ان شخصية الدكتور عبد الرحمن بدوي غير خافية على الشباب التونسي الذي اقبل على قراءة ما يؤلفه هذا الدكتور بشغف كبير يدل على مدى تقديره لزعيم الوجودية في الشرق . على ان الدكتور بدوي لم يعد فقط احد اقطاب الوجودية بل هو ايضا في طليعة مفكري الاسلام ومن اكابر الهيلانيين في العالم .
ونظرة مستعجلة على قائمة مؤلفاته تكفي للدلالة على مدى اتساع معارفه وعن عمله الجبار في حقل الفلسفة الاسلامية .
غير ان كثرة تآليفه لم تصرفه عن التعمق في المسائل العلمية الراقية . وكتابه الزمان الوجودي الذي نقدمه اليوم حجة ساطعة على ما نقول . وهو كتاب قيم ذو مرام واغراض عالية وافكار عميقة تجعله صعبا على القراء الذين ليس لهم المام بالنظريات الفلسفية الحديثة والتيارات الادبية المعاصرة ؛ وذلك لان مؤلفه لم يكن يقصد عندما وضع هذا الكتاب تبسيط النظريات واختزال الاراء على غرار ما تفعل الصحف الاخبارية وبعض المجلات ولكنه قام بمجهود جبار الغاية منه جعل الفكر العربى الناهض يحتل مكانته في ميدان البحث المجدي بما يتمشى مع ماضيه العلمي المجيد .
يبدأ الكتاب بهذه الكلمة : " وجود الانسان نسيج من الواقع والامكان ، يحاك على طول الزمان . فالوجود نوعان ، وكلاهما يطلق بعدة معان : وجود مطلق ، ووجود معين ".
وبعد هذا باخذ المؤلف في تحليل معني الوجود بنوعية وصلته بالزمان مستعرضا لاراء الفلاسفة في هذا الموضوع من ارسطو حتى اليوم خاصة نظرية هيجل التي هي نقطة البدء الضرورية لكل مذهب في الوجود سواء أكان يؤيدها او يرفضها والتي حصر نقطها الرئيسية فيما يلي :
1) ان الوجود في مشاقة مع نفسه ويحتوي في داخله على عراك وتمزق
باطن ، ولكنه عراك ينتهي في الخطوة التالية ولا يلبث ان يرفع ، ثم يعود من جديد وهكذا باستمرار ، ولكن النتيجة العامة هي التطور المتقدم للروح المطلقة على مدى الزمان الى ان تبلغ في النهاية تمام امتلاكها لتصورها ، وكمال شعورها بذاتها .
٢ ) ان الشخصية بمعنى الذات المفردة القائمة بنفسها ليست بذات وجود حقيقي وانما وجودها وجود عرضي ليس الا وسيلة لكي تبلغ الروح المطلقة او الصورة كمالها .... والحرية ليست بالمعنى الحقيقي لدينا ، الا وهو الامكانية المطلقة للذات المفردة لان تقول نعم او لا . وانما الحرية هي القدرة التي للروح المطلقة على خلق مظاهر تحققها .
٣ ) ان الروح المطلقة تعرض نفسها في الزمان كشئ تفرغ مضمونها فيه ، ولا تلبث حين يتم كمال شعورها بذاتها ان تنبذه . والزمان تبعا لهذا شيء فضولي على الروح المطلقة او غشاء تحل فيه دون ان يكون عنصرا جوهريا في تكوينها ودون ان يكون له ادنى اثر في تكييف مضمونها وتحديد مجرى تطورها .
وبعد هذا اورد المؤلف راي كيركيقورد ومن تبعه من الفلاسفة الوجوديين ذاكرا نقدهم لوجودية هيجل : كانت الثورة الهائلة التي احدثها او انذر بها كير كيقورد . فبعد ان كان الفكر هو الذي يضع الوجود ، كما عبر عن ذلك ديكارت في مقالته الشهورة : انا افكر فانا اذن موجود ، صار الفكر مضادا للوجود وتبعا لهذا ، فانه كلما زاد الفكر قل الوجود ، وكلما زاد الوجود قل الفكر ".
