الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات، , استفتاء " الفكر "

Share

عندما قرأت اقتتاحية العدد الخاص بـ " مستقبل الثقافة في تونس " من مجلة " الفكر " وجدتها ترجو من القراء : ان يقابلوا بين الآراء والاجوبة التي نشرتها المجلة في هذا العدد ، لجمع من رجال الفكر والقلم ، والمشتغلين بشؤون الثقافة والعلم في المشرق والمغرب .

وقد فعلت .. فقرأت وقارنت واردن ان اشرك معي قراء " الفكر " فيما أنشأت لي من رأي ، حول الاجابات المختلفة عن " الاسئلة العشرة " .

بيد أني قبل ان ابلغ تلك الاجابات ، التقيت باجابة السيد وزير المعارف ، وإجابة الاستاذ علي البلهوان ؛ فهاتان كلمتان لا استطيع ان اسلكهما في عداد الاجابات ، لانهما جاءتا طليقتان من قبود " الاسئلة العشرة " التي صدرت عنهما اجابات الآخرين ، ولكنهما تتصلان بموضوع تلك الاسئلة اتصالا ما ، وخصوصا كلمة الاستاذ البلهوان ، فانها اشد علقة بالاستفتاء ؛ اما كلمة الاستاذ الامين الشابي وزير المعارف فقد كانت - في الحق - ابعد كلمات العدد عن موضوعيه المحدود ، وان التمست الافتتاحية للسيد الوزير مخلصا بارعا من ذلك ، فسمت كلمته : " تصديرا " .

ترى ماذا في هذا التصدير ؟ لعل اهم ما فيه : إحساس وزيرنا المسؤول عن حظوظ الثقافة في البلاد ، بان في الاجابات التي يضمها العدد آراء " تحمل في طياتها كثيرا من العناصر الصالحة للمستقبل "

أفلا يعني ذلك ان وزارتنا للمعارف ستعير تلك الآراء ما هي جديرة به من عناية ، وستأخذ في مناهج المستقبل بما يستحق الاخذ به منها ؟

ان كان هذا - وهو فيما اقدر كائن - فانا اتقدم الى " الفكر " بجزيل التهائي ، على ما وفق اليه عدده الخاص من نجح ، وما سجله من نصر ، وما اعطاه من بواكير الثمار .

وفيما عدا ذلك ، فان السيد الوزير كان لبقا في التخلص من المسؤوليات الثقافية ، بالقائها على كاهل سواه ، كما تخلص من ربقة " الاسئلة العشرة " فهو يقول لنا متحدثا عن الاجوبة التي تضمنها العدد ، والتي تعالج مشكلة الثقافة : " ... فلو لم يكن لها إلا فضل تنبيه الرأي العام الى مشكلة اعتاد الناس ان يوكلوا امرها الى المسؤولين عن التعليم لكان لها بذلك مزية عظمى " .

ومهما يكن من هذا التخلص الوزاري او ذاك فاني اتفاءل بكلمة الاستاذ الشابي ، وأتوسم فيها خيرا ، لانها تتم عن استعداده لتقبل ما يقدمه اليه المثقفون على صفحات " الفكر " من معونة ، وما يسدونه لوزارته من توجيه سديد .

وفي كلمة الاستاذ علي البلهوان اجابات عن مجموع " الاسئلة العشرة " ولو انه أبى التقيد بها ، كما قدمت .

ولم يخل - هو الآخر من حيل " تكتيكية " يخرج بها من شص " الفكر " فقد كان حريصا - فيما يبدو - على ان يجيب " الفكر " ، ويعبر عن وجهة نظره في بعض المشاكل التي تثيرها " الاسئلة العشرة " ولكن يبدو ايضا ان نزعته التحررية ابت عليه التزام نهج خاص او نسق معين في اجابته واستنكف ان يتقيد بهذه الاسئلة ؛ فاذا هو يصهر إجاباته المرصودة كلها في بوتقة فكره الحر ، ويجيب عنها - صبرة واحدة - بكلمة ، لا بأس بفقراتها من طول ومن قصر ولكنها " كالحلقة المفرغة ، لا يدرى اين طرفاها " ولا يعرف ما اذا كانت ففراتها الاولى او الاخيرة او المتوسطة او هذه جميعا هي التي تصلح للاجابة عن سؤال بعينه من الاسئلة العشرة " . ولكيلا يدع لقراء " الفكر " سبيلا الى مؤاخذته عن هذا الانطلاق الغالي ، جاءت كلمته تتحدث عن شيء هو الى ان يعد من وحي اسئلة الفكر ، اقرب من ان يعد جوابا عن تلك الاسئلة ، وهكذا اصبح كل جزء في كلمته صالحا لان يكون جوابا عن سؤال ما ، انما هو تبرع منه وليس مقصودا لذاته واحسب انه من اجل هذا فقط استتر وراء عنوان " ثفافتنا بين الشرق والغرب " .

ومع كل ذلك ، فسنحاول الرجوع الى الاستاد البلهوان كلما استعرضنا إجابات غيره من كتاب العدد ، لانه سيفيدنا باشاراته التبرعية تلك ، وبالتفصيلات التي اقتضاها محور حديثه المختار ، على السواء .

