الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, الحركة الادبية والفكرية فى تونس

Share

الاستاذ الفاضل بن عاشور رئيس الجمعية الخلدونية والاستاذ بالجامعة الزيتونية عالم غزير العلم واسع الاطلاع صاحب اسلوب ادبي ممتاز ، ملم بالتيارات الفكرية فى تونس الماما مستوعبا واعيا كان لابد ان يفيض منه على طلاب القومية ودعاتها فى الشرق ، ليسيروا فى ضوئها الى ما هم بسبيلة من دعوة الى التحرر العربى ووحدته على هدى وبصيرة .

فما كالعلم اساس صالح لنجاح النوازع المكافحة في محيط الامة العربية اليوم وما كالالمام بالجوانب الفكرية ومسار بها فى انحاء بلادنا خدمة تقدم للكفاح الموحد اذ كثيرا ما درنا حول وطننا دورات عمياء فاغرقنا وضل مسعانا وانتهينا الى التيه وما الاكتفاء بدراسة بلادنا على الخرائط إلا تضليل يعمي علينا مسالكنا الى الهدف

لهذا كانت فرصة موفقة واعية اتاحتها جامعة الدول العربية بدعوة السيد ابن عاشور ليحاضر طلاب معهد الدراسات العربية العالية في حاضر البلاد التونسية العزيزة التى تمثل الشعلة المقدسة فى رقعة الشمال الافريقي ، حملت بالامس لواء التحرر الفكرى والمعرفة الواعية ، وتفاعلت دائما مع الحركات الفكرية والسياسية فى بقية الوطن العربى ، وكانت دائما نقطة انطلاق في هذه البقعة من العالم قديما وحديثا

ولتونس الغابرة فى اذهاننا صورة الفردوس الساحر ، موطن الجمال والظلال والخضرة الناعمة الفيحاء ولكن تونس الثائرة المكافحه الراقصة في موكب الحرية على براكين الدماء المقدسة .. ماذا عندها اليوم من اسلحة النضال ؟ ماذا بين جوانحها العربية المتابية تذخرة ليوم الحرية ؟

ذلك ما كنا فى حاجة الى ان نعيش فيه مع تونس اليوم التى خلعت عذار الجمال ، وامتشقت عدة النضال لتلتقى باخواتها العربيات المناضلات في اليوم الموعود على قمة العزة والمجد المنتصر .

بهذه العقيدة المناضلة وما تؤججه في النفوس من فورة جامحة شعواء كان يحاضر ابن عاشور عن تونس .

ولقد كانت المحاضرة الافتتاحية قدرا مشتركا من الدموع بين ابناء العروبة الممتحنة بالاستعمار الغربى الكريه فمأساة الاستعمار وما سبقه من انحلال داخلى وما لحقه من كوارث كانت هى فى نفس الوقت ولنفس السبب كارثة مصر واذا ربطتنا الالام فلابد ان توحدنا الآمال .

كيف كانت تعيش تونس قبل عهد الاحتلال وماذا ظفرت به من اصلاحات وماذا كسبت من مجد ثقافى كان فى مقدمته انشاء الصادقية واصلاح الزيتونة وتاثيل المكتبات وتشجيع الصحافة والطباعة على عهد الوزير خير الدين ثم كيف جاء الاحتلال فعصف بكل ذلك واضطر رجال الفكر الى الانزواء لولا كفاح الامجاد المؤمنين بانفسهم من مثل كبادو وبوحاجب وبيرم والسنوسى الذين قادوا الفنون الادبية المختلفة وكافحوا في سبيل الثقافة والفكر والشعر قبيل الاحتلال وبعيده .

ذلك كان موضوع المحاضرة الاولى التى سماها " صدمة الاحتلال " اما المحاضرة الثانية فموضوعها " الخلدونية " وارتباطها بحركة التحرير الفكري التى شنها جمال الدين ومحمد عبده والكفاح المرير بين المؤمنين بالثورة الفكرية الجديدة وبين الاستعمار الذى احال المؤسسات الثقافية معامل لتفريغ الموظفين ، لولا ان البشير صفر تزعم حركة ثقافية قوية حشد فيها خريجى الصادقية ومنها نشات فكرة تكوين الجمعيات رغم انف الاحتلال فنشات الجمعية الخلدونية لخدمة الاغراض الثقافية .

وتحدث عن الصحف ونزعاتها وانتشار الصحافة وظهور الثعالبي والخضر حسين والتفاعل المستمر بين حركة البعث الاصلاحى والديني في مصر وتونس والصراع بين الرجعية والتطور .

وكان من ابرز عوامل التطور الادبي ظهور الحركة العلمية والنشاط

الداخلي والتفاعل مع الشرق مما انتج فنونا من الشعر العصري والنثر السياسي الفني والعلمي ولكل اعلام ورواده المشاهير .

وتحدث فى المحاضرة الثالثة عن قدماء الصادقية واثرهم في الادب والفكر وفى الرابعة عن الصحافة وفي الخامسة عن حركات الشباب

وتناول فى كل من هذه المحاضرات مظاهر التطور الادبي والفنون الادبية ، وعرض حركات صعودها وهبوطها والعوامل المؤثرة فيها وما انتجت من روائع وما اثرت فى مجرى العقلية التونسية وما خلفت من كتب وصحف وابحاث واشعار

اما المحاضرة السادسة فخص بها الاذاعة الناشئة ، وكيف كانت استجابة لوعى الشعب وما لقيت من الاستعمار ، وكيف بذلت لها الجهود ، ثم اثرها في الأدب والفكر والتفاعل المستمر بين الاذاعة والشعب وبينها وبين المفكرين

والمحاضرة السابعة دارت على الاصلاح الزيتونى الذى كان استجابة لمركز هذه الجامعة فى الامة التونسية

