الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, ( ابو بكر محمد بن الحسن الزبيدي ), طبقات النحويين واللغويين،

Share

تحقيق محمد ابي الفضل ابراهيم جزء واحد ( ٥+٣٤٠+٦٨ ) به ثمانية فهارس . طبعة القاهرة مطبعة السعادة سنة ١٣٧٣-١٩٥٤

نشر هذا الكتاب عن مخطوطة واحدة مخطوطة نور عثمانية (١) وهو مؤلف اندلسى نشأ صاحبه باشبيلية واخذ عن ابى على القالى خاصة وأدب ولد هشام الثانى وتوفى بقرطبة سنة ٣٧٩ ، تاركا لنا معجم تراجم من اهم ما وصلنا فى بابه اذ هو من اقدمها واثبتها ، نقل عنه ابن الفرضى والسيوطى والقفطى وياقوت وغير هؤلاء

وطريقة المصنف هى الطريقة القديمة طريقة الرواية المعروفة جيدا المتبعة لمنهج الحديث ، فاتت الاخبار مرفوعة الى اصحابها باسانيد كثيرة مفصلة . ولا يذكر الزبيدى مصادر " كتبية " غير انه ليس من شك حسبما يبدو من المقارنة انه يغترف من ناحية من نفس الحوض الذى اغترف منه معاصرة السيرافى (٢) كما يعتمد من ناحية اخرى مؤلفات اساسية لم تصلنا كمؤلفات محمد بن عبد الملك التاريخي (٣) والمبرد وثعلب وابن درستويه ممن ورد ذكرهم كثيرا فى اسانيد " طبقات النحويين واللغويين " . اما المؤلف نفسه فانه - ولا غرابة فى ذلك - لا يكاد يظهر فى مؤلفه اذا ما استثنينا مدرسة الاندلس وتراجم اساتذته كالقالى مثلا وبعض الملاحظات النحوية التى يضيفها من حين الى حين .

ومن اهم واطرف ما يمتاز به كتاب الزبيدي تقسيمه حسب المدارس : النحويون البصريون (١٣-١٣٥) - النحويون الكوفيون (١٣٥-١٧٥) اللغويون البصريون (١٧٥-٢٠٩) - اللغويون الكوفيون (٢٠٩-٢٣٣) النحويون وللغويون المصريون (٢١٣-٢٤٥) - النحويون وللغويون القرويون (٢٤٥-٢٧٥) - النحويون واللغويون الاندلسيون (٢٧٥-٣٤٠) " وداخل كل مدرسة توزع التراجم حسب الطبقات ، وكثيرا ما تلتف ، داخل كل طبقة ، حول امام من ايمة النحو او اللغة . ويلاحظ ان الزبيدى ، ان كان ينكر وجود مدرسة بغدادية مستقلة في النحو او اللغة - هو لم يفردها بباب بل دمج من نعتبرهم بغداديين في صفوف البصريين او الكوفيين - فقد فسح المجال واسعا لمدرستي القيروان والاندلس ، وعد ابا على القالي في الطبقة السابعة من لغويي البصرة وذكره من بين اصحاب ابن دريد .

ولكتاب الزبيدى ، الى جانب قيمته بالنسبة لتاريخ العلوم اللسانية قيمة اجتماعية تاريخية اذ من ترجم لهم به ، منهم من عاش فى البلاط ، ومنهم من تقلب في الوظائف ، ومنهم من وردت عنهم حكايات ونوادر لا يعسر ان تستغل وتستثمر من طرف من يحاول ان يرسم صورة حية واقعية للماضى

ولا يسعنا ، فيما يخص تحقيق النص ، الا ان نأسف لبعض النقص ، ويشتد اسفنا بقدر ما اتت الطبعة جيدة فى غالب الاحيان ، ويقدر ما عودنا محمد ابو الفضل الاتقان والتحرى . إنه طبعا لاجناح اذا ما سها المحقق احيانا عن ذكر الصفحة عند الاحالة على المراجع (١) ، لكنه ما راعنا الا انه يعمد فى بعض الاحيان ايضا الى اصلاح النص من دون تنبيه ولا ضرورة قاهرة ، فيما نظن . فهل من حاجة اكيدة مثلا الى ان يعوض - من دون ان نعلم - فى عجز هذا البيت الثاني :

ابوك كلفك الشأو البعيد كما          قدما تكلفه وهب ابو حسن

ولست تحمد ان ادركت غايته         ولست تعذر"مستوفى " فلا تهن

عن " مستوفى " - وهى الكلمة الواردة واضحة بالمخطوط (ص ٨١) - بلفظة " مسبوقا " التى اختارها المحقق لانها اكثر وضوحا ، لكن هل هذا مبرر كاف لنغير قول الشاعر ؟ ولعله اغفل ايضا اصلاح النص حين كان يحسن اصلاحة فان هذه الجملة : " واذا اراد الله عز وجل امرا فلا بد له (٢) . " كان ينبغى ان

