في هذا البرد القارص ، لم أجد موضوعا اشهي من الحديث في الصوف ، ومن الأحاديث ما يدفيء في اللغة : الصوف للشتاء كالشعر للمعزي .
وشعرات الشعر تتراءي في العين مستطيلة كالقلم ، أما شعرات الصوب فملتوية متموجة . وتتراءي الشعرتان
تحت المكرسكوب وعليهما تجازيع تختلف أشكالا ، فقد تدور خطوطها حول الشعرة ، وقد تتقاطع وقد نتصالب ، وقد تنحني وقد تدبب . وقد تغلظ وتتراكب هذه التجازيع فتتراءي كقشر السمك . وقشر السمك تسميه العرب سفطا ،
وواحدته سفطة . ولكل حيوان ذي شعر اوصوف تجزيعته الخاصة ، ومنها يستدل عليه
غير أن الصوف يمتاز يسقطه المتراكب بعضه على بعض وبكثرة هذا السفط ، فقد يبلغ ٤٠٠٠ سفطة في البوصة الواحدة في الصوف الدقيق القصير ، ومتوسط ما يبلغه في الصوف الطويل ٣٠٠٠ وهذا التسفط هو الذي يمكن الناس من تلبيده وغزله ، إذ لولاه لانسلت الشعرات عند الشد بعضها عن بعض فلم تتماسك . ويختلف
هذا التسقط في نوعه ومقداره باختلاف أنواع الشاه ومصادر الأصواف .
وسبب هذا التسقط أن الشعرة تنمو على ما هو معروف من جذرها ، فلو انها خرجت بانتظام واستمرار من ثقب جامد دائري لكانت كالعصا الملساء ، ولكنها تخرج على دفعات من ثقب الجلد وهو حي متحرك ، فالذي يري عليها من تجازيع ذات أشكال إنما هو من أثار ذلك
وبشعرات الصوف تموجات على طولها تساعد على قتله وعزله ، وعدد هذه التموجات يختلف باختلاف انواع الصوف وعددها في السنتيمتر من الصوف القصير الرقيق يبلغ نحو ١٥ موجة ، وقد يبلغ في الصوف الطويل الغليظ موجتين او ثلاثا . ولهذا التموج خطره . فهو سبب مرونة الصوف . فإذا انت شددت الصوف تمدد ولم تنقطع شعراته ، وإنما تنبطح موجاته ، فإذا ارخيته عاد إلي سابق طوله . ومن المواد الكيميائية ما يفسد هذه المرونه فيقبض الصوف فلا يعود إلي طوله .
وطول الشعرات يختلف باختلاف الأنواع كذلك . فالصوف القصير يبلغ طول شعرتة من ٦ إلى ٧ سنتيمترات ، أما الطويل فيبلغ فيه طول الشعرة من ٢٥ إلى ٣٠ سنتيمترا والصوف برق ويسمك ؛ فالأنواع الرقيقة يبلغ قطر
الشعرة فيها نحو ١٦ جزءا من الف جزء من المليمتر ، والأنواع السميكة يبلغ قطر الشعرة فيها نحو ٥٠ جزءا
وتحمل الشعرة من الصوف القصير الرقيق من ثلاثة جرامات إلي خمسة قبل ان تنقطع ، وتحمل الشعرة من الصوف الطويل من ستة جرامات إلي اثنتي عشر جراما . ويبلغ وزن ما تحتمله الشعرة من بعض الأصواف الانجليزية ثلاثين جراما
ولون الصوف الغالب هو البياض ، ولكن يوجد منه الأسود والبنى والاصفر والرمادي . والصناعة تطلب الأبيض ، ولكن بعضهم يطلب الألوان الطبيعية الأخرى إذ يغزلونها للانسجة الاخشن كالشيلان والأقمشة الإسكتلندية Hightand tweeds وهذه الألوان تنبت عند الغسل مهما اشتد ، وهي تقاوم الأحماض والقلويات ، ولكنها تضعف في ضوء الشمس
