وصلنا برورفت في الأسبوع الماضي إلي عامه الأربعين ، واليوم نواصل حديثنا هذا الخاطف عما جاء من بعد الأربعين .
ووصلنا به إلي حيث اعجزه المرض ، وأزمن ، وابت الحركة أن نعود إلي رجليه فعد هذا جاءه كتاب من شاب أصابه من الداء مثل الذي أصابه ، بأن دام خف ثقله ، ثم انتفي ، باستحمامة بمياه " هت سيرمح " في مقاطعة جورجيا بالجنوب الشرقي من الولايات . فطار روزفلت إلي تلك المياه طيرانا . وما كاد يحس شيئا من التحسن يصيب ما عجز من جسمه ، حتى تراءي له ان يقوم على تنظيم تلك المياه حتى تكون مسترادا ومستمتعا وشفاء لكل من سصيبه من عنت الدهر ما اصابه . وانفق في هذا المشروع نصف ماله . وفي هذا العمل البسيط تنكشف لمدارس روح روزفلت ، وتنكشف عن العناصر الأولية التي تتألف منها . وهي عناصر في تركيب النفس دائمة ، لا بغير معها زمان ولا مكان ، وهي هي التي تصدر عنها النوايا وتصدر الأعمال في كل ميدان .
ويجيء عام ١٩٢٤ ، ويطلب الديمقراطيون مرشحا لمنصب الحاكم بولاية نيويورك ، وهو أكبر منصب من مناصب الولايات بعد رياسة الجمهورية . وهو المنصب الذي يعد سلما إلى رياسة الجمهورية . ورشحوا لهذا النصب " آل سميث "Al Smith فيخرج روزفلت من عزلته ليناصر مرشح الدعفراطبين ، ويأتي يخطب الناس خطبة رائعة ، ويخطبها قائما . وفي القيام ، حين يعز القيام وتأبي
القواثم أن تلبي ، جهاد للنفس أروع . ولا ينجح سميت " في الانتخابات ، ثم يدور العام ، وتأتي الافتخابات جديد ، ويرشح " سميت من جديد ، فينجح ويغتيظ الدمقراطيون . ثم يدور العام دورة اخرى ، ويطلب الدقراطيون مرشحا لحكم هذه الولاية . ويطلبون روزفلت فيأبي فيلح عليه " سميث في القبول ، فيرضي أخيرا وينجح عند الانتخاب
دخل روزفلت يحكم هذه الولاية ، فمهد بهذا الحكم لحكم الولايات .
واصطدم في حكم هذه الولاية بقوة الماليين ، وجاء الشركات ورجالها ، وكذلك اصطدم بهؤلاء وهؤلاء ، في حكم الولايات
فما كان يستقر في كرسي الحكم حتى كانت خصومة حول القوي المائية الطبيعية ، قوي سانت لورانس من يملكها ، ومن يريدها ، ومن يستغلها ؟ الشركات والماليون ؟ وإذن يكون لهم فرض الكلمة على الجمهور ، ويكون لهم الثراء على حساب الجمهور . أم الولاية ممثلة في حكومتها ؟ وإذن تسبع على هذا العمل الحيوي ما تسبغه الحكومات في العادة من ركانة وجمود . وعندئذ اختار ورزقت طريقا وسطا بين ما يراه المحافظون ، وما يراء الاشتراكون ، ولا برضي أيهما : إن تكون للدولة . الملكية الدائمة ، وهي تستخدم الشركات بعد ذلك في استغلال هذه القوة المائية على واجبات محدودة ، وان تقام إلى جانب هذه الشركات لجنة تعطي لأصحاب رؤوس المال فائدة عن مالهم معقولة . ونوزع الكهرباء النسائة على الناس بأسعار كذلك معقولة
واصطدم روزفلت في حكم هذه الولاية بالهيئة التشريعية ، كما اصطدم بها بعد في حكم الولايات .