ويفضي بنا حديث الاستاذ البلهوان مباشرة الى إجابات كثيرة تتفق غالبا وتختلف قليلا ، ولكنها - على اتفاقها واختلافها - تؤدي رسالة لا بد من الاعتراف سلفا بانها وقفت على الجملة في ادائها . . رسالة قوامها تحديد المدلولات الثقافية المسؤول عنها تحديدا ما وإنارة السبيل امام القراء والمسؤولين ، حتى يعرفوا الاسس التي ينبغي ان يرتكز عليها " مستقبل الثقافة في تونس " .

وسنستعرض مجموع تلك الاجابات ، ونشير الى موضع اتفاقها او اختلافها عند اللزوم ! .

١ - على فرط ما بين المحجيبين من اختلاف في طرق معالجة الجواب عن " مدلول الثقافة " وعلى ما يلاحظ في الجواب عنه - كما في الجواب عن غيره من تباين في النزعات الفردية والاجتماعية ، والاتجاهات الفكرية ، وحتى التكوين الشخصي عند المجيبين فان الاجابات عن هذا السؤال واحدة في جوهرها او تكاد ، وان اخفق البعض في اداء الجواب او داور فالاجابات متفقة على ان معنى الثقافة الحق ليس هو المعارف الواعبة ، بل هو المعارف الواعية ،..

ان شئت فالثقافة : " حال من النضج الفكري ، ودرجة من المعارف المكتسبة " (١)  او " نضوج العقل بما يتعلمه " (٢) وان شئت فهي : " تكوين " آلة التفكير " تكوينا صحيحا " (٣) او لا ، فقل " هي مستوى يبلغه الانسان وهو يرتقي درجات التهذيب ، ويتفاعل بمؤثرات الحضارة في مختلف مجالاتها " (٤)  ولكن اية حضارة تعني ؟ او يكتفى من المثقف ببلوغ درجة متواضعة من اية حضارة ، ام لا بد من تجديد الدرجة ، وتحديد نوع الحضارة الذي يمكن الاكتفاء به لمنح صفة " مثقفف " ؟

جواب ذلك عند الدكتور الطاهر الخميرى :

- " الثقافة : درجة ممتازة من الحضارة ، بلغها اليونان في التاريخ القديم ، والعرب في القرون الوسطى ، والفرنسيون في العصور الحديثة " ... " والرجل المثقف هو الذي حصل على مقدار كاف من ذلك التراث وتاثر به ، فظهر في تفكيره وتعبيره ، وفي ذوقه وتقديره ، وفي كل ما يتصل بسلوكه الشخصي وعلاقاته الاجتماعية ؛ وظهرت خصوصا في نوع انتاجه "

ولا أريد ان اشير الى كامل الاجابات ، فان بعض ما لم اذكره منها قصرت عبارته عن الوفاء بما يريد صاحبه منه ، والاعراب عما قصدا من المعاني . . وقد كدت اعد من هؤلاء الاستاذ الطاهر قيقة لقوله : " الثقافة اسلوب كيان . . هي سلوك ذاتي بجعل الفرد يحيا ويعمل ويفكر طبق معتقدات دينية وفلسفية معلومة وقواعد اخلاقية محدودة ، ونواميس ذوقية معينة "

اتراه عرف لنا الثقافة ؟ ما هي الحدود التي رسمها لها ؟ ولكن الاستاذ المسعدي انقذ الموقف فجاءت كلماته تلقي اضواء على جواب الاستاذ قيقة ، فقد حسبت انه يعبر عن مثل رأي الاستاذ قيقة بكلمات اوفى بالمراد ، اذ يقول : " الثقافة هي ما ورثناها واقررناها ، وما نخلقه ولا نزال نخلقه من قيم روحية وفكرية وفنية ؛ وما نجسمه من ايمان بتلك القيم : في اشكال الطقوس والشعائر والآداب والعلوم والمؤلفات والآثار والفنون ".

والحق ان هذا الجواب ليس هو الوحيد الذي انفذ جواب الاستاذ قيقة فمن قبله كان جواب الدكتور الخميري - وهو يمسه من قريب - معربا عنه اوضح اعراب .

بيد ان عرض هذه الاجابات وحدها ، والتحرز من اكثر ما عداها ، لا يعني أن كل ما كتبه الآخرون لا يستحق الذكر .. فقد ادخرت اعجابي لجوابين او ثلاثة هي - في نظري - ادق او من ادق ما نحدد به مدلول الثقافة في العصر الحديث . ولعل جواب الاستاذ احمد بن صالح هو الجواب الاول على الاطلاق بالرغم من انه نظر فيه الى الثقافة من زاوية خصوصية ، وطبعه بالطابع العمالي . . ومع ذلك فقد يشفع له ان هذه النظرة تحمل في طواياها معنى انسانيا عاليا :

" الثقافة نتاج الفكر والعمل . . . هي يقظة الفكر والحس والضمير لكل

شيء ، وتوازن قوى الانسان توازنا يوجهه دائما الى الحياة . . الى ماضي مجتمعه .. والى الحاضر الذي عليه ان يتحمل عبأه ، والى الغد ، - وخاصة الى الغد - الذي عليه ان يستعد له ... وهي بالتالي : سعي وقرب وانسجام مع البشرية جمعاء ، وعراك لخلق السعادة وتعميمها ، وبلوغ هدف الانسان الاسمى : العدل المطلق " .

يجب ان اعترف بأن الاستاذ ابن صالح قد انتشر بعض الشيء ، وانساق مع الاسلوب المطاوع ، وتخلى عن الايجاز المعبر الذي عرفناه منه ، حتى كنت مضطرا الى جمع هذا المدلول - على طوله - جمعا من كلماته . ومع ذلك فاني اعترف بأنه محدود الاهداف مضبوط المراد .

