5 صفحة مقاس ١٧ × ٢٣ المطبعة العالمية بالقاهرة ١٩٥٦
دفع الي هذا الكتاب فاخذته ممتنا ، وقدرت ان ساقرأ تاريخا للعرب في صورة اجمل واعمق مما عرفت ، وان سأمتع بمعرفة ادق واضبط عن هؤلاء العرب الذين تألبت على تاريخهم جماعات من المؤلفين قديما وحديثا ، واوغلوا القول فى تأليفهم ما شاء لهم الاحتراف او ما شاءت لهم الرغبة العلمية الخالصة .
قدرت ذلك واسرعت الى كلمة المؤلف التي قدم بها الكتاب فعلمت انه يقصد بـ " العرب " ذلك الجنس السامي الذي يقطن شبه الجزيرة العربية وابناء عمومتهم الجنس الحامي الذي يسكن شمال افريقية والذي امتزج على مدى ذلك التطور التاريخي بالجنس السامي امتزاجا تاما فتكون من الجنسين جنس واحد يطلق عليه إيليت سميث (Elliot Smith) " اسم الجنس الاسمر " . كما يطلق عليه سريجي (Sergi) اسم " الجنس الابيض المتوسط " .
على هذا التحديد للعرب اختط المؤلف كتابه ، وبناء على اقسام ثلاثة هي : * حديث عن تاريخ العرب ، وعناية بابراز الفترات التي تحققت فيها وحدتهم . * بيان عوامل الاختلاف والفرقة التي فتت في عضد وحدتهم . * تحليل لوعي الوحدة العربية في القرن التاسع عشر ، واستعراض لما يقوم امامها في الوقت الحاضر من مشاكل ، والتماس لما يؤدي الى تحقيقها من وسائل . واغراني هذا التخطيط لهيكل الكتاب بتصفح فصوله واستطلاع مادته ، ورجوت ان يكون لقائي مع هذا الكتاب المؤرخ وهو اول لقائي فاتحة خير ومبعث ثقة ؛ فقد طالما سئمت من هذر اولئك الذين يهزمهم الطموح ، فيزجون بانفسهم في زمرة الكاتبين وليس لهم من عدة سوى ان يتحلقوا حول موائد التاريخ
او الادب يتقصفون حولها ، ويغتمرون فيها ، وليسوا يشعرون فيها بوخزة ضمير او لفتة مسؤولية .
بهذا الرجاء اقدمت على تصفح الكتاب متأكدا من اهمية موضوعه بالنسبة إلي والى كل قارىء عربي ؛ افليس في كياننا قطع منه ؛ بل اليس في لحظات حياتنا ما هو امتداد له ، وفي دماء شهدائنا التي تجري الآن بالجزائر ما يزيد في اشراق صفحاته ؟ فاذا ما قدم للناس كتاب عن العرب في هذه الآونة تفتحت له قلوبهم وارهقت آذانهم ، وانتظروا ان يفيدوا . فلننظر في هذا الكتاب وفيما سنفيد من اقسامه الثلاثة .
القسم الاول : " الوحدة في تاريخ العرب " هذا هو العنوان الذي يعطيه المؤلف لهذا القسم المشتمل على تسعة فصول ، تناول بها تاريخ العرب منذ عصر ما قبل التاريخ الى استقرار العرب في وادى النيل بعد الفتح الاسلامي ؛ وعرض فيها للدول الاولى في الشرق العربي ولظهور مبدأ التوحيد بالله في رسالة ابراهيم ولتحقيق الوحدة العربية مرتين في عهود الشرق قديما : الاول في وادي النيل ، حيث كانت " طيبة " عاصمة الشرق العربي ؛ والثانية في العراق حيث كانت " بابل " عاصمة له ايضا .
وعرض لتاريخ الدويلات الاولى في شبه الجزيرة العربية ، فتحدث عن دويلات الجنوب من المعينيين والقتبانيين والحضرموتيين وسبا ، وعن دويلات الشمال من الانباط والتدمريين والمناذرة والغساسنة والكنديين والقرشيين ، في جمهورية مكة .
وخصص الفصل الثامن " للوحدة العربية الكبرى ، حين كانت دمشق وبغداد عاصمتين للشرق العربي ، ورسم - باجمال - تيارات الفتح الاسلامي التي انبعثت من مكة بعد وفاة الرسول ، ومكنت العرب من ضم سوريا بحدودها الطبيعية والعراق ومصر وشمال افريقيا باجمعه الى شبه الجزيرة العربية باجمعها في وحدة سياسية روحية كبرى .