وفي موضوع آخر يقول : " والعلة في ان الفكر يقضى على الوجود هو ان الوجود الحي ، اعنى المشعور به ، نسيج من الاضداد والمتقابلات ، واذا كان كذلك فان الشعور به لا يتم الا بمعاناة ما فيه من توتر عن طريق تجربة حية مباشرة ، اى دون ادنى توسط . ولكن الفكر توسط لانه صورة بين العارف وبين موضوع المعرفة ، وليس معاناة مباشرة ولا معاينة حية . ثم ان الفكر او العلم يقوم على الكلي ، بينما الوجود وجود فردي جزئي ؛ ولذا اتسم الفكر بطابع العموم واتسم الوجود بطابع التفرد او الفردانية ، وكان المثل الاعلى للاول الموضوعية بينما الذاتية او الشخصية هي القيمة العليا للوجود الحي المشعور به والنتيجة لهذا كله ان الفكر مضاد للوجود ".
ولما وصل الى تحليل راى هيدقر قال : " والمهم ان نفهم ان ثمة وجودين : وجودا للذات على هيئة امكان ، ووجودا لها على هيئة واقع . ويتم الانتقال من الامكان الى الواقع بفضل الحرية .
فبواسطة الحرية التي للذات الممكنة تختار الذات بعضا من اوجه الممكن
وتحقيقه عن طريق الارادة . وهذا التحقق العينى يتم في العالم ويسمى حينئد بالآنية . وهذه الآنية نوع من التفسير والفهم كما يقول هيدقر ، للوجود الممكن او الوجود الماهوى ... والمصدر الذي عنه تصدر الانية في تفسيرها للوجود الممكن هو الزمان وبعد هذا يعرض لنا الدكتور بدوي نظريته الخاصة في الزمان فيقول : " وعدم تفسير الوجود على اساس الزمان هو العلة في اخفاق ما قال به الفلافسة من مذاهب في الوجود حتى الآن - والذين حاولوا منهم ادخال الزمان الى حد ما في تفسيرهم لبعض انحاء الوجود لم يفهموا الزمان بمعناه الحقيقي . . ذلك انهم فهموا الزمانية بمعنى الوجود " في الزمان " ووفقا لهذا قسموه اقساما : فقسم من الوجود يخضع للزمان ويجرى فيه كأحداث الطبيعة والتاريخ ؛ وقسم لا يخضع له ولا يرتبط به كالنسب الرياضية ، وكل هذا في داخل الوجود الطبيعي او هذا الوجود . ثم قسموه قسمة ثنائية أخرى الى وجود في الزمان ، هو هذا الوجود الثاني ووجود فوق الزمان هو الوجود الازلي الابدي ، بينهما هوة . . .
انما الوضع الصحيح - عندنا - ان نفهم الوجود على انه زماني في جوهره وبطبيعته ؛ وتبعا لهذا فان كل ما يتصف بصفة الوجود لا بد أن يتصف بالزمانية وليس معنى الزمانية مجرد الوجود " في الزمان " - وكان الزمان إطار يجول فيه الوجود أو إناء يحتويه كما ينظر عادة الى المكان فيخلط بين الزمان والمكان . بل فضلا عن هذا فان ما يدعونه " فوق الزمان " أو " خارج الزمان " هو ايضا زماني ، وزماني بالمعنى الايجابي . وصفة الزمانية اذن تطبع نفسها على كل موجود وتشيع فيه روحه الحقيقية ؛ وهي المقوم الجوهري لماهية الوجود ، والفاعل في تحديد معناه والصورة التي على نحوها يبدو ويختم كلامه بقوله ... " لا وجود الا مع الزمان وبالزمان ، وان كل ما ليس بمتزمن بالزمان فلا يمكن ان يعد وجودا ؛ وتلك هي ما نسميه بتاريخية الوجود . وان كل آن من آنات الزمان مكيف بطابع وجودي عاطفي ارادي خاص ، وليس الزمان اذن مكونا من وحدات كمية متشابهة في الكيف بل بالعكس هو متكون من وحدات منفصلة ولكنها ليست كمية بل كيفية ؛ فالزمانية إذن كيفية . وهاتان الحقيقتان معاهما ما نعبر عنه بقولنا : إن الوجود ذو تاريخية كيفية " .