فقد كان مجلس هذه الولاية ، ولاية نيويورك ، وهو الذي يتقدم بمشروع مزانية الولاية . ولمن يتقدم به ؟ لنفسه فرأي روزفلت في هذا عملا غير معقول وكانت خصومة ، بقلوها إلى " المحكمة العليا " فكان النصر فيها لروزفلت
وفي حكم هذه الولاية اتجه إلي الزراعة ، ورسم لها خطة إحياء تعيد إلي الأرض خصوبتها الزائلة ، وتأتي للريف بالطرق المهدة الجيدة ، وتجيء للقري والمزارع بالكهرباء وتحمل إلي الريفين أكثر قسط مستطاع من ستع الحضر
رمضانت سنتان على حكمه ، وجاء عام ١٩٣٠ . فأعيد انتخابه
وعضي سنتان اخربان ، ربيء عام ١٩٣٢ ، فيهيأ القوم للترشيح لما هو أسمى لرياسه الولايات كلها ، لرئاسة الجمهورية ، فلا يجد الديمفراطيون غير روزفلت يعارضون به مرشح الجمهوربين
فأي دولة هذه التي أريد له أن يترأسها ؟ هي دولة التربة الخصبة التي لا نكاد نجد ، ودولة المال الذي لا يكاد يعد ، ودولة الخير الذي يطلب الأيدي أن تمتد إليه لتناله . وفي شدة الطلب ، وزحمة الطلاب ، جري الإثراء على غير نظام واحتملت الأرض قبلة النظام لو غرتها وكذلك احتملته موارد الدولة العدنية الكبرى ، واحتملته لوفرتها أيضا . وكان الناس في أول الأمر سواسية ، ثم ما لبث أن فرق محصول المال بينهم ، فتكونت الطبقات تكونت ، لا على أساس المولد والمحتد ، ولكن على أساس ما جمع الجامعون من اسباب الغني . فتكونت طبقتان عظيمتان امتازتا بالقوة واجاه ، طبقة رحال الصناعة المسيطرين على الآلات والإنتاج ، وطبقة رجال المال المسيطرين على المصارف وتقدم الزمان فسيطر هؤلاء وهؤلاء على حياة الدولة في كل درب من دروبها ، ولون من ألوانها . وكان الرخاء سائدا في أكثر الناس فلم يفطن أحد إلي تلك السيطرة وأضرارها بل لقدعد القوم زعامة المال ورجال الأعمال ، في أمة بكر لا تزال ترتضع أثداء الطبيعة وهي ثرة ، زعامة طبيعية ما دام أن الغرض الأول استغلال الطبيعة حيث لم تستقبل ، وإدارة المال وتصريفه في سبيل ذلك .
وكان من نتيجة هذه " الزعامة الطبيعية " أن نسبت الحكومات امر المستضعفين . وفي كل امة مستضعفون فقراء وهناك الرجل العادي الذي لم يكن من نصيبه الفقر ، ولكن من نصيبه الستر ، ومن نصيبه الكفاف . فعلي ما بلغت الولايات المتحدة من التقدم والمدنية ، كانت متأخرة عن الأمم المتدينة فيها يختص بالضمان الاجتماعي . فلم يكن في تشريعها حماية كافية للعاجزين والمتعطلبن ، ولا للشيوخ والتكوبين والعمال لم يكن في التشريع حماية كافية لهم من أصحاب الأعمال ، ولم يكن يعترف لهم مجتمعين بحق المساومة عند الخصومة
وكثر الطلب على المال ، وأغري القوم بريق الذهب . وكانوا يطلبونه بالمجهود الصادق ، فنشأ بينهم فريق بطلبه بالمجهود الكاذب - بتلك الطرق المالية الملتوية التي نقلت من بين اصابع القاعون لدقتها ، ولكنها دقة كدقة الميكروب تفسد في الحياة مالا تفسده الكبائر التي تملأ العين
وكانت الحرب العالمية الماضية ؛ وجاء من بعدها السلم فدخلت أمريكا من بعدها في عهد من الثراء خسيل لا يفني ، وعلى اسواق خسيل انها لا تغضب . ثم اخذت سحب قائمة تتجمع في هذه السماء الصافية . ثم زاد تجمعها وزاد اسودادها ، وزاد زثيرها ورعيدها ، حتى انكسرت السوق الأمريكية المالية في حي " وال استريت " كان هذا عام ١٩٢٩ . والمصارف غذاء الصناعة الذي لا يمكن ان تستغني عنه يوما . ولحقت المصانع بالصارف في انهيارها فأنقصت إنتاجها إلي النصف . وزاد عدد المتمطلين فبلغ ١٤ مليون عامل . ولم يزد الزمن هذا السوء إلا سوءا . وأذن الرخاء الأمريكي أن يتمزق شر ممزق .
فهذه هي الدولة الأمريكية التي اختاروا لها روزفلت رئيسا
وما كان لهذه الأزمة غير روزفلت مفرجا . فهي كانت تتطلب الثقة بالنفس ، والثقة بالناس - أي بالطبيعة
البشرية - وقد كانتا فيه . وكانت تتطلب الأمانة والاستقامة ، وكانتا فيه . وكانت تتطلب حسن الصلة بالناس ، من كل الطبقات ، دنياها وسفلاها ، وقد كان مهد لصلته بالناس على جهات ثلاث عريضة يوم كان حاكم نيويورك . فاستخدم الإذاعة استخداما واسعا . واحسن صلته بالصحافة واوثق بها علاقته . ولم يكتف بهدين عن المساس الشخصي ، فطاف بالناس في مدارجهم من الحياة .
