الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 262الرجوع إلى "الثقافة"

مطالعات أثنان، بائع الصحف الاصم، الذي اعطاني وأعطاك النور

Share

قام القطار من بلدة يرت هيرون port Heron  وسار يقطع الطريق نهبا إلي بلدة د نروا ال Detroit . وكلتا البلدتين بالولايات المتحدة عند الحدود الكندية . حتى إذا بلغ القطار منعطفا لم يحسن الرجال إصلاحه ، ارتج ، فارتجت بارتجاجة عربية في القطار . ولم يمض على ارتجاج هذه العربة زمن طويل حتي اندلع اللهب فيها . فجري إليها الحارس ومن معه ، وبعد جهد اطفأوا فيها الديران ثم وقعت عين الحارس بين الجمع على غلام في الخامسة عشرة من عمره ، فصك اذنه صكة اعقبته صما لم يفارقه حتى عامه الرابع والثمانين

كان هذا الغلام صاحب عود الفسفور الذي انكفأت زجاجته بارتجاح العربة ، فلم يكد هذا العود أن يتحرر من زجاجته ومن مائها ، فيتعرض للهواء ، حتى دحسن ، فاحتر ، فاشتعل ، فالتهب والهب مما حوله كل ما يصلح طعاما للنار

وكيف تأتي لهذا الصبي أن يكون صالحب هذا العود ؟

تأتي له ذلك بأنه كان يبيع الجرائد والمجلات علي القطارات بين هاتين البلدين . وكان له ذلك بتصريح رسمي ، طلبه ، وأعطي إياه ، وهو في الثانية عشرة من عمره . وإذن فقد أعطوه مكانا في القطار ، في عربة الحارس يضع فيه احمله من تلك الصحف والكتب . فلما استقر في صناعته هذه ، شاقه ما كان ضاق به بيت

والده من قبل وضاق به جيبه معمل بجمع به الزجاجات ، ويضع فيه الكيماويات ، ويرسم على بطاقات الجماجم والعظام المتصالبة ، ويرسمها بالحق وبالباطل ، ترهيبا وإنذارا حتى لا تمسها يد دخيلة عابئة . شاقه هذا المعمل المنزلي القديم ، فأراد أن يؤلفه من جديد في ركن من أركان تلك العربة ، حيث بضع ما يبيع من كتب ، وما يبيع من صحف . حتى إذا وقع هذا الحريق ، كان وقوعه سببا في اختفاء هذا المعمل المتنقل وانتهائه ، وانهت به غبطة كان يجدها هذا اليافع حتى في محض تقليبه ما فيه وترتيبه .

كان هذا الغلام بائع صحف . ولكن بيع الصحف لا يستغرق كل وقته . ففي القطار فراغ . وفيما بين القطر ، غاديها ورائحها ، فراغ كذلك وفي مدينة دثروا ، حيث ينتهي مطافه رسميا ، مكتبة عامة بالكتب عامرة . وإذن راح هذا الصبي إلى هذه الكتب يقرا فيها في مهم واستيعاب . وخطر في باله انه إنما يتبع الصحف التي يكتبها غيره ، وذكر المثل الذي يقول ابدأ بنفسك ، فخال ان يكتب هو صحيفة أسبوعية ببيعها . . وماذا يكتب فيها ؟ يكتب ما يسمع من أهل هذه النواحي من أخبار . ولمن يبيعها ؟ لركاب هذه القطر وما تقف عليه من بلدان صغيرة ، يجب لاشك أهلها أن يسمعوا عن انفسهم وعن جيرانهم كل شائعة شائقة ونادرة . وأين طبعها ومن طبعها طبعها هو نفسه في ذلك السكان من العربة التي اختصوه بعضها ليحمل فيه بضاعته

وقد تحسب أنه لابد درس دراسة شديدة متواصلة في خير مدرسة حتى يستطيع ان تنكشف رعائبه عن حب معمل ، أو تمرن يده على كتابة صحيفة . فاعلم اننا نتحدث عن غلام بين الثانية عشرة والخامسة عشرة ولا يمكن ان يكون اتسع عمره لذلك . واعلم ايضا انه لم يذهب قبل ذلك إلى مدرسة ، غير ثلاثة اشهر ، ضح مدرسه في نهايتها من قصور عقله ، او ما حسبه فيه قصورا ، فصاح .

