مائة صفحة مقاس 4 ر 15 × 19 دار النشر والتوزيع والتعهدات بعمان - الاردن -
الاستاذ عيسى الناعورى من نبهاء الادب بفلسطين يعنى بالكتابة والشعر والقصة ، وتدلنا قائمة تآليفية التى ذيل بها هذا الكتاب الذى بين يدى على انه يعيش طور النقد والاستكشاف لما فى الادب العربى من قيم ولما في رجالاته من عباقر ، فهو بعد ان اظهر " الجديد فى الادب العربى " و " ايليا ابو ماضى رسول الشعر العربي الحديث " يعتزم اظهار " دراسات فى الادب المهجرى " و " دراسات فى الادب العربى الحديث " .
وهو ذا الان يمتع قراءه بالحلقة الاولى من " اعلام الادب المهجرى " وقد خصصها بدراسة صديقه " الياس حبيب فرحات " الذى نعته - فى صدق - بانه شاعر العروبة فى المهجر .
وحقا ان شاعرا كالياس فرحات لممن يجب ان تتجه اليهم القلوب ، وتعني بدراستهم الاقلام سواء اكانت اقلاما صديقة له كقلم الاستاذ عيسى الناعوى الذى تربط بينه وبين الياس آصرة الحب المخلص ، او كانت اقلام نقاد اطلعوا على ما فى ادب هذا الرجل من مخايل العبقرية التى تضفى على صاحبها اشراقة تحببه الى كل نفس ، وتعقد له صداقة تربطه بكل قارئ ، وتذكره به فى كل مناسبة . فالياس فرحات كاى ملهم آخر من ملهمى المهجر لا يمر ذكره دون ان نشعر بالحنين يذكى فينا وبالمودة تتجاوب بيننا وبينه ، بل بيننا وبين جميع اولئك النخبة الذين طوحوا بانفسهم الى العالم الجديد الى بلاد غير بلادهم واهل غير اهلهم فعاشوا غرباء منقطعين ولكن غربتهم كانت اطيب من الوطن وانقطاعهم كان اوصل بالرحم ، فهم سواء كانوا بنيويورك او الشيلى او سان فرنسكو او غيرها من آفاق امريكيا البعيدة ما تزال رؤاهم ترتسم بنفوس اخوانهم فى كل اقطار العرب وما تزال اصواتهم ترن فى آذانهم فى كل مدرس للادب العربى الحديث وفى كل
مغني للشعر الانساني الرفيع انه مما اسعدنى ان تقع بين يدى هذه الدراسة عن شاعر تعرفت اليه منذ فجر دراستى الثانوية منذ ان امرنى وزملائى احد مدرسي العربية بان نقرأ " بلاغة العرب فى القرن العشرين " وهو كتاب كما قال عنه صاحبه : " شذرات واشعار مختارة من اقلام رسل البلاغة العربية في امريكا " فى هذا المجموع كان اول لقائي بالشاعر فرحات فى صحبة من هؤلاء الرسل : جبران خليل جبران - ومخائيل نعيمة - وايليا ابو ماضى- ونسيب عريضة ، وامين مشرق - ورشد سليم الخورى - ورشيد ايوب ، وفى هذا الكتاب بعث فى الحب الاول للقراءة وباشعار هؤلاء الرسل أوقر فى نفسى انه يوجد بين صفحات الكتب من المتع والمسرات ما يأسر القلوب ويستهوى الالباب ، لقد صادقت المقطوعات التى اوردت فى هذا المجموع هوى من نفسى ولقيت منى قصائد فرحات اعجابا شديدا وخاصة قصيدة خصلة الشعر فقد كانت من الاغاني التى تعبر عن تجربة كثيرا ما تمر بالشباب ، وما جمال الشعر بل ما جمال الادب في كل فن من فنونه الا اذ كان تعبيرا صادقا عن خوالج الانسان وصورا كاملة لتجاربه التى تمر به سواء كان فى حياته الفردية او الجماعية ، وسواء اكان في محيطه المادي او الروحي او فيما هو مزيج من ذلك .