والفصل الاخير من هذا القسم يبسط فيه المؤلف عوامل هجرة القبائل العربية الى وادي النيل ، بما فيه المنطقة الجنوبية : السودان . ويأتي بتفاصيل تلقي أضواء على طرق هذه الهجرة ومواعيدها واسماء القبائل والاماكن التي استقروا بها .
هذا مجمل لعناصر القسم الاول من الكتاب وقد شرعت في قراءته وانا آمل مغتبط ، وانتهبت من قراءته وانا حائر متسائل :
ما هي الجدة التي يمتاز بها هذا الكتاب ؛ اي خاصة لمنهاج المؤلف في بحثه التاريخي ؛ ما هو حظي من الوثوق بالقيمة العلمية في جميع ما اشتملت عليه هذه الفصول ؟
ان الاستاذ محمود كامل يبدو انه يريد توجيه العرب من خلال تاريخهم نحو غايات هي اصلح وأبقى ، نحو عزتهم القومية ، ووحدتهم العربية ، ونحو تحريرهم لجميع اجزاء وطنهم العربي الكبير وتقرير مركزهم الدولي الخطير ، ورفع مستواهم الحضاري
ولذلك فهو يريد ان يقدم اليهم تاريخهم على نحو يشعرهم بهذه الغايات ، ويؤكد اصالتها فيهم منذ القديم ، وهذه ارادة نبيلة ولا شك ، وفي ظني انها هي التي تجعل لكتاب الاستاذ محمود كامل وجها من الطرافة والجدة ، فهي قد جنبته الطريقة الكلاسيكية للتواريخ ، فلم يعن بتحديد العهود الزمنية وبسرد أسر الملوك وحروبهم وتقلباتهم ، وانما ركز اهتمامه حول ما رأى ان العرب (1) قد انشأوه من حضارات وامبراطوريات اكتست صبغة العظمة لما تحقق فيها من عناصر الوحدة
وفي رأيي ايضا ان هذه الارادة هي التي دفعت بالمؤلف الى نوع من التعميم والمبالغة ، والنسج الخيالي لحوادث التاريخ ، فهو قد خالف جمهرة المؤرخين في تعميمة نعت العروبة على حضارات ودول نشأت في عهود متقادمه بمصر وبابل وأشور ... وهو قد بالغ في تخيل وحدة عربية يرى انها حدثت قبل الميلاد بألف وخمسمائة سنة يصفها بقوله :
" وفي نهاية حكم " امنحتب الثالث " تحقق اول شكل من اشكال الوحدة بين شعوب الشرق العربي على اوسع نطاق عرف في التاريخ فتدعمت الصلات بين مصر وبين البابليين العرب والميتانيين والحيثيين ... واشتركوا في تنفيذ خطط موحدة للتوسع الحربي والتجاري ، وتبادلوا الافكار والمشروعات والآراء في الفنون وغيرها من ميادين النشاط ... وللمرة الاولى في تاريخ العالم تنبه الانسان
الى مزايا السلم العالمي وشعر بنفع وضع سياسة عامة مشتركة لشعوب العالم ؟ وقد خلفت الوثائق الدبلوماسية ما يقطع بالصداقة التى توثقت في ذلك العصر بين الملوك والشعوب " صداقة تغذيها فكرة واحدة وينبض بها قلب واحد " ( ؟ ! ) وتمثل الى حد الكمال تقدم التطور الروحي نحو نوع من التعاون الدولي فاصحت وحدة الشرق العربى فى عام ( ١٥٠٠ ق- م ) حقيقة تاريخية وهى الوحدة التى لا تزال تتعثر شبيهتها الاروبية بين احلام المثاليين من بعض رجال السياسة ومؤامرات البعض الآخر حتى اليوم "
ان مثل هذا الكلام لا يزيد القارىء العربي اليوم وعيا بقوميته ولا يبعث فيه إيمانا جديدا بتاريخه لانه لا يأنس فيه الاتجاه العلمي الخالص ، ولا يرى به الحقائق الموضوعية المجردة ، بل يقرأ اقوالا حماسية ، وآراء شخصية ، قد عمل فيها الخيال ، واثرت فيها العاطفة ، وصارت لا تغنى فى الدعوة الى وحدة العرب التى لا ينبغى ان ترتكز على محتملات الماضى السحيق ، وانما على ما فى نفسية العرب اليوم او على ما يجب ان يوجد فى نفسيتهم اليوم من استعداد ووعى واتجاه ارادي نحو التماسك فى اطار من القومية الرشيدة ، التى لا تتعصب لجنس دون آخر ، ولا تؤمن بافضلية اقليم على غيره .