به " يا قاصر العقل " . فعز هذا النداء على امه ، وحشبت عاقبته على ابنها وحبيبها ، فحجزته في البيت نعلمه هي الكتابة والقراءة . وكانت مدرسة من قبل فعلمته الخط ، فكان خطا جميلا . وعلمته القراءة ، وعلمته كيف يقرا الكتب وحده ، وكيف يستخلص منها بنفسه انفع ما يمكن استخلاصه . حتى لقال بعضهم إن تلك السبة الأولى التي سبها إياه مدرسه الاول ، والأخير ، كانت عليه نعمة وبركة ، وانه لولا أن اخرجته هذه الشائنة من هذه المدرسة ، لبقي فيها ، فانطبع في ذلك القائب الذي ينطبع فيه كل تلميذ ، ولكان كبعض تلك الأشياء التي تخرجها الصانع بالآلاف ، فلا يتميز فيها قميص عن قميص أو حذاء عن حذاء

إن المصادفات لتلعب الألعاب ، والآلاعيب ، في حياة الرجال . وما أكثر ما لعبت في حياة هذا الطفل . فالسبة الأولى التي سبها الأستاذ إياه مصادفة أولى . وان كانت له تلك الأم المدرسة الحنون العاقلة مصادفة ثانيه . ثم مصادفة ثالثة فتحت له الباب بقينا إلي تلك الحياة التي تفاضت من سجل التاريخ صفحات ليست بالقليلة عدا ، ولا بالقليلة خطرا : تلك أنه كان يوما في إحدي المحطات ، في تطوافه ببيع الصحف ، فلفتنه عربية انفصلت عن قطارها وجرت تهوي إلي حيث كان طفل يلعب . أدرك غلامنا ما رأي حتى أعطي للريح ساقيه ، واختطف الطفل ، ونجا به وبنفسه في آخر ثانية . وكان أبو الطفل تلغرافيا ، فأشير في نفسه ما صنع الغلام ، فعرض عليه أن يعلمه فنه ، فرضي ، وترك عملا فيه رزق غير قليل ، إلي دراسة لا رزق فيها ، ولكن فيها اشتهاؤه ، وفيها اشتفاء نفسه من علم تلك الأسرار التي أخذت تناوشه محبا لها  في ذلك السن الباكر

كان هذا عام ١٨٦٢ . وكان الغلام في الخامسة عشرة من عمره .

ومر عام فحذق الغلام فنه الحديد . ومن هذا العام تقلب في وظائف التلغراف ، وتنقل في المدن . ولم يشغله فنه الآلي عن استطلاع ما خفي وراءه . فظل يدرس ، وطل يجرب وينقب ، حدث مرة انه كان في بلدة عند الحدود . فكانت ترسل له المحطة التي في الجانب الآخر سالة تلغرافية كل ساعة ، نقطا معدودة ليرد عليها بنقط مثلها ، دليلا على أنه صاح يقظان . وكان من كثرة عمله التجريبى غبر الرسمي ، يأخذه النوم ، فخشية ان يكتشف أمره ابتدع مجلة ذات أسنان ، ربطها بساعة ، وربطهما كلبهما بآلة الإرسال . فكانت كلما دقت دقات الربية في مكتبه أجابتها تلك العجلة بما طيب خاطر المرتابين . ولكن حدث أن دقوا الدقات في غير تمام الساعات فلم يأنهم عنها الجواب . تخبلهم ذلك حينا . ولكن صاحبنا اكتشف أمره أخيرا فافتضح افتضاحة لا شك كانت حلوة .

ومما ابتدعه في تلك الحقية حيل كهربائية تقتل ما في مكتبه من صراصبر وفئران .