وصبغة الشعرة الملونة بالطبيعة توجد في نخاعها . فأنت لو قطعت شعرة بالعرض ، كما تقطع خيارة أو موزة ، لتراءي سطحها المقطوع تحت المكرسكوب مكونا من طبقات ثلاث ، أوسطها الطبقة النخاعية ، تحوطها الطبقة القشرية ، وهذه تحوطها الطبقة الخارجية السقطية
والطبقة النخاعية قد تتسع حتى تبلغ ربع قطر الشعرة او ثلثها ، وهي في مجراها من الشعرة قد تضيق حتى تنعدم ، وقد تكون ثم تنعدم ثم تكون في الشعرة الواحدة فتظهر صورتها كصف من جز ومتسلسلة وقد تمتلئ هذه الطبقة النخاعية بالخلايا ، وقد تفرغ منها ويحل الهواء محليها . وهي من الشعرة قناتها تجري فيها عصاراتها . وهي مستقر المادة الملونة في الصوف الطبيعي لهذا تبين هذا القناة اكثر
من غيرها تحت المجهر . وقد تقبض هذه المادة فتلون كذلك خلايا الطبقة القشرية ، ويحدث هذا في الصوف ما بين البني والأسود ، أي حيث يغمق اللون . اما الطبقة الثالثة الخارجة السفلية فهي قرنية شفافة لا تقبل اللون .
ولهذه الطبقات الثلاث خطرها عند الصباغة . فالمنطقة السفطية لا تشرب الصبغة ، فالصبغة لذلك تدخل الشعرات من قنواتها ، ثم تجري فيها لتسقي خلايا الطبقة القشرية وتستقر فيها ، وتكون هذه الطبقة عندئذ أغمق في اللون مما عداها
والصوف يقبل التلبد قبولا كبيرا ، فتخرج من تليده أثواب دفيئة لا مغزولة ولا منسوجة . وشعرات الصوف في الثوب الملبد يتماسك بعضها بعض في غير نظام ولكنه تماسك قوي . ولهذا التماسك أسباب : منها ما على الشعرات من سقط فهذا تتشابك حروفه في الشعرات
فتترابط . ويزيد حروف هذا السقط نتوءا فعل الأحماض والقلويات وكيميائيات اخري ، حتى غلي الماء . وسبب
اخر للتلبد هو ما بشعرات الصوف من تموجات تعين على تلويها بعضها في بعض . وسبب ثالث هو تركيب الطبقة السقطية نفسها ، فهي قرنية من نوع يطري ويتلزج بفعل الماء والحرارة والضغط ، وهي مجتمعة جميعها في عملية التلبيد فتتلازج الشعرات أو بعضها وتتلاحم عند البرد وزوال الضغط
والصوف أكثر امتصاصا لرطوبة الهواء من القطن والحرير وغيرهما من الياف النسيج ، وهو يستطيع ان يحبس من الماء في جو مشبع به نحوا من ثلث وزنه . وهذا عامل خطير في التجارة لا بد من ضبطه وإلا بيع الماء بثمن الصوف . كذلك لابد من تقنينه وتقديره في الصناعة ذاتها ، فرطوبة الالياف تغير من خواصها الطبيعية تغييرا كبيرا
والصوف على الشاة به دهن تفرزه غدد بجلدها ، فهذا يلوذ بالشعرات فيحميها من التكسر والتقطم ، ويفرق بينها وبين اخواتها فيمنعها من التليد . ودهن الصوف قد يبلغ نحوا من ٤٠ في المائة من وزنه . من أجل هذا كان الصوف دسم الملمس في بالاته . واول تحضير الصوف لنسج غسل هذا الدهن عنه بالصابون
وللصوف يربق بهم الصناعة والناس جميعا ، وهذا البريق يشتد في بعض الأصواف بالطبيعة ويضعف في بعضها ومرجع هذا إلى سقط الشعرات ، فالشعرات ذات السقط الكثير تنال هذه الكثرة يصغر حجمها وقلة سطحها فيقل ذلك ضوء الشمس المنعكس من سطوحها . وهذا يحدث في الصوف القصير الشعرة . أما طويلها فيعكس الكثير من الضوء على سقطاته الواسعة ، فيلمع ويشتد بريقه