ولو شئت ان الخص المدلول الذي عبر عنه لوجدت اكثره في كلمة الاستاذ حسين رشيد خريس " الثقافة : هي المعرفة الواعية لمشاكل الحياة ومؤثراتها العامة مادية كانت او معنوية " .

ويشترك مع الاستاذين ابن صالح وخريس في هذا كل من الاستاذ عامر غديرة والاستاذ احمد عبد السلام . ولو ان الاستاذ غديرة قد ضن علينا هذه المرة بما كان ينتظر منه من تحديد وضبط وصراحة طالما لمسناها في كتابته !

"الثقافة : وعي للحالة البشرية ... يتناقضها في ذاتها ، وتناقضها مع الخارج ثم نزوع الى اجتياز تلك الحالة بالامل والتحرر وطلب الاحسن (؟)  وكل ذلك لا يكون الا بعمل الانسان وابتكاره "

أما كلمة الاستاد عبد السلام ، فهي تقول : ان " الثقافة وعي ... وثقافة الفرد درجة وعيه للكون ولمنزلته في الكون . وثقافة الامة وعيها لمنزلتها في الوجود ... وعلى كل فان الثقافة وعي ينزع الى الكمال ... ولا يتم هذا الكمال الا بالعمل "

لقد اطلت بعرض هذه التعريفات والحدود وقد ضجرت وأضجرت بتناولها على هذا النحو العلمي الذي لا يخلو من جفاف . . ولكني كنت مضطرا الى ذلك لاني اردت  -كما اراد " الفكر " عند ما جعل اول اسئلته عن مدلول الثقافة - ان ارى الى اي حد بلغت عناية المجيبين بضبط مدلول الثقافة ، حتى نسير عند عرض الاجابات الباقيات في وضوح لان اساسها واضح عندنا بين لدينا محدود فضل تحديد.

لم يكن في نيتي - لابلغ هذا التحديد - ان اعيد كتابة العدد الخاص بمستقبل الثقافة في تونس من جديد ، على اساس ان اضم الاجابات المختلفة عن كل سؤال الى بعضها ، وان كنت قد فعلت شيئا من ذلك في تحديد مدلول الثقافة : ولكني هدفت الى ان امد القارىء في خصوص الموضوع الاول الذي يعالجه العدد الممتاز بما يقوم لديه دليلا على مدى ما بين مثقفينا - ومتعلمينا - من تقارب او تباعد في فهم معنى الثقافة وتحديد الوظيفة الحيوية التي يطالب بها المجتمع مثقفيه .

وأحسب اني لم اوفق الى ما هدفت اليه لان هذا التوفيق كان في حاجة إلى ان اطنب في القول اكثر مما فعلت ... انه لا يكفي ان اعرض اقوال الآخرين ، بل يجب ان احللها كتابة كما فعلت نظريا عندما قراتها واقارن بينها واناقشها ما استطعت وهذا ما يخرج بي من مجال التعليق الصحفي البسيط الى عمل نقدي مركز قد تضيق عنه صفحات الفكر .

2 - على اني قد ابديت ما وسعني ابداؤه من الرأي في الاجابات السابقة ، ومع ذلك فان رأيا لي آخر في بعضها لا يسعني الصمت عنه .

والحق ان هذا الرأي لا يمس اجابات المجيبين عن السؤال الاول وحده بل انه يكاد يتصل باكثر الاجابات فى اكثر الاسئلة ...

هذا الرأي يتصل بالصبغة الحازمة الحاسمة التي اصطبغت بها الفروق بين الثقافة الشرقية والثقافة الغربية .

فمذ بدأ كتاب العدد بجيبون عن مدلول الثقافة ، حلا لبعضهم أن يبدأ حملته على الثقافة الشرقية والمثقفين بها - او على المتعلمين الشرقيين في الاصح لانهم ليسوا مثقفين ...- ثم استرسلت هذه الحملة عند اكثرهم في اجاباتهم عن الاسئلة الاخرى الى النهاية .

ولو تابعنا العدد من اوله لاستثنينا الاستاذ البلهوان ، ثم وقعنا للاستاذ ابن حسن على هذه الفقرة التى لا يعسر - طبعا - ردها الى مكانها من الشرق الى الغرب ومعرفة الذين قصدوا بها :

" ... من الثقافة ما يحصل بمعارف عامة متنوعة مستقاة من هنا وهناك

في غير تعمق ولا تمحييص . وهذه الثقافة شائعة ، وليست الا لونا يتلون بها التفكير والقول والعمل ، بل جوهرها التقليد ، بحيث انها لا تكسب صاحبها كفاءة معينة ، ولا هي تمكنه من ان يسلك - في وعى وتبصر - طريقا ثابتة خصبة في المشغل وفي الحياة الفكرية والخلقية .

واكثر ما يكون من وراء ذلك اللون السطحي هو الاقتباس والنقل والتشدق . ثم التعصب عند الشعور بالجهل والعجز "

ونجد مثل هذا القول في بعض ما كتب الاستاذ محجوب بن ميلاد ، ولو أنه في هذه المرة - أقل حدة ولذعا مما عودنا في حملاته على ذوي الطابع الشرقي من المثقفين - بل المتعلمين - لانه كان اقل تركزا او اقل عناية " بالاسئلة العشرة " لا ادري ، ولعلة عندما أحس بذلك أرجأ الاجابة عن سبعة منها ، ولم يهتم بتحديد مدلول الثقافة الاهتمام المرجو من مثله ، فقد " عرف الثقافة بالعد لا بالحد " كما يقول مناطقة العرب القدامى .. .