وأراد أن ينفع الساسة بعلمه ، فما كان اخيبه . لقد فانه أن يتعلم أن السياسة والعلم لا تمتزجان ، في زمنه ذاك وفي كل الأزمان . فإنه ذلك في سن الحادية والعشرين ، وهي سن غريرة أمالة . وقصة ذلك أنه حضر مجلس النواب ، ورأي كيف يضيع النواب كثيرا من الوقت في التصويت فردا فردا . فابتدع بدعة تسجل الأصوات فتوفر هذا الوقت الضائع . وتجرا وذهب بها إلي رجل السلطة في البرلمان ، فاستمع له الرجل الكريم ، ثم ابتسم . ثم قال : يا عز زي الغير الطريف ، إذا استطعت ان تبتدع لنا بدعة تطيل لنا وقت التصويت فوق ما هو طائل ، فافعل . إن الزمن ليس هنا من مكاسبنا ، ولكن من مكاسينا ان نعرفل تشاريع إذا هي فاتت سريعا ضربت بنا ضررا بليغا .

وبلغ الثانية والعشرين ، فاعتزم ان يودع منصب التلغرافي ، وان ينصب نفسه في السوق " مهندسا ميكانيكيا كهربائيا " . ورحل إلي نبويورك فارغ الحبيب . ولكنه ما لبث أن شق طريقه ، فلم يمض سنتان حتى كانت له ورشة ، وله رجال يصنعون شتى الأشياء من كهربائية وميكانيكية مما يخال هو وببتدع . وكان احسن ما ابتدع في هذه الفترة التلغراف الرباعي وتفسيره انه تغراف ذو سلك واحد ، ولكن عليه ترسل اربع إشارات مختلفة في وقت واحد . وأراد أن يبيعه لشركة . فاشترط عليه رئيس كهربائها انه لن ينصح الشركة بالشراء حتى يكون اسمه إلي جانب سمه شريكين في اختراعه . فقبل صاحبنا ان يبيع من نفسه بالكذب . قال في ذلك : " لقد كنت أحوج إلي المال مني إلي المجد ، وكان الرجل على ما أظن أحوج إلي المجد منه إلي المال ، فتوافقنا " .

وترك الأشياء التلغرافية ، وانصرف إلي الأجهزة التلفونية . وكان " جراهام ببلGraham Bell  - ابتدع التلفون ، إلا انه كان تلفوبا ضعيفا يعتمد في الأغلب على المغنطيسية في حمل آثار الصوت ، لهذا كان مداء قصيرا . فعمد صاحبنا إلي دراسته ، فأدخل فيه الكهربة اساسا لنقل الصوت ، ووضع وراء القرص من السماعة حبات من فحم تنضغط تارة ، وتتخلخل تارة ، كلما تذبذب القرص مناغمة للصوت ، فتضعف تيار الكهرباء فيها وتزيد ، وينتقل كل هذا إلي مسافات لا يحد من مداها إلا قوة التيار . وبهذا ، وبأشياء أخري ابتدعها فيه ، امكن التلفون أن يكون له شأن شامل في حياة الناس .

كان هذا أول عمل ذي خطر تألق به نجم إد سن ، وأخذ بشتهر به معمله في " مستلو بارك " .

نعم إنه إد سن هذا الذي نترجم له - توماس إدسن homas Edeson  _ فلم تسعد بعد الذي قلنا فيه من خفاء .

نعم هو بائع الصحب الاصم ، الذي لم ينتقف في مدرسة ، وإنما استفي در التعليم من ثدي امه اولا ، ثم من أنداء الحياة ، واستقاء منها حلوا مرة ، ومرا مرارا .

