ارايت النوتى عند نجاته من الغرق حين سكنت الاعاصير التي تلاعبت به فجعلته لا يفقه ابن المتجه ؟ فهو يقف مفكرا حاسبا ليضبط موقعه ويقرر وجهته وذاك شان " تونس الجديدة " التى استعرضها الاستاذ التلاتلي فى الكتاب الذي اصدره في السنة الفارطة باللسان الفرنسى
وعلمنا اخير ان فى نية المؤلف ان ينشر طبعة عربية لكتابه ، قام بتعريبها الاستاذ السويسي ، ويصادف هذا الكتاب مرحلة من ادق المراحل التى تجتازها البلاد التونسية فيسرنا ان نقدمه لقراء " الفكر " ببعض ما جاء فيه من اهم الافكار واجمل التوجيهات :
يمهد المؤلف كتابه بفقرة من الكاتب الشهير اندري سيقفريد : " لكثير من البلدان ما يدعو الى الاغتباط بها ، فهى لها فى اتجاه ما نافذة تفتح على اللانهاية ، وعلى الامكانية ، وعلى المستقبل ، ويصير لهذا الاتجاه في نظرها معنى يشبه الرمز ، او هو يصطبغ صبغة السر الكونى الخفى . . "
وبالنسبة الى الشعب التونسي كانت هذه النافذة هي " التي تهدف اليها القوى الحية لشعب باجمعه فيجنى نورها لكافة القلوب أمالا فسيحة ، ويشرف المرء من ورائها على وطن الحرية المرح الزاهى " - والآن وقد اقتحمت النافذة ، بفضل ما بذل في ذلك من تضحيات دامية - يلوح الكفاح في سبيل ترفيع المستوى المادي وفي سبيل الرقي الاجتماعى تابعا طبيعيا بل تتويجا حتميا للحركة التحريرية الوطنية - ويضمن المؤلف في ذلك قول الرئيس الجليل - وفي قوله الحق - :
" ان الاستقلال بلا ازدهار خديعة وغرور خطير " " وصارت المشكلة هي في جوهرها ان تنشأ دوما موارد مستحدثة للانتاجات الوطنية " :
وهذا الانشاء المستمر المتزايد المنظم يستدعي استغلالا بليغا - تتظافر فيه جميع المجهودات - لامكانياتنا المنتجة ، بان يحول اقتصادنا الذي اقره النظام الاستعماري فى درجة وضيعة منخفضة الى اقتصاد رشيد حطم ما عليه من حجر . وفي كل ذلك ما يجعل امامنا عملا جبارا مترامى الاطراف ، عملا يتأكد القيام به تاكدا ملحا حيويا . .
" ولكنه يجدر بنا قبل كل شىء ان نضبط . موقعنا وان نعلم اين حللنا وعلى اى دعامة يمكننا ان نعتمد وعلى اي قاعدة يمكننا ان نرتكز لكى نستعمل ما بين ايدينا من المواد لاشادة ما فى الامكان اشادته ولبناء ما يجب بناؤه
فما هى حالة فلاحتنا وصناعتنا التقليدية وصناعتنا العصرية الفتية وتجارتنا ؟ وما يختص به جميعها ومالها من الامتيازات التى من شانها ان تعين على احياء انتاجنا احياء . سريعا قويا ؟ وما هى في هذا الشان امكانياتنا البشرية من حدث الكم ومن حيث الكيف وكيف يلوح تكوين نشاتنا وفي اي مظهر تظهر سوق الاستخدام ويلوح المستوى العام للعيش ؟ "
تلك جملة من الاسئلة يسعى المؤلف في ضبطها ويحاول ان يجب عنها ، مدققا الواقع الحي للبلاد . مصدرا اياه في وسطه الطبيعى ، فاتجا مشكاة تشرف على الآفاق والاتجاهات التي من شانها ان تاتي بالحلول للمشاكل المبسوطة فى هذه الميادين لتونس الحديثة
ويرجو المؤلف ان يتجلى من استعراضه لهذه المشاكل السلوك الذى يجب ان يسلكه التونسي وان يتضح لاصدقائنا فى الخارج وجد تونس التى هى بالرغم عما قاست من الالام في الماضى وما يعترضها من ملح الحاجة اليوم تولى وجهها واثقة مؤمنة نحو النور المنبثق مما قدر لها من حظ جديد .
ويفيض شعور المؤلف ويتدفق طموحه الحساس فيرمق المستقبل بعين المؤمن الواثق . . .
وينبلج فجر جديد على قارتنا الافريقية العتيقة فجر تجمعت فيه آمال الاحياء والاموات . . وغياهب الليل البهيم ستنجلى . .
وإنها لساعة الصبح المواتية ، حيث يشرع الزارع فى خط حرثه ناشرا بذور اماله الخضراء اليانعة ، ساعة يقبض فيها بيده على اللحمة الخفية للصابات المقبلة . ساعة نيرة تتمخض عن الخرمات الثقيلة بالحبوب والاكداس العسجدية التى تنبعث منها الحضارات الناهضة "