تجد عند الاستاذ محجوب اشارة الى " المدرسة " التي .. تحشو الادمغة بعقيم المعارف " ... " المدرسة التي تكون المقلدين و " الخزانات المتنقلة " من العلوم ... " ؛ المدرسة التي " تغمر العقول باكداس فوضاها فلا تتجاوز طور التعليم ، ان لم تنقلب خبطا ..."  المدرسة التي " توجه جهدها الى حشو أدمغة الاطفال ... فيصبحون عاجزين عن التصرف بما تلقوا من العلوم والمعارف ، ولا بتجاوزون ابدا طور التقليد ، وطور ترديد الاقوال .. شأنهم شأن الببغاوات ؛ وليس يصح في حقهم مطلقا أن نقول انهم اصحاب ثقافة ..."

لا يكتمنا الاستاذ الحليوي - وهو يتحدث عن روحانية الثقافة الشرقية القديمة ، ان " هذا التراث الروحي للشرق " - هذا الجوهر - قد علقت به على مر السنين اعراض حجبت نوره عن الانظار ، وطمست معالمه حتى تنوسي الجوهر او وقع الزهد فيه ، واصبحت تلك الاعراض الطفيلية هي التي تتجه اليها الانظار خاصة ، فقنعنا من روحية الشرق بالسكون المزيف ، والقناعة الذليلة ، والكسل العقلي ، والخوف من كل " بدعة " وكل ابتكار ، وبما يسميه الاستاذ المسعدي : ( طمأنينة الرخام ). "

بل انه كان اصرح من هذا اذ يقول : " اما الثقافة .. التقليدية " فكل

المظاهر تدل على انها ثقافة قومية ؛ ولكنها - ويا للاسف - اصيبت بشر ما تصاب به ثقافة ما ... اصيبت بالانكماش والتحجر اللذين اولداها " العقم " .

لقد اصبح الحرص على العمل بقاعدة : " وكل خير في اتباع من سلف " وقاعدة : " ما كان اصح علم من تقدما " وقاعدة : " ما ترك الاول للاخر شيئا " وهى اقوال يكثر ترديدها عند اهل تلك الثقافة - اصبح الحرص على كل ذلك مانعا لها من ان توصف " بالثقافة القومية " لتونس المتطلعة الى حياة جديدة " .

وفي كلمة الدكتور الخميرى فقرة تؤول الى شيء من هذا صاغها في اسلوبه الدعابي المعروف ، ولكنه لم يسرف في ذلك ابقاء على ما في الموقف من دواعي الجد .

قال مجيبا عما اذا كان للثقافة العربية المعاصرة تيارات تتجاذبها : " لا ارى ان هناك اتجاهات كبرى او صغرى تتنازع الثقافة العربية ... وانما تتعقد الامور بما ندخله عليها من الاضطراب بتسمية الاشياء بغير اسمائها الحقيقية .

نسمي الطالب التونسي الذي يدرس في جامعات الشرق ذا ثقافة شرقية ونحن نعلم انه درس هناك على اساتذة متخرجين من جامعات اروبية او امريكية . . ونسمي جامع الزيتونة : " الجامعة الزيتونية " ونحن نعلم انها ليست جامعة بالمعنى المتعارف بين الناس في هذا العصر ونسمي تلك المحاضرات العمومية التي تلقى في " الخلدونية " تعليما عاليا . ونحن نعلم انها ليست كذلك ، ونحاول عملية " تنظير الشهائد " ونحن نعلم ان ذلك التنظيم لا يغير من القيمة الحقيقية لتلك الشهائد ..."

وللاستاذ احمد عبد السلام كذلك فقرة ، ولكنها خفيفة لطيفة ، تبذل النصح في رصانة وهدوء ، وتسدي الارشاد في غير اثارة او تحد ، ولا تنقص او استعلاء ... وكم كنت اود ان ينهج الاخرون نهج الاستاذ عبد السلام في مآخذهم على الثقافة الشرقية والآخذين بها ، لان هذه الطريقة ارجى للاصلاح ، واعون على التفهم والاقتناع . اقول هذا وانا من المؤمنين بالصراحة ، اوثرها على الكتمان مهما بلغت من العنف والتهور والايذاء .

قال الاستاذ عبد السلام : " الثقافة العربية مضطرة الى تجدد يلائم بينها وبين التطور ... والثقافة العربية اشد الثقافات اتصالا بماضيها ، وتتحلى تلك الصلة القوية في

رجوع العرب الى ماضيهم كلما اعترضهم في حاضرهم مشكل من المشاكل ، فهم يخشون " البدع " خشية تمنعهم احيانا من الابداع واذا ابدعوا حرصوا على ان يتصوروا ذلك " احياء " لسنة اندثرت ؛ فكل العرب من هذه الوجهة " سلفية " ومن فضل هذه النزعة على العرب ان حكمت بالعقم على كل " تجنيس " وكل " تبشير " لكنها نزعة تجعل تطور الثقافة العربية بطيئا ، كثير التردد . "

وبشيء كهذا من الهدوء ، ولكن بما لا يوازيه عمقا فيما أرى ، قال الاستاذ محي الدين عزوز :

الثقافة الشرقية " .. لها ارتباط كسر بالواقع ، فكثير من الفنون ، كالسلوك الاخلاقي ، وفقة المعاملات ، وجانب هام من التشريع ، مبني على العرف ، وعلى عمل اهل المدينة : او عمل اهل القيروان ، او عمل اهل فاس ...