وانصرف بعد التلفون إلي الصوت يدرس أمواجه ويبتدع الأجهزة لتحليلها . حتى جاء يوم أتم فيه هو ورجاله صنع جهاز غريب ، غني في بوق فيه وهو يدور اغنية للأطفال شهيرة - " كان لمريم خروف صغير " - ثم سكت المغني وأسكت الجهاز ، ثم أداره ، فإذا بهذا الجهاز ، وهو من معدن أصم ، يغني : " كان لمريم خروف صغير " . بهيت رجال إدسن ، وبهت معهم العالم . فقد كان هذا أول حاك لصوت إنسان . وأسماء فونوغرافا ، وأسميناه هكذا من ورائه .

ثم اتجه هذا الرجل القلب إلي الضوء والإضاءة . وكان أقصى ما وصلت إليه الإضاءة بالكهرباء مصباح القوس : عودان من الفحم يتقارب طرفاهما ولا يتماسان ، تجري الكهرية عبرا بينهما ، وتحمل معها من أحد الطرفين جسيمات الفحم حارة متقدة ، فينبعث بانقادها الضياء . وهو ضياء يعشي العين . وله في الأذن طنين وهو مما لا تستطيع أن تأخذه رشفا ، ولكن عبا وبرغمك . قال إدسن : إن كان هذا الضوء من جسيمات الفحم تحتر فتضئ ، فيلم لا تجري الكهرباء في خيط من الفحم رفيع متصل ، فيحتر هو كذلك ، وبتوهج ، ولكن الفحم محترق في الهواء وإذن بوضع خيط الفحم في وعاء . من زجاج يفرع منه الهواء . وصنع الخيط أولا من خيط قطن فحمه . وبعد جهاد طويل ، وبعد نفقة بلغت اربعين ألف ريال ، أخرج إدسن في معمله الشهير - معمل منلو بارك - أول مصباح كهربائي ، كهذا الذي أكتب العشية في صيانه . وضاء هذا المصباح أربعين ساعة

كان اختراعا وليدا لابد من تغذيته وتنشئته وتربيته ،

فقام إدسن ورجاله على كل هذا . وكان وراء المصباح مصادر الكهرباء ، وشبكات التوزيع ، والمحابس والمفاتيح ، ومئات من كل هذه الأشياء التي تبدو لنا اليوم لا لفتنا إياها الغيرة ؛ ولكن كان لابد عند ذاك من خلقها ، والخلق صعب المراس . حتى كان عام ١٨٨٢ - أي منذ ستين عاما - النشأت " شركة إدسون " أول محطة للإضادة بالكهرباء عرفها الخلق . انشأتها في لندن . ولمن يعرف لندن اقول إنها انشائها عند نهاية ذاك الشارع الطويل ، شارع هو بن Holborn- أو علي الأصح عند ال viaduet وأنشأتها لغذاء ثلاثة آلاف مصباح . ولم تمض عام حتى أنشئ مثلها في مدينة نيويورك ، ثم تتابعت الإنشاءات في المدن حتى ثم تبق مدينة ذات خطر لم يصلها من ضوء هذا الرجل ضياه . ليس في الورق متسع للحديث عما صنع هذا الرجل الضخم للسينما ، ولا عن تلك الكثرة الكبرية من متبدعاته ومختر عانه .

فالذي سجل منها بلغ الألف وزاد . ولكثرة ما ابتدع كان الجمهور يكاد ينتظر منه ابتداعة كل يوم . وحاطه رجال الصحف كل حين يستخبرون ، وجاءه يوما صحفى شاب مستخيرا ، فلما لم يفز منه بطائل ، وراي انه راجع بالخفين التقليد بين - خفي حنين - ابتدع هو عن هذا الرجل العظيم خبرا نشره في صحيفته فاهتز له الناس : ان ادسون اخترع قميصا لا يحتاج للغسل ابدا ، فهو مكون من ٣٦٥ طبقة رقيقة ، فما على لابسه إلا ان ينزع منه الطبقة التى تمس جسمه كلما اتسخت .

وبلغ الرجل السبعين فالثمانين ، وهو دائب يعمل . واعتلت صحته بغتة عام ١٩٢٩ . ومات في أول أغسطس عام ١٩٣١ .

اشترك في نشرتنا البريدية