ويتركب الصوف من عناصر خمسة ، اكثرها الكربون أو الفحم ، ثم يأتي بعده الأكسجين فالأزوت فالايدروجين فالكبريت . والذي يلحظ في هذا التركيب كبر نسبة
الأزوت فيه فهي تبلغ نحو ١٩ في المائة من وزنه . فاذا احرقت قتيلة منه انطلق الأزوت على الأغلب في صورة غاز النشادر ، ثم تتفحم الفتيلة متقاصرة مكونة كرات من الفحم المنعقد . وهي تحترق ببطء ولكنها لا تشتعل او لا تكاد ، وتخرج منها رائحة كرائحة الريش المحروق . وهي في اشتعالها تخالف فتائل القطن - وعناصرها الكربون والأكسجين والإيدروجين - فهذه تشتعل اشتعالا سريعا اي بلهب كبير وضاء ، ثم لا يبقى من الفتائل إلا رماد لا يستقيم بين الأصعين
والماء الغالي يؤثر في الصوف ، لا سيما إن طالت مدة عليه به ، فهو يتحلل بذلك بعض الشئ ، ويفقد شيئا من متانته
والصوف يقاوم الحوامض ، وهو قل أن يتغير بها بل هو يمتص منها حتى يكتفي . ولكنه لا يثبت أمام القلويات كالصودا الكاوية . فاذا أنت اغليت الصوف بمحلول مخفف من الصودا الكاوية تحتوي المائة سنتيمتر منه خمسة جرامات أو ستة من الصودا ، إذن لذاب الصوف كله في بضع دقائق ( القطن لا يفعل ذلك ) . ومن هذا يتضح السبب في النصيحة التي تهدى دائما في غسل الصوف : أن يغسل بالصابون النقي ذي القلوية القليلة ، بأن لا يغلي به لا سيما فيما يختص بالانسجة الرقيقة الثمينة
وقد تقضت قرون عديدة والناس يحمى من الشاة ما تجود به من صوف عفو الطبيعة وبقدر ما يأذن به التقليد المتوارث في تربية الماشية . ثم تدخل العلم رويدا رويدا فعلمنا منافع التهجين . علمنا اننا نستطيع بتخليط الأنساب بين اللراري من قطعان مختلفة الأوطان والأجواء أن تزيد في لحم الشاة إن اردنا لحما ، أو نزيد في جودة شعرها إن اردنا صوفا ، وان نخالف ونبادل بين الأنساب بطرائق مرسومة وقوانين مرقومة ، لتحصل من صوفها على رفيعه
وناعمه إن اردناه رفيعا ناعما ، أو قويه وخشنه إن أردنا خشنا قويا ، أو الوسط بين هذا وذاك إن شئناه وسطا ولكل من هذه الاجناس مطالب في الصناعات ، وبهذا التهجين انتشرت الشياه في اراض لم تكن تعرف الأظلاف ، وطاب لها العيش في اجواء لم تكن لتطيب لها ، منها الجاف والمطير والحار والبارد والحبلي والساحلي . وبهذا التهجين انتقلت تجارة الصوف ، او انتقل مركز ثقلها ، من الشمال إلي الجنوب ومن الشرق إلي الغرب
ففي استراليا اليوم من الأغنام مائة وعشرون مليونا او تزيد ، وهي اولى الأمم التي تنتج الصوف ، ولم يكن بها منه شئ يذكر منذ قرن ، وفي أمريكا الجنوبية خمسون مليونا او تزيد ، وفي الولايات المتحدة اربعون مليونا ، وفي ولاية جنوبي افريقية نحو من ثلاثين مليونا ، ومثلها في الجزر البريطانية ، ونحو من مائه وسبعين مليونا في سائر القارة الاوربية ، وكل هذه الذراري اغراب في مواطنها الحاضرة او نصف اغراب ، و اكثرها وأجودها به الدم العربي بما يحمل من نفحات العبد ورائحة التريد