وهذا من شأنه ان يكسب الثقافة شيئا من التطور المستمر ، في شيء - ان صح هذا التعبير - من الاستقرار ؛ فهي في تغير تدريجي يبدو كانه متصل بعضه ببعض اتصالا تاما .

ولكن هذا أيضا له عيوبه ؛ اذ توهم البعض - خاصة في عصور الجهل - ان الاوائل لم يتركروا للاواخر شيئا ، حتى يعود الى التاريخ فيرى ان ما ظنه تقليدا يختلف بعض الشئ عما قال به الجدود .. "

ونعود الى الصراحة الهوجاء ... - ويسمح لي الاخ الصريح ان اكون صريحا - عندما نطالع اجابات محمد فريد غازي . فهناك اكثر من فقرة تصلح للاستشهاد بها هنا . كتلك التي ترعم " ان عرب لبنان ( المسيحيين ) هم الذين اعادوا للعروبة روحها ، وانهم هم اسس هذه ( النهضة ) " . ولكننا سنقتصر من كلام الاخ غازي على هذه الفقرة الصريحة فيما نحن بصدده عن المثقفين ثقافة شرقية :

" ... ان الاتساع الغربي لم يجد امامه ثقافة عربية حية فقتلها ، بل وجد ثقافة عربية تقليدية تحجرت ، عديمة الفائدة بشروحها ومختصراتها واراجيزها .

وزاد الاستعمار بهذه الثقافة المتماوتة اذ كان يمكن ان تحيا لكن قتلها الاستعمار قتلا نهائيا في شكلها التقليدي حين ادخل على ابناثها مركب النقص "

تلك خاصية الثقافة العربية المعاصرة ، نجدها في موت " الرجل القديم .. " فزعماء الازهر والزيتونة والقرويين ادركوا انفسهم - ادراكا يتفاوت حسب الرؤوس - ان الثقافة التي عاشوا عليها منذ الاشعري ماتت ، او طارت ..." ويأبى الاستاذ قيقة ان يفلت الفرصة فيساهم بقسط يذكر في المس من هذه القداسة

المزعومة التي كانت تسود فكرة " الثقافة الشرقية " ويهتك الستر الذي كان يحجب المثقفين بها - او المتعلمين المنتمين اليها - عن العالم بما يغرس في نفوسهم من مفهوم خاطيء للثقافة ، وهؤلاء المثقفون - او المتعلمون - هم من فئة الزيتونيين والازهريين والقرويين كما يشير الاخ غازي بدون شك .

" خطر لي ان طرحت على المترشحين لبعض الامتحانات سؤالا اطلبهم فيه ان يقوموا بشرح للقول الفرنسي الشهير : " الثقافة هي ما يبقى لنا عندما ننسى كل شئ " فاجابني فريق - وكانوا كثرة - : اذا لم يبق في ذهن الانسان اي شئ مما حفظه واستوعبه فاين الثقافة ؟ وشنوا هجوما عنيفا على قائل العبارة ، والصقوا به جميع النقائص والعيوب .

ان اولئك الشبان كانوا كونوا تكوينا جعلهم يعتقدون ان الثقافة كمية من المعلومات المتنوعة ، ادخرها الانسان في حافظته وهو يستطيع في كل حين بسطها امام الناس ، مثل التاجر الذي يعرض بضاعته للزبون .

ومفهوم الثقافة هذا هو بالضبط مفهوم عجائز قريتي ..." وفي موضع آخر يقول الاستاذ قيقة : " ان اتجاهات الطبقة المثقفة مختلفة احتلافا جوهريا ، فهذا متأثر بالثقافة الغربية ، وذاك بثقافة عربية عتيقة يرجع عهدها الى عصور تقلص ظل الحضارة الاسلامية . وآخر له معلومات سطحية . اقتبسها من الانكباب على مطالعة المجلات الشرقية . ..؟؟ !"

ويختم الاستاذ المسعدي هذه الجملة بفقرته الرصينة هذه : " يبدو لي ان العصر الحديث كان عصرا عني فيه المسلمون - قبل كل شيء - بالمحافظة على تراثهم الثقافي . وصونه من التلاشي والتلف والنسيان . ولا اراهم قد بلغوا بعد العهد الذي سيجددون فيه هذا التراث ويزيدون عليه وينمونه ، بل ارى عهد المحافظة والدفاع . وعهد التقليد والتلمذة والاقتباس ، وعهد القصور عن " الاجتهاد " والجراة والخلق . لا يزال ممتدا على اختلاف في اللون من القرن التاسع عشر الى اليوم "

" ... ولا اظن ان جميع ما كتب امثال الافغاني وعبده ، ولا حتى ما ردده شعر محمد اقبال ، فيه غير التذكير والترديد لما انتجته الثقافة العربية الاسلامية من قيم في عصورها الخالية . وانا موقن بان الاسلام وثقافته لا يزالان يترقبان ظهور " غزالي " حديث : واني لهما بمثله ؟ ."