ولعل هذا هو احد جوانب الخلود فى الاثار الفكرية فهى خالدة ما دامت الاجيال تشعر بالصلة بينها وبين تجاربها وممارساتها ، وهى لا نصيب لها من الخلود اذا كانت منتحلة او متكلفة لا تتبعث عن تجربة واقعية او تهيء الى تجربة واقعية . فلو كانت آثار فرحات من هذا الصنف الاخير لما عنى الاستاذ عيسى الناعوري بالكتابة عنها ولما وجدت هذه العناية فى نفوس القراء ، عناية تشتبك فيها الدواعي المختلفة ، دواعي الحب والغزل ودواعى التأمل والحكمة ودواعي الثورة والتحرر ، ودواعى الوطن والقومية ودواعى الاعجاب بالنبوغ المبكر والشاعرية الموهوبة والقريحة الفياضة التى تشدو مع الطير ، وترقرق مع النسائم وتنساب مع الجداول :
يقولون عمن اخذت القريض وممن تعلمت نظم الدرر
وما كنت يوما بطالب علم فإنا عرفناك منذ الصغر
فقلت : اخذت القريض صبيا عن الطير وهى تغنى السحر
وعن خطرات النسيم العليل يمر فيشفى عليل البشر
وعن ضحكات مياه الجداول فوق الجلامد تحت الشجر
وعن زفرات المحب الاديب يزاحمه الموسر المحتقر
وعن نظرات الحسان اللواتي يكدن يغلغلنها في الحجر
وعن عبرات الحزان الضعاف ففي عبرات الحزانى عبر
وهذه قطرة من فيض قريحة متع من معينها الاستاذ عيسى ما شاءت له المتعة واراد ان يشرك معه قراء العربية فقدم هذه الدراسة تجمع بين نفع السيرة وطرافة النقد ، ولكنها لم تبلغ مستوى الكمال فى كل منهما فهو وان تحدث فيها عن " فرحات فى الضيعة " وعن حياة فرحات واخلاقه من شعره وعن مؤلفات فرحات وشاعريته وعن وطنيته القومية وعن شعره السياسى والاجتماعى وعن الحكم والوصف فهو وان تحدث عن كل هذا لم يستوف كل ما ينبغى ذكره من سيرة الرجل بمفهومها الكامل ولم يعرض كل ما يبغى ان يتناوله النقد بمناهجه العصرية المتجددة .
والاستاذ عيسى نفسه يعترف بهذا النقص اذ يقول : " لقد قلت فيما تقدم من الفصول الشئ الكثير في فرحات الانسان ، وفرحات الشاعر ، ولكنى اشعر بانني لم اقل فيه كل ما يجب ، وان كنت اعتقد اننى قد ارحت ضميرى بما انصفت به هذا الشاعر القومى الكبير الذى يعيش للعرب ويعيش على امل وثبة عربية جديدة تقضى على الجبن والتخاذل والتفرقة بين العرب وتعيد لهم الكرامة التى ديست والعزة التى هدرت".
اجل ان الاستاذ عيسى الناعورى شاعر بانه لم يقل كل ما يجب قوله عن صديقه الشاعر الياس ، وشاعر بانه لم ينقد كل ما ينبغى نقده من آثار هذا الصديق الذي كان لسان العروبة فى المهجر ، وهذا حق . فانا وقد قرأت هذه الدراسة اشعر بانها لم تكتب لتكون سيرة كاملة تجلو جميع الاطوار التى مرت بها شخصية الشاعر ، او دراسة ادبية مفصلة تحلل كل الخصائص التى يمتاز بها ادب الياس وتبرز ما فيه من جوانب الضعف والتقليد او القوة والابتكار ، لا أشعر انها كتبت لتكون هذه او تلك ، وانما هي تعريف قام به الاستاذ عيسى الناعورى نحو صديقه عرض فيه حياته عرضا موجزا وضرب فيه الامثلة من شعره ضربا مقتضبا ولكنه لحسن عرضه خليق ان يجذب القارىء ويمتعه بما يجد فى حياة الياس من طرافة وبما يرى فى ادبه من نبالة القصد وصدق التجربة .
عسى الاستاد عيسى الناعورى ان يمتعنا فى حلقاته المقبلة عن اعلام الادب المهجرى بكتب مركزة ودراسات ادبية وافية فيها ما يسير غور الادب المهجرى ويكشف عن فضل اولئك الرواد الذين امدوا الادب العربي بخمائر جديدة كانت من بواعث نهضته واسباب تفتحه وازدهاره .

