الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الثقافة"

مطالعات أشتات، على هامش العلوم

Share

ليس اشق على كاتب علمي من أن يكتب في العلم للجماهير ، وذلك لأسباب تتعلق بالكاتب ، ولأخري تتعلق بالجمهور . أما الكاتب فيجد جهدا كبيرا في التخلص من تفاصيل موضوعه وهي ثقيلة على القراء ولكن ضرورية للبحث ، ويجد جهدا كبيرا في تخير الباب الذي يدخل منه إلي هذا الموضوع ، وفي انتقاء السبل السهلة التي يجري بالقاري فيها ، ويجد جهدا في الدوران وراء المصطلحات العلمية وهي مصطلحات خاصة يعسر فهمها على السواء في جميع الأمم ، أما ما يتعلق بالجهور فالصعوبة في أنه مزيج من طبقات مختلفة الثقافات اختلافا يتصل بالكيف والكم ، فالكاتب يكتب في مواضيع غير مألوفة لقراء غير معروفين ، فهو يخشي أن يرتفع فيعسر ، أو ينخفض فيتبذل ، وفي كلا الحالين ضياع الفائدة . لهذا عولت أن أسلك بهذه المقالات مسلكا وسطا . وستكون هذه المقالات أشتاتا فيما هنا وهناك ، فلن يجمع بينها نظام أو يوحد بينها لون . وستكون عفو الخاطر لا تزمت فيها ، لتكون أقرب إلى تقبل الجمهور ، ومصداقا لهذا بدأت بالكتابة في القطط لما أرقي مواؤها .

١ - القطط

فصيلة القطط فصيلة كبري من فصائل الحيوان تجمع أجناسا عدة ، منها قط المنزل الأنيس ، وقط الغابة الوحشي

ومنها الأسد والنمور والفهود . وهي جميعا من أحسن الحيوانات منظرا ، وأجملها قامة ، وأبهجها ألوانا ، وأظرفها جلودا ، وهي من أعطشها للدماء .

وهي تقع من آكلات اللحوم عند رأسها ، وقد شكل الله جسمها وفقا لحاجتها من الوثب والبطش والفتك بالفرائس ، إن كبيرة كالحمرا وصغيرة كالفئران فأجسامها ممطوطة ممدودة في غير غلو ، وقوائمها متينة رشيقة في غير قصر أو طول ، وعظمها جامد ، وعضلها مفتول وأوتاره مطاطة . وليس في شئ من جسمها فضل من لحم أو شحم يعطل الحركة ، بل توافقت جميع أعضائها على الحركة الباغتة السريعة ، والوثبة الفاجئة الرشيقة تقضي بها حاجة الأحياء من رزق لابد منه سلما كان أو حربا

وتتكون أسافل أقدامها من وسائد صغيرة مطاطة تمشي عليها ، وتجري عليها ، وتهبط عليها إن وثبت ، فلا يسمع لها في مشيها أو جريها أو وثبها صوت ينبة الفريسة إلي اقترابها . وتحف بهذه الأقدام مخالب مقوسة مسنونة ترتفع عن الأرض بفعل أربطة في أعلى القدم ، وتظل هكذا مرفوعة ما دام القط هادئا لا يبغي صيدا أو دفع أذي . فاذا هو هاج وطلب المخلب تراخت تلك الأربطة العليا فتمططت ، وتقبضت أربطة أخري في أسفل القدم فتقاصرت ، فبرزت المخالب من مراقدها مسنونة كالسهام تطلب اللحم لتغوص فيه !

والقطط تمشي علي أصابعها فيزيد هذا في سرعتها ،

ولكن من دون أن تمس مخالبها الأرض فتتتلمم . ولها كعوب عظامها بارزة كل البروز تتكي عليها عند النط فتثب بعيدا وثبة باغتة فتلحق بفريستها ولو كانت خفيفة سريعة .

وأسنان القطط تتفق مع الأغراض التي شكلت من أجلها ، فقواطعها حادة قاطعة ، وأضراسها الطواحن مدببة نوعا ما ، أما أنيابها فهي مع تديبها طويلة قوية ومنها انحناء . وتلك الأسنان لا تنفع للطحن بل لتقطيع اللحوم وتمزيقها . لذلك لا يستطيع الفك أن يتحرك تلك الحركة الأفقية الدوارة الطاحنة التي يستطيعها الانسان !