٣ - في غبار هذه الحملة التي اثارها اكثر كتاب العدد على الثقافة الشرقية ، وعلى ضوء تلك المحاولات الموفقة التي قاموا بها لتحديد مدلول الثقافة يمكننا ان نلمس الاجابة عن " الاسئلة العشرة " التي وجهتها مجلة " الفكر " . ففي اعتقادي ان هذين الجانبين من الاجابات يمثلان آراء المجيبين على اختلافها واختلافهم ،

ان فيهما ما يشير الى الفارق بين الثقافة والتعليم (١) ، اذ التعليم - في راي اكثر المجيبين على الاقل - ليس الا وسيلة جوهرية من وسائل الثقافة ، قد تحققها وقد لا تحقق .

وفيهما ايضا ما يشير الى مفهوم الثقافة الغربية والى مفهوم الثقافة الشرقية (٢)  وراي المجيبين فيهما ، وموجز الراي ان الثقافة الغربية هي التي ينبغي ان نتوجه اليها ، بدون ان نغفل العناصر الصالحة التي يمكن الاحتفاظ بها من الثقافة الشرقية والتي قد تعيننا على تشييد هيكل متين لثفاقتنا القومية المقبلة . اما العناصر غير الصالحة فهي التي لقيت ثقافتنا الشرقية من اجلها تلك الحملة الشعواء من مثقفينا المجيبين .

واحب ان اعود الى تلك الحملة لاسجل بعض ملاحظات هي من آكد ما اردت ابداءه من الراي في استفتاء " الفكر " .

لقد سبق لي ان اعلنت اني اوثر الصراحة على الكتمان ، . . ولكن سبق لي ان اعلنت ايضا ان ما كان من الحملات هادئا رصنا لا يرمي الى الاثارة والتحدي بل يهدف الى الاصلاح والاقناع ، هي عندي اصلح الحملات واجدرها بالعناية ... فانا - اذن - ( لا اكره " النقد " ، بل امقت " الخصام " ) . ومن الصراحة ان ينبه اكثر المجيبين الى ان حملتهم على الثقافة الشرقية واهلها ، تقوم في الغالب - على الاثارة ، ومن ثم كانت " الخصومة " جل ما يرجى من ورائها . وما اظن ان هذه " الخصومة " مما يعنى به المثقف ، مهما ضؤل حظه من الثقافة " ...

كنت احب ان ينتبه الذين اثاروا هذه الحملات الى الاسباب والنتائج ... الى الاسباب التي تدعو الى هذه الحملات ، والى ما يمكن ان يقطفوه من تمارها .. ولو فعلوا قبل البدء لعلموا انه لا محل لحملاتهم تلك او لا داعي - فى الاصح - لان تكتسي حملاتهم تلك الصبغة الحاسمة التي اصطبغت بها في هذا الاستفتاء وفي غيره مما لم تزل تنتجه الاقلام ، او تتحدث به المجالس ...

ماذا يأخذون على الثقافة الشرقية واهلها ؟ قبل ان اجيب ، يجب ان يكون واضحا اني مقتنع فضل اقتناع بان كل دفاع عن الضعف والخور والانكماش والجمود ... لا مصير له الا الفشل الذريع ؛ واني لا انكر - ولا استطيع ان انكر - ان الثقافة العربية بل الشرقية ظلت امدا في تخلف وضعف وجمود وتقلص ؛ وانها - والثقافة الاسلامية منها بالخصوص - مازالت تعاني هذه السكرة ، وتتخبط في تلك الازمة ، وان الحظ الاوفر من مسؤولية ذلك يقع على كاهل بعض المشتغلين بهذه الثقافة والقائمين عليها .

والآن ، اعود فاسأل : ماذا يأخذون على الثقافة الشرقية واهلها ؟ الذي يأخذونه عليهما كثير واقطع ما فيه انه متهافت الى حد التناقض احيانا ، وانه لا ينظر فيه الى واقع الاشياء بل الى مجرد ما اشتهرت به ، او عرف عنها منذ القدم .

لا اريد ان اهتبل فرصة الكتابة لانفس عن ذات صدري ولكني اريد ان " اتحدث بالنص " كما يقول الاولون " اريد ان اتناول عرض اشياء وردت في بعض اجابات " الفكر "

يتفق الاستاذان قيقة وابن ميلاد بالخصوص ، على التنديد بفكرة الترابط بين الثقافة والاستيعاب العلمي . فالاستاذ قيقة يعتبر ان هذا المفهوم الساذج للثقافة هو بالضبط الذي كان يفهمه العجائز في قريته ، والاستاذ ابن ميلاد يعتبر ان هذا الفريق من الناس ليس الا " خزانات متنقلة " .

وأنا اسأل الاستاذين : أنى لكما ان المثقفين - او المتعلمين - الشرقيين يفهمون من الثقافة الاستيعاب ، ويحرصون على الربط بين الثقافة وجمع المعلومات هذا الحرص الذي ينتهي بكما الى المؤاخذة ؟

اما في الماضي فان المشتغلين بشؤون المعرفة والفكر كانوا يقاومون هذا الترابط . ويعنون بغسل العقول منه . واما في واقع الشرق فان الذين يتصلون بالثقافة الشرقية - من زيتونيين وازهرين وقرويين - لا يستطيعون ان يحققوا هذا الشرط : شرط الترابط بين الثقافة والاستيعاب الا اذا اخرجوا انفسهم من زمرة المثقفين . وما احسب انهم يرضون بذلك ، حتى لو كانوا في واقع الامر خارجين .

في الماضي - في اكثر الاعصر الاسلامية - كان لفظ " العلم " هو الذي يؤدي مدلول " الثقافة " بالضبط ؛ وان انكر ذلك الاستاذ قيقة ، اذ قصره على استعمال عجائز قريته ؛ واهمله الاستاذ محجوب ، اذ أغفل عده فيما عد من مدلولات كلمة الثقافة بعد تطورها .