ذلك أن العرب لما عبروا البحر إلى الأندلس حملوا معهم من اغنامهم قطعانا حلت في البلد الجديد الطيب محلا طيبا ، فتناسلت وتكاثرت ، وظل صوفها مشهورا من بعد ذلك في أوربا جميعها . وصارت اسبانيا مصدر الصوف الناعم الذي تنسج منه الملابس الجيدة في أمم الغرب ، وظلت كلذلك قرونا . ونتج عن هذا ان اتجهت انظار هذه الأمم إلي إدخال تلك الأغنام إلي بلادها ، فأدخلت في سكسونيا في عام ١٧٦٥ ، وادخلت في بلاد المجر عام ١٧٧٥ وفي فرنسا عام ١٧٧٦ ، وفي الولايات المتحدة عام ١٨٠٩ . وفي هذه البلاد خلطت هذه الأغنام الغريبة بأغنام تلك البلاد خلطا مدروسا مقدرا ، فأنت انسالا من بعد اخري حملت اصوافا اجود كثيرا مما عرفته تلك البلاد
قبل ذلك . واسموا هذه الاغنام الإسبانية بالأغنام الميرينية Merino
حتى انجلترا ، ذلك المعقل القديم للصوف ، ثبتت طويلا ، ولكنها اضطرت أخيرا إلي تهجين شائها بالدم العربي :
اعتزت انجلترا من قديم الدهور بصوفها ، وجاءت ملوكها تنهض بصناعة نسجه فيها ، فجلبت له النساج الفلمكئيين من وراء البحر ، وحاطته بسياج من القوانين فمنعت تصديره إلي القارة الأوربية ، وكانت اممها تطلبه طلب عزيز ، وجعلت على تصديره ضريبة صارت على الأيام مصدرا كبيرا لدخل التاج . وزاد الناتج منه في تلك الجزر على المستهلك فيها فنزل سمره ، ولكنهم صمدوا على منعه من الخروج . واضطر شارل الثاني في القرن السابع عشر أن يزيد في استهلاكه المحلي ، فأصدر قانونا يحتم على الناس أن يكفنوا موتاهم في أكفان من صوف . ولما جاء القرن الثامر عشر وقارب الختام كان في انجلترا نحو من ١٣٠٠٠٠٠٠ من الشاه درت عليها من المنسوجات الصوفية ما قاربت قيمته ١٢٠٠٠٠٠٠ من الجنيهات ، وشغلت من رجالها مليون عامل . ومع كل هذا الاعتزاز بالصوف المحلي ، ومع كل هذه القوانين المناعة المتاحة التي أصدرتها دفاعا عنه ، ومع ازدهار التجارة ووفرة الخير ، لم تجد انجلترا
بدأ في آخر الأمر من الالتجاء إلي الشاة العربية ، أو كما أسموها الميرينية ، لأن الأمم الآخر فعلت ذلك فجاد صوفها وطاب وفاق . فبدات أول الأمر باستيراد الصوف الميريني . وبلغ ما استوردته من اسبانيا عام ١٨٠٠ نحوا من ستة ملايين من الأرطال . ولكنها خافت من ان يطرد الوارد فيزاحم الأهلي ويزحمه ، فارتأي جورج الرابع ( ١٧٦٢-١٨٣٠ ) ان يستحضر من اسبانيا عوضا عن الصوف عددا من اغنامها الميرينية ولكنه لم يلبث ان وجد ان ارض انجلترا وجوها لا يصلحان لتربية الميريني الخالص ، فلم يجد بدأ من تهجينه بالأعلى . واستمر التهجين مختلف الشياه الانجليزية ، حتى نتجت أنواع تأقلمت واستطاعت العيش في المناخ الجديد ، واستطاعت انجلترا بذلك ان تحتفظ لصناعة صوفها الراقية بخامات من الصوف راقية