وبدأ عمله بالحلول العاجلة ، والأدوية السمعفة التي يكون لها فعل سريع حاسم لينجو بها المريض ، ولو لم يكن منها الشفاء . ومن امثلة هذه تعطيل المصارف حتي يمنع الذعر الكائن أن يتزايد ، ثم فحص حالتها مصرفا مصرفا ، ثم الأذن تدريجا بفتح ما كان مر كزه سديدا ، ويفتح ما احتاج إلي إعانة من أموال الدولة بعد إعانته ، ثم بإغلاق ما كان الخير في اختفائه . ومن أمثلة هذه ايضا تضييق الزراعة حتى يتصرف من المزروع ما انخمت به معدة السوق ، ودفع للزراع عن خسارتهم عوضا .
وانجه إلي محاولة الشفاء الدائم . فاتجه إلي تنظيم الصناعة تنظيها بتشفق وصوالحها الدائمة ، وبتفق كذلك مع مصالح الجمهور . ويكون تنظمها وسيلته الصدق ، وغايته العدل . فمن لهذا مبادئ تتصل بأجور العمل ، وبساعاته وبالاسعار ، وبالمنافسة الحرة المعقولة . وادرك انه لا فائدة من إجمال لا يتبعه تفصيل . وان لا فائدة من تفصيل بدلة واحدة تلبس كل الصناعات . فصنع لكل صناعة بدلة تلبسها ، فبلغت لوائحة في هذه الصدد بضع مئات .
واتجه إلي التعطل يحاول دفع شرء . فشرع المشاريع لتمتص العمال فيها ، وهي مشاريع عظيمة تنفع البلد في حاضرها ومستقبلها . ولم يخش الدين في هذا . ولا عني بما تعني به الدول الأقل ثقة بنفسها من توازن في ميرانية
وانجه إلي الزراعة يعالج فيها مشكلة من مشاكل امريكا الكبرى وابتدع لها شتى الحلول . فقد فات الزراع على الآحقاب أن يحفظوا على الأرض تربتها . وهي ترية
في بعض الولايات رقيقة ، وهيئتها الطبيعة الحشيش الأخضر لتماسك ، ووهبتها الأشجار الكثيفة لتحمسها من حسي الرياح وجرف الأمطار والسيول . فيذهب المزارعون الأولون بحشائشها ، وذهبوا بأشجارها ، وزرعوا فيها لا ما يزيد تلك التربة تماسكا ، ولا ما يوافقها ، ولكن ما يجلب في السوق أكبر الأرباح وأسرعها فأخذت الرياح تذهب بخصبها ، وأخذ السيل يكشف عن هذه الأرض قوتها حتى صار أكثرها ببابا بلقعا .
واتجه روزفلت إلي الإصلاح الاجتماعي مسن قانون الأمن الاجتماعي لأول مرة ، وهو نظام يضمن المتعطل رزقه ، وللشيخ معاشه ، وللوالدة أن تبع ولدها في اطمئنان ، وللولد عناية من بعد ذلك
واتجه إلي العمال فمن لهم تشريعا يعترف للعمال بأن تمثلهم نقاباتهم في الخصومات ، وكذلك أنشأ لجنة قومية تتحكم في هذه الخصومات .
يرتمت سنوات الرياسة الأربع أو كادت . فلما جاء أوان الترشيح ، فالانتخاب ، دخل روزفلت مرة ثانية إلي " البيت الأبيض " دخولا سهلا .
ولكن حدث في رياسته الأولى ، ومن بعدها ، ان استيقظ أصحاب الأعمال وأرباب الأموال من ذهولهم فقد كانت الأزمة أذهلتهم بصمتها حينا . وفتحوا أعينهم على كل هذه التشاريع تسلبهم كثيرا من " حقوق مكتسبة " وتضيق عليهم ثوبا كالعباءة فضفاضا ناصب من تحته الإيدي فلا تري وفتحوها على صناعة يحد من حريتها ، وعمال يمتد في قوة نصالهم . فقاموا يناضلون هذا الرئيس " الإشتراكي الذي يقتل الصناعة بتحميلها نفقات تنوء تحتها ، ويخرب مالية الدولة بميزانياته غير المتوازنة . وغلب توافق هؤلاء القوم في صوالحهم الشخصية ، أو إن شئت فالمهنية ، على صوالحهم الحزبية ، فاجتمعوا من الحربيين ، الديقراطي والجمهوري ، على معارضة رئيس الدولة . ورفعوا قانونه لتنظيم الصناعات إلي المجلس القضائي الأعلى ، بعد سنتين من تطبيقه .
يخاصمون فيه ، فأعلن المجلس الأعلى أنه قانون غير دستوري ، وهكذا أخذوا يعارضون بهذا المجلس ما اعتزم الرئيس من إصلاح . وقد نقض هذا المجلس جزءا كبيرا مما ابرمه روزفلت ، ولكن بقيت بقية كبري هي أكثر ما أبرم .