واما الثامنة والاخيرة فكانت في " الموقف الحاضر واعقابه " وقد ركز فيها اضواء قوية على الحالة الراهنة فى تونس والنضال الثقافي المر بين الاستعمار والمواطنين ، ومستقبل هذا النضال الذى انفصل عن النضال السياسي ، وتكهن بمستقبل هذه المعركة الحاسمة ، فحينما كان الناس يستبشرون بالنصر السياسي كان هو يشير الى جناية المهادنة السياسية على الثقافة القومية ، ويرى ان العداء السياسي يحصن الثقافة العربية ويعطيها مناعة لمقاومة الاستعمار ، اما اليوم فالتفاهم السياسي مؤد إلى تغلب الثقافة الفرنسية فى ميدان التنافس المطلق فهى ميسرة ذات امكانيات لا تدانيها امكانيات الثقافة العربية التى مازالت تحبو . والاستعمار الثقافي اخطر على الشعوب من الاحتلال العسكرى ما فى ذلك شك (١)

لقد نبه السيد المحاضر الى هذا الخطر المحدق ورسم الطريق الموفق للخلاص منه وهو الاعتصام اولا واخيرا بالعروبة والأندماج في المحيط العربي والتفاعل معه تفاعلا عمليا مجديا بتبادل بعوث الطلاب والأساتذة ، وتشجيع الثقاقه العربية فى تونس بمختلف الوسائل ومؤازرة الصحافة والأذاعة والمسرح في تونس

والاسهام فى نشر المخطوطات والمؤلفات القديمة والحديثة حتى تستطيع الثقافة العربية فى تونس ان تكسب الجولة الحاسمة امام المنافسة الاجنبية الدخيلة

وقد عنى المحاضر فى كل محاضراته بعرض الحركات الفكرية والادبية وتطوراتها كما عنى بالتحليل والتعليل والاسهاب حول الدقائق والمقدمات والانتهاء دائما بنتائج حاسمة تتبع خطاها ودار فى منعرجاتها ولم يترك نتيجة ما حتى يتعرف الى مصيرها ويوازن بينها وبين مثيلاتها فى البلاد العربية

وكان إلمامة بالاحداث السياسية وماجرياتها وتطوراتها وخفاياها المام الرقيب الواعى ، الذى يتسقط الاحداث ويبلورها فى طريق الهدف العربى وخدمة مثالياته ولقد طبعت هذه المحاضرات فى سفر ضخم احتلت من صفحاته ٢٢٣ صحيفة كانت القسم الاول من هذا الكتاب الجليل

اما القسم الثاني ويحتوى ١٩٢ صحيفة فقد رصده الاستاذ للنصوص الادبية من شعر وخطب ومقالات لاعلام الكتاب والشعراء والمفكرين التونسيين فى هذه الفترة الحاسمة من تاريخ تونس والامة العربية ، ولقد كان الاختيار موفقا فى تكوين الصورة التى اراد ان يرسمها للفكر التونسى الحديث فاختار للنابهين من الجيل الماضى ، ولاحياء اعزاء مازالوا يقودون حرية الكفاح الموفق من جيلنا الحاضر ، نخص من هؤلاء واولئك الحامصى وابن الخوجة والنخلى والطاهر بن عاشور ومناشو والقليبي وخزنة دار وآغة والشابي والحليوي وكرباكة وكثيرين غيرهم ممن شادوا صرح الفكر العربى فى تونس

وقد أتاحت هذه المحاضرات القيمة لثلة من الشباب الواعى في معهد الدراسات العربية ان يدركوا الكثير مما كانوا يجهلون عن تونس الحديثة ، وقد أعداهم المحاضر بحماسته ، ورفعهم للتطلع الى المزيد من احاديث الشقيقة المناضلة والى تبادل المعلومات الصحيحة من منابعها الوطنية الصادقة ، والى التفكير فى عقد صلات ادبية وودية واخوية واسعة النطاق يغذيها تبادل الزيارات فى كل فرصة ممكنة .

ولكن طبع هذه المحاضرات وانتشارها سيتيح هذه الفرصة لا لافراد قلة داخل قاعات الدروس ، ولكن سيشرك معهم كل قارىء فى بلاد العروبة ، وسيؤكد للجميع ان الصلات الادبية بين ابناء العروبة وشيجة لا تنفصم ، وهى التى كانت وما تزال ترسم طريق النضال العربى الى الحرية العزيزة

وكنا نتمنى لو بقي صاحب الكتاب ليشرف على طبعه ، ويزيده من الفهارس والمصورات والمراجع ، والتعريف بالاعلام والاحداث والمناسبات ، وكان حريا ان يمهد هذه الأحداث العظام بمقدمة تعرف بتونس وبيئتها التاريخية والجغرافية وتشير الى منهج هذا الكتاب القيم .

ولكن المهام الكثيرة والواجبات الدينية والدراسية اعجلته عن هذا . ومع ذلك فما زلنا نامل ان يتابع ما بدأ من جميل اسداه لابناء العروبة فيكون مصدرا روحيا للتطورات الثقافية والأدبية والفكرية السريعة فى تونس الظافرة

ان فرحنا بصحيفة او كتاب يصدر عن تونس فرح بالغ لا يقدر ، فكيف وقد ظفرنا بعالم واسع العلم ، وكتاب غزير المادة ؟

اننا حين نهنى تونس المنتصرة فى كفاحها ، فاننا نهنئها اولا وقبل كل شئ بهؤلاء الامجاد من مفكريها وادبائها الذين بعثوا فيها روح اليقطة والتوثب ، وغرسوا في وعيها عقيدة الحرية والفداء

القاهرة

اشترك في نشرتنا البريدية