وعلي ألسنة القطط بروزات خشنة قرنية الملمس كمبشرة الجبن الروي تستخدمها لانتزاع آخر نسالات اللحم عن العظام

أما حواسها فكذلك مصنوعة وفقا لحاجاتها . فالعين تبصر في النهار وتبصر في الليل ، ففي الليل أكثر صيدها أو كله . أما في النهار فيضيق إنسان العين حتى لا يبقى منه إلا شق ضيق ، ولكنه يكفي لإدخال ما يكفيه من نور النهار الساطع ، فإذا خيم الظلام ، وقلت الأضواء انفتح إنسان العين على مصراعيه ليدخل إلي شكبتها كل ما هنالك من شعاعات الليل الفاترة . وبصر القطط حديد ، وكذلك سمعها ، فهذان دليلاها على مواقع الطعام الحي منها . وقط البيت يسمع خطوات الفار علي بضعة أمتار . كذلك شواربها كبيرة الاحساس اللمس ، ومهذه الشوارب تتحسس طريقها في الظلام الحالك فلا تختبط بالأشياء ، فهي كالعكازة للإنسان

أما جلودها فواسعة مرنة فضفاضة على اجسامها ، وهي ليست شديدة الوثوق بلحومها ، لهذا يصعب علي الأسنان والمخالب عند الصراع أن تنال من لحومها مقبضا وثيقا مكينا .

والقطط بمعناها الضيق نوعان : نوع أنيس يعيش بين الناس ، ونوع وحشي يعيش في البراري

أما الوحشي فهو أصل الأنيس ، وهو منتشر في

القارات إلا استراليا ، ولكنه قليل حينما تكثر المدية . ففي انجلترا مثلا لا يوجد الآن منه شيء ، والذي تخلف

هناك يقيم في جبال اسكتلندة وغاباتها . ويوجد القط الوحشي كذلك في مصر . وقد وصفه عالم انجليزي عاش في القرن الثامن عشر ، أي وصف ما وجد منه في بلده ، فقال : " إن القط الوحشي أري به أن يسمي بالنمر الإنجليزي . فهو أفرس وأفتك حيوان لدينا ، يقتل دواجننا وأغنامنا وأطفالنا . ويعيش من هذه الجزر في أعني جبالها ، وأكثف أدغالها ، ويقضي أكثر عيشه في الشجر ، ويطلب طعامه في الليل . والقط الوحشي أطول من الأنيس ، فهو قد يبلغ بذيله ثلاث أقدام . أما لونه فالأغبر أو الأصفر ، ويجري في جلده فوق العمود الفقري خط أسود أو قائم تتفرع منه على الجانبين خطوط من مثل لونه . أما ذيله فعليه حلقات من لون هذه الخطوط

أما القط الأنبس فأول من اته المصريون ، انسوه من الوحشي الأفريقي قبل الميلاد بثلاثة عشر قرنا ، ثم حمله الفينيقيون إلي أوربا فشاع فيها ، ولكن خالطه الوحشي الأوربي فتهجن

وكان المصريون القدماء يخشون القطط ويرعونها ويخلونها من منازلهم محلا طيبا . فإذا ماتت حنطوها ودفنوها وحزنت الأسرة لها حزنها علي فقيد منها . ومن قتل قطا كان جزاؤه القتل .

والقط الأنيس أكثر ألوانا من جده الوحشي ، فمنه الأبيض والأسود والأحمر والمقلم والأرقط . وهو أنواع شتي تختلف بحسب مواطنه وتهجينه ، وبحسب أثرها في ذيله فهو يقصر ويطول ، وفي شعره فهو يقصر

كذلك ويطول . ومن الأنواع الشهيرة الفارسي والتركي والسيامى والحبشي . وهو يعيش على الأغلب ما بين اثني عشر إلي خمسة عشر عاما

والقطة الأليفة تحمل أولادها نحوا من ٥٥ يوما ، وتلد من الأولاد اثنين إلي خمسة . وهي تولد عمياء فلا تفتح عيونها إلا في نحو اليوم التاسع . والأم تحمل مرتين ، واحدة في الربيع والأخري في آخر الصيف

والقط الأنيس اكثر الحيوانات تعلقا بولده ، ومن

أكثرها استماتة في الدفاع عن ذريته . وهو يألف المنازل التي يسكنها أكثر مما يألف سكانها . كان لنا في أواخر

ايامنا فى انجلترا قط الفنا والفناه زمانا فلما حان الرحيل وحزمت الأمتعة وخلا البيت ، انتابته حالة عصبية ، فجعل يموء  ويصرخ يوما وبعض يوم . فلما خرج المتاع وخرجنا خرج وراءنا يتبعنا وهو يتابع مواءه . فلما أبعدنا ، وأبعد البيت عنه ، أخذ يتلفت إلينا وإليه ، ثم توقف وهو يموء ثم اختفينا واختفىي عنا . وكنا رجونا الجار الصديق أن يعتني به ، فأخبرنا بعد ذلك أن القط عاد إلي البيت الفارغ فاحتله ، وكان لا يخرج إلي جارنا إلا ريثما ينال الطعام . فهذا مظهر للوفاء ليت لإكثر الناس بعضه ، ولو المنازل علي أسلوب القطط

اشترك في نشرتنا البريدية