يقوم ما بها من خلل استنادا على ما اتى بمختصر طبقات الزبيدي الذي نشره كرنكو ، وهذا نصه : " واذا اراد الله عز وجل امرا فلا مرد له " (١)

ثم هل من التحرى العلمى فى شىء ان نتم النص من تلقاء انفسنا غير مضطرين بينما لا يعسر علينا ان نظفر بالكلمة التى اغفلت عند من نقل عن الزبيدي . وهم كثير! يضيف محقق طبقات الزبيدى " جاء " بين معكفين فى هذه الجملة : " فلما (جاء) وقت الانصراف . . (٢) " كى يستقيم له المعنى ،

بينما يورد ياقوت ، نقلا عن الزبيدي ، النص بلفظه الصحيح الكامل ويكفينا مؤونة الاضافة والزيادة ، واليك الجملة كما وردت بمعجم الادباء : " فلما حضر وقت الانصراف . . . " (٣) انها لجزئية طبعا ، لكن اليس من الامانة العلمية ان نحافظ على نص المؤلف بلفظه وحرفه ، ما استطعنا الى ذلك سبيلا !

ولقد اسفنا لعدم اثبات المحقق ، من بين جملة التعاليق الضافية ، اهم الروايات المختلفة ، وليس ذلك مستحيلا اذ ، ان كانت المخطوطة واحدة ، فقد نقل اصحاب كتب التراجم ، عن نسخ مختلفة لم تصلنا ، كثيرا من نصوص طبقات الزبيدى . وليست هذه الروايات المختلفة التى تتصل تارة بضبط اسماء الاعلام وطورا بالمعنى من التفاهة بحيث تستحق ان يكون نصيبها الاهمال ، وفى هذين المثلين دليل على ما يرجى من فائدتها :

" . . فرد ماله على ابنة ابنته . " (الزبيدى ، الطبقات ص ١٦٧) " . . . فرد ماله على ابنه وابنته . " (القفطى ، انباه الرواة ، نقلا عن الزبيدي ، ج ١ ص ١٤٨)

" . . . ابو سعيد الحر بن على . . " (الزبيدي ص ٢٠٤) . . " ابو سعيد الحسن بن على . . " (القفطى ، نقلا عن الزبيدى ج ١ ص ٢٠٧)

كنا نود لو اثبت ما خلف من هذه الروايات المختلفة لا سيما وقد فسح المجال لما هو أقل منها عائدة . فهل من حاجة اكيدة الى شرح : " اللغو " و " العقار " و" الخبز السميذ " ؟!

ويشرح المحقق لنص الزبيدي " اللحن " فى قول عمر : " تعلموا الفرائض والسنة واللحن كما تعلمون القرءان . " بقوله : " اللحن هنا : الخطأ فى الكلام . " فهل منا من هو في حاجة الي مثل هذا الشرح ؟ وهل يعقل ان يامرنا عمر بتعلم الخطأ في الكلام كما نتعلم القرءان ؟! ولو رجعنا لنهاية ابن الاثير لظفرنا بحل المشكلة واتضح لنا المعنى بحيث ورد بها ما نصه :

" وفي حديث عمر : تعلموا السنة والفرائض واللحن كما تعلمون القرءان " وفي رواية : تعلموا اللحن في القرءان كما تتعلمونه ". يريد : تعلموا لغة العرب باعرابها . وقال الازهري : معناه تعلموا لغة العرب فى القرءان واعرفوا معانيه كقوله تعالى : " ولتعرفنهم في لحن القول " اى معناه وفحواه . واللحن : اللغة والنحو ، واللحن ايضا الخطأ في الاعراب فهو من الاضداد قالي الخطابـي ... وقال ابن الاعرابي اللحن ايضا - بالتحريك - اللغة ، وقد روى ان القرءان نزل بلحن قريش اي بلغتهم ومنه قول عمر : " تعلموا الفرائض والسنة واللحن " اي اللغة . قال الزمخشري : المعنى ، تعلموا الغريب واللحن لان فى ذلك علم غريب القرءان ومعانيه ومعانى الحديث والسنة ومن لم يعرفه لم يعرف اكثر كتاب الله ومعانيه ولم يعرف اكثر السنة ."

وبعد فاننا نريد ان نختم هذه الملاحظات الوجيزة بشكرنا لمحقق طبقات الزبيدي مجهوده . فقد احال فيما يـخص كل ترجمة على المراجع الاخرى التى وردت بها وعرف بكثير من الاعلام ونوع الفهارس ولا يخفى ما فى ذلك من تسهيل لسبل البحث وتوفير للوقت على الباحث.

وكفى المحقق فضلا احياؤه لتراث اسلافنا شرقا وغربا وحسن العناية وبذل المجهود ولا منزه منا عن السهو .

اشترك في نشرتنا البريدية