فمالك بن انس كان عالما من المجتهدين ومعنى ذلك بلغة عصرنا انه كان مثقفا . فهل راعى الناس في وصفه بذلك انه كان مستوعبا لمسائل العلوم ؛ كلا . بل انهم وصفوه بالعلم وقالوا عنه وعن مثله : " العالم عالم بالقوة لا بالفعل " وعنوا ان عدم استيعاب المثقف للمسائل لا يقدح في وصفه بذلك ادا كان فيه اهلية للنظر وقابلية لوعي الاشياء .

وهذا نفسه هو الباعث الذي جعل الاولين والمتأخرين يضربون المثل بمالك نفسه ، ذلك العالم المجتهد على نزاهة العالم من جهة وعلى عدم القدح فيه اذا لم يكن مستوعبا للمسائل من جهة اخرى فقالوا : " سئل مالك ، فقال في نيف واربعين مسألة بها سئل عنه " لا ادري ! " ذلك ما كان عند القدماء واخذه عنهم الذين جاءوا بعدهم ؛ فهل يتهم المشتغلون بالعلوم الشرقية بعد هذا بانهم يراعون في المثقف الاستيعاب ؟ !

اما المحدثون - المعاصرون مثلا - فاين اشترطوا هذا ؟ قد يكونون اشترطوه في ميدان العلوم ، اما في ميدان الثقافة فلا . على ان اشتراطه حتى في ميدان العلوم لم يبق له أثر يذكر الا عند قوم باعيانهم .

نرى كم عدد الذين يعدون اليوم ( اخزانات متنقلة ) كالذين شير اليهم الاستاذ ابن ميلاد ؟ وكم عدد الذين يحفظون القاموس المحيط عن ظهر قلب .. كذلك الذي اشار اليه الاستاذ ؟؟!

عدد " الخزانات المتنقلة " اليوم بين المتعلمين على الطريقة الشرقية لا يعدو واحدا في الالف يا استاذ محجوب ؛ اما عدد الذين يحفظون القاموس فقد اصبح تحت الصفر ... يا استاذ قيقة ؛ ولعل آخر من اشتهر بذلك من علماء تونس هو الشيخ سالم بوحاجب رحمه الله .

لقد اصبح اكثر المتعلمين على الطريقة الشرقية مؤمنين بقول احد علماء المسلمين القدماء  - نسيت اسمه وصدر مقاله - " فغارت ثم فارت " يعني انه قرأ من العلم كثيرا ثم اهمل ما قرأ ، ولم يبق لديه الا ما تأثر به من قراءاته ، فاذا تلك المعارف العائرة تفور ، وتنشئ منه عالما . . مثقفا . . وهذا بالضبط ما يعنيه

القول الفرنسي الذي نقله الاستاذ قيقة : " الثقافة هي ما يبقى لنا عندما ننسى كل شيء " ... وهذا ايضا ما يدل على ان المشرقين في ثقافتهم كالمغربين ، لا يعنون بالحفظ والاستيعاب الى الحد الذي يظنه الاستاذان ..

على انه اذا كان يسركما - ايها الاستاذان - ان يقل الحفظ بين المتعلمين - قبل المثقفين - وتنحط نسبة استيعاب المسائل ، فأبشرا ، فقد حقق الله رجاءكما . وهل نذيع سرا ، او نعلن جديدا ، اذا قلنا : ان عدد الذين يضطلعون يحفظ القرآن - اقول القرآن وهو الكتاب المقدس - قد اصبح بين الزيتونيين - شيوخا وتلاميذ - كبيض الانوق ؟!

اما في الشيوخ فاحسب انه لا يعدو نسبة الربع ، واكثر الذين ما زالوا يحفظونه هم من اقدم الزيتونيين .

واما في التلاميذ ، فالظن ان عدد الحفاظ لا يتجاوز - على اي تقدير - نسبة ثلاثة فى المائة .

وقد اهمل حفظ الحديث اهمالا فاضحا ، واصبح حفظ المتون خرافة يتندر بها التلاميذ ، ويحس الشيوخ انهم " يكلفون الايام ضد طباعها " اذا طالبوا تلاميدهم اليوم بحفظ مقدار من المتن مهما قل .

هذه - اذن تهمة زائفة على الذين يتسلحون بها ضد اهل الثقافة الشرقية ان يطرحوها من حسابهم . . .

ويؤخذ على هؤلاء المستشرقين ... انهم يعيشون على الماضي ، ولا يسرون الخير الا فيه .

" فكل خير في اتباع من سلف           وكل شر في ابتداع من خلف "

كما نبه الاستاذ الحليوي . وسبب ذلك في زعمهم : انه " ما ترك الاول للاخر شيئا " كما نبه الاستاذ الحليوى ايضا .

وهذه تهمة اخرى يجب ان تسقط من الحساب ، لان القدماء والمحدثين من ذوي النزعة الشرقية كلاهما لا يستطيع أن يعمل بها وان كان قد يقولها .. بل ان القدماء قد اسقطوها باعمالهم ، مثلما اسقطوها باقوالهم .

