للشباب ، ويفجر من حياته ينابيع يوجب على الشباب ان يردوها ، ويستخلص من ثوراته على الجمود والظلم دروسا هى خير ما يتلقاه الشباب عن ابى القاسم ليقوى على خلق ادب جديد ، يباعد بيننا وبين تلك الدروب التى طالما التقينا فيها بهذا ( الادب الضعيف الخانع الذليل الباكى اليائس ) الذي لن يبلغنا المجد
فالمجد فى القمم الرفيعة مالىء جبل الحياة بضوئه الخلاب
هذه هي فصول الكتاب . اما ملحقاته الجليلة الاربعة ، فاولها (ثبت بقصائد الشابى وآثاره النثرية ) واهمية هذا الثبت انه يشير الى الاثر المنشور من آثار الشابي معددا ابياته ان كان شعرا ، ضابطا عنوانه ان كان مختلفا بين نشرتين ذاكرا طالعة ، منبها الى الصحف التى نشرته ، وتواريخها . مقسما عرضه الى قسمين يشمل اولهما ما نشر فى حياة الشابى ، وثانيهما ما نشر بعد موته . وثاني الملحقات محاولة لـ ( احصاء ما كتب عن الشابى )واهمية هذا الملحق انه يقوم (باحصاء الكتب التي تشتمل على مختارات او دراسات مطولة لشعر الشابى ولاحصاء المجلات والجرائد التى خصصت لذكرياته اعدادا او جمعت ما قيل فى الحفلات والمهرجانات ) مع تواريخ كل من تلك المجلات والجرائد وضبط للكتاب او النشرة المعنية بالدراسة .
والملحق الثالث يحصى ما كتب عن الشابى من ( دراسات لكتاب شرقيين وتونسيين ) مع ذكر الصحف التى نشرت فيها وتواريخها .
وآخر الملحقات فيه اشارة الى (مراث شعرية قيلت فى الشابي ) مع تسمية قائليها ، وتعيين الصحف النبى عنيت بنشرها وتواريخ النشر .
فأهمية هذه الملحقات لا تقل عن اهمية فصول الكتاب ، بل لعلها انفع واعون على دراسة الشابي . فاذا كانت الفصول تسبغ على الشابى حلة من راي الحليوى الصديق تارة والناقد اخرى ، فان هذه المراجع ترشد الى راي الاخرين فى الشابى ، والى مدى ذيوع ادبه وانتشاره ، والى مكانته فى نفوس معاصرية والذين جاءوا بعده وقرأوا له وتهيأ لهم ان يكتبوا عنه او يقولوا فيه .
وفي اعتقادنا ان هذه المراجع ستفسح المجال امام الراغبين لدراسة الشابى دراسة منهجية ، وتعين على كتابة سجل ادبى رائع عن ابى القاسم وادبه الخالد .
والحق ان الاستاذ الحليوى كان مرجوا لهذا ، ولكنه اكتفى بفصوله القديمة التى وجدنا فيها مجالا فسيحا للمناقشة ، وكتبنا عنها ما لم تتسع له صفحات ( الفكر ) مما نرجو ان يظهر للناس بعد اليوم .