وكان هذا المجلس بتألف من تسعة رجال كانوا بنشأتهم وبسنهم ، من بقايا مهود فائتة ، ولا نقول بإئدة . فتريث الرئيس في حربهم حتى رياسته الثانية . وعندها قدم إلي مجلس الشيوخ مشروع قاون بتغيير في تأليف هذا المجلس الفضائي الأعلى . فخذله مجلس الشيوخ . فقدم إليه الرئيس مشروع قانون آخر بتيح للرئيس أن يعين في ذلك المجلس عضوا جديدا مكان من يبلغ من أعضائه الخامسة والسبعين ويأبي أن يستقبل . فخذله مجلس الشيوخ ايضا في هذا ، وفرح خصماء الرئيس ، ثم مضبي عام فعام ، فطبق الزمن الدوار بالمنية قانونا لا تستطيع المجالس التشريعية أن تمنعه ، لأنه من شرعة الله ، فذهب من ذاك المجلس الأعلى بالموت عضو فمضو ، فعين الرئيس مكانهم اعضاء أوفن بالزمن وأهدي
وهكذا ظل روزفلت في رياسته الثانية يجاهد في جهة داخلية كثر فيها خصومه . وخاضمه فيها محافظون لنزعته الحرة الزائدة . وخاصمه فيها الردكاليون لغزعته الحرة الناقصة . وبان شبح الحرب في الأفق البعيد ، ثم في الأفق القريب حتي ملأ مجال البصر كله . فكان للجبهة الخارجية السكان الأول . وجاءت الحرب عام ١٩٣٩ وجاء الترشيح للرياسة عام ١٩٤٠ . وكره الأمريكيون أن يرشحوا العمرة الثالثة رجلا واحدا . وكان روزفلت قد صار أكبر من أن يخذ فدخل البيت الأبيض للمرة الثالثة
وحديث ما جري منه من بعد ذلك في الحرب الحاضره مشهور معروف . فهو اراد ان يمنع الحرب فما أفلح واراد ان يمنع لإيطاليا ان تدخل الحرب فما افلح . وأعلنت الحرب فأعلن حياد أمريكا ، ولكنه أباح " للفكر "
الأمريكي ان يكون غير محاحد إن شاء . ثم هو يمنع بيع السلاح الأمريكي إلا لمن يشتريه على الساحل الأمريكي ويدفع الثمن . وفي هذا من المعنى ما فيه . ولم يكن هناك شك في ميول الرئيس الطبيعية ، ولكنه لم يرد ان يسبق الحوادث ، وعلى الأخص لم يرد أن يمشي أمام الرأي العمام الأمريكي بل وراءه ولكنه أحذ هو والحوادث بدفعان هذا الراي الامريكي دفعا من الوراء ، حتى صارت مناصرته الخلفاء جهرا
واكبر ما صنع في هذا إنقاذه قانون الإعارة والتأجير . فهذا القانون ضمن للحلفاء المعونة الكبرى من مؤنة وعتاد ، وامن شر المستقبل ان يحدث هذا الدين تلك المرارة بين الشعوب التي أجدتها دين الحرب الماضية . ففي هذه الحرب الحاضرة يكون للآمم المتدينة ان تدفع دينها بضاعة لا نقدا . وفي تصرخاته الأخيرة أبان بروزفلت ان الأمم قد تدفع دينها خدمات ، أرواحا ودماء
أكبر ما ابتدع روزفلت ميثاق الإطلنطي ، وما تلاء من مفاوضات هي له تبع ، ومنه فروع . وما الميثاق إلا عهد جمعية الأمم القديم ، منفسحا . ذاك العهد الذي ابتدعه ولسن بعد الحرب العالمية الأولى ، وعاد به إلي أمريكا ، وحارب قومه من أجله ، وحارب معه روزوفلت ، وحذلا فيه
واليوم تأتي الأخبار بأن روزفلت قد يتنحي عن رياسة الولايات المتحدة المرة الرابعة ، ليترأس اتحاد الأمم بعد الحرب . ومعني هذا ان يكون رئيس هذه السكرة . وهي رياسة لم تكن تخطر لأحد في بال . ولكنها إن صحت ، وصدقت النيات ، فلا تظن أن أحدا بماضيه ، ويحاضره ، ويدمقراطيته الأصيلة القديمة ، وبشخصيته العارمة على عجزء الجثماني وهوعجز كشف له العجز الإنساني في صميمه ، وفضح له الغرور الإنساني لاتظن أن أحدا بكل هذا ، وبغير هذا ، يستطيع ان يقود العالم اليوم بأكبر حظ من رضاء الأمم جمعاء قيادة روزفلت