ان الجاحظ وهو من متنوري الأقدمين طبعا ، ولكن اخذ عنه سواه من غير المتنورين ، واقتنعوا برايه في هذا الصدد قد بدد بالذين يعولون على قول الذين

سبقوا عصرهم فقد يزعمون انه " ما ترك الاول للاخر شيئا " وعلى ذلك فإن الخطيب القزويني ، في معرض الاقتناع بكلام الجاحظ ، والنصح بالتعويل عليه ، كتب لنا :

" قال الجاحظ : وكلام كثير جرى على ألسنة الناس وله مضرة شديدة وثمرة مرة . فمن اضر ذلك قولهم : ( لم يدع الاول للاخر شيئا ) فلو ان علماء كل عصر - مذجرت هذه الكلمة في اسماعهم - تركوا الاستنباط لما لم ينته اليهم عمن قبلهم . لرايت العلم مختلا " (١)

هذا ما للقدماء ، اما المحدثون المعاصرون ، فقل فيهم من يعتمد على الماضي وخصوصا ابناء الجيل فهم يتعشقون الجديد ويحفلون به قدر ما ينفرون من القديم ولو كان صالحا .

انهم قد يجهلون مؤلفات الجاحظ وابي حيان .. والاشعري ، والغزالي . والمتنبي والحصري وابن زيدون . . ولكنهم يعرفون طه حسين ورئيف خوري ومعارك العقاد والرافعي ، وانتاج محمد كرد علي ، في مجال الادب والقلم ؛ وفي مجال العلم ايضا يعرفون عز الدين التنوخى وعبد المتعال الصعيدي ومحمد عبد المنعم خفاجي والشيخ بخيت - المعاصر - والشيخ محمد محي الدين عبد الحميد وغيرهم من شيوخ تونس والجزائر والمغرب ومصر والشام ، ويعرفون اقوالهم في الدين والبلاغة ، وان كانوا قد لا يوافقونهم ، اكثر مما يعرفون الشيخ التاودي وسعد الدين التفتزانى والشيخ الدسوقي ، ممن يحملون على دراسة كتبهم حملا ...

لقد اردت ان اكتب تعليقا على استفتاء الفكر ، فمالي ولهذه الآراء ابديها ؟ اني لم افكر قط في ان انتصب للدفاع ، وخاصة للدفاع بهذه الوسائل التي يعتدها الذين يظن اني ادافع عنهم اتهاما لهم ، ويرونها من " باب تاكيد الذم بما يشبه المدح " فلاقف عند هذا الحد ، ولاعف صفحات الفكر من هذا السيل ... الذي يكاد يجرفها ...

بيد اني لن افعل قبل ان انبه الذين لا يزالون يتشككون في المثقفين ثقافة شرقية من معاصريهم ، والذين يحملون عليهم وعلى ثقافتهم تلك الحملات التي لا

ترحم .. - انبههم - باسم الثقافة التي تحمل على التجرد وعلى التمحيص وامعان النظر والتدقيق في الامور - الى ان يكونوا يقظين . . مثقفين حقا ؛ فلو انهم كانوا يقظين لعلموا ان كل شيء في المثقفين ثقافة شرقية قد تغير او هو في طريق التغير ولكن حضرات الناقدين المثقفين . . ما زالوا يقيسونهم على اسلافهم ممن تعلموا بمثل وسائلهم او علموهم .. ممن لا يروقون لناقدينا هؤلاء ...

ايها السادة ... " انظروا الى المقال ، لا الى من قال " . . ولم لا نتكاشف اترون ان يبن جوابي الاستاذ عبد العزيز بن حسن مثلا .. وهو غربي الثقافة . والشيخ الهادي حمو مثلا - وهو شرقي الثقافة - فرقا ينكر او نقصا يضع من جواب الاخير ويرفع من مقام الاول ؟

ان اجدر ما يستحق الذكر هنا " جواب الاستاذ احمد ابن صالح : " ليس عندي ثقافة غربية او شرقية . . الثقافة لا يمكن ان تكون جغرافية او " طقسية " او تاريخية . ولا يغرننا ما اصابها مدة قرون من تدليس ، خلقه التفاوت في التقدم الصناعي والاقتصادي ، وبالتالي ، التفاوت في التوازن الاجتماعي والتوازن الثقافي "

" الثقافة العربية ، الثقافة الاسلامية ، الثقافة الشرقية ، الثقافة الغربية ... كل هذا خطأ "

او جواب الاستاذ الهادي حمو : " يعسر جدا ان نجد حدودا فواصل بين ثقافة الشرق وثقافة الغرب " او جواب الاستاذ عمر فروخ : " الثقافة مدرك عام ، لا تحصره " شرقية " ولا " غربية " ! "

ولم نذهب بعيدا .. لم نذهب الى البحث عن عدم وجود فرق كبير يستحق هذه الحملات الشداد بين ثقافة الشرق وثقافة الغرب ، وهذا الاستاذ الطاهر قيقة نفسه يعتبر ان الدعوة الى التفريق بين الثقافتين جب يراد ايقاع المجيب فيه فيقول :

لا اريد ان أسقط في جب سقط فيه اقوام ..." ويقول ايضا : " اني عاجر عن تعريف الثقافة الغربية والثقافة الشرقية ولا آمن في الحديث عنهما المغالطات والملابسات ، وتشويه الحقائق ، ولملمة الافكار "

اذن لم يبق مجال للتفريق بين الثقافتين ، ولا مجال - تبعا لذلك للتفريق بين المثقفين الشرقيين والمثقفين الغربيين . وهذه هى توصيتي الاولى لحضرات المثقفين

اشترك في نشرتنا البريدية