ومن الحق ان اذكر هنا ان ما اوردته من الكلام السابق لم يكن كله من رأي المؤلف فقد اشار فى تعليق له عليه الى " موريه ودافى Moret and G. Davy كما اشار فى جميع فصوله الى نقول كثيرة من مصادر مختلفة ، عربية واجنبية ، وهذا ما اعطى لمنهج بحثه في الكتاب صبغة ناحلة تدل على ان المؤلف لم يسهم في بحث مادته بمجهود كبير يضفى على تأليفه اعتبارا ذاتيا ويعطيه طابعا شخصيا ، بل اقتصر على الترجمة والتجميع للاراء التي مهما حاول ان تكون منسجمة فانها لا بد ان تحمل شيئا من الاضطراب او التناقض نتيجة اختلاف هويات اصحابها وتباين الزوايا التي يطلون منها على الحوادث .
واذا لم يعن المؤلف بدارسة المصادر التي ينقل عنها وبمقارنتها ونقد الوثائق او النصوص المستوردة منها فان الامر لا يقف عند الاضطراب والتناقض بل يتجاوزه الى الخلط الساذج او ( اللخبطة ) كما نرى ذلك فى حديث المؤلف عن موقف القبط من الفتح الاسلامى حيث يقول :
" ومما يلقي الضوء على موقف المصريين القبط من العرب ان نوضح اصل الديانة المسيحية فى مصر ، فان هذه الديانة انتشرت بها في القرن الاول الميلادي وقد تولى نشرها عربي هو الرسول مرقص الذي يكاد يكون ارجح المصادر التاريخية !؟ تجمع على انه من يهود القيروان ( ؟ ) بتونس اصلا ، واعتنق المسيحية في القدس عند ظهور المسيح عليه السلام وبعد ذلك عاد الى تونس وصاحب بولس الرسول ثم بطرس الرسول بعد مقتل بولس ، وقد جاء مصر من طريق الصحراء الغربية وبدأ يبث دعوته من الصعيد ثم انتقل الى الاسكندرية حيث انشأ مدرسة دينية ولم ينقطع عن التردد بين الاسكندرية ومسقط راسه بالقيروان الى ان توفي في عام ٦٨ ميلادى ودفن بالاسكندرية التي اصبحت لذلك مقر كرسي بابا الكرازة المرقصية نسبة اليه ، وكانت كنيسة الاسكندرية تعارض الكنيسة الرومانية . "
وقد يذهل القارئ عن بعض ما يعترضه من الاخطاء ولكن فقرات المؤلف لا تمهله حتى تفسر خطأ بعضها ببعض فبعد صفحة واحدة من هذه الفقرة يجد ما يلي :
" سار العرب بقيادة عقبة بن نافع فاكملوا ضم تونس وبنوا مدينه القيروان عام ٦٧٠ م "
ولو كان يتحدث عن تاريخ المسيحية لاحتمل ان يجد القارئ ما يلفت الى بعض اخطاء او خلط الفقرة السابقة .
وتهافت المؤلف على النصوص ومحاولته الاخذ من كل مصدر بطرف هو ما يجعلني ارثي لحظي من الثقة العلمية بمادة الكتاب او بمحتوى هذا القسم الاول على الاخص .
وهنا لا بد من الاشارة الى امر لا يختص به الاستاذ محمود كامل وانما هو بلية يشترك فيها كثير من كتاب العربية ، هو بلية الاعتماد على الكتاب الاجانب فى معرفة تاريخنا ووصف ما هو من خصائصنا ، ولست اخجل اذا ما ذكرت هنا انه كثيرا ما يخيل الي عندما اقرأ نقلا عن كاتب غربي في شأن من شؤوننا انني ازاء بضاعة هي اشبه ما تكون بذلك النوع من الاقمشة المصنوعة من عجين الخرق البالية ، عليها طلاوة الجدة لكنها من مادة قديمة لا تقوى على العرك والابتذال .
كثيرا ما يخيل الى هذا وكثيرا ما كنت اتمنى لو ياتي ذلك اليوم الذي يعدل فيه الكتاب العرب عن هذا المنهج في معالجة بحوثهم التاريخية باقتباس اقوال
الغربيين وانتزاع شهاداتهم بسبق العرب وفضل الشرق ، اتمنى لو يأتى ذلك اليوم الذي ارى فيه المؤلفين العرب يكتبون تاريخهم باقلامهم ، ويفسرونه بعقولهم ووسائلهم العلمية فيعلمه عنهم الامريكان والانكليز وغيرهم من شعوب العالم مصفى من شوائب الغرض وخالصا من زيف الدعاية .
ولست بهذا اطعن فى كل ما يكتبه رجال الفكر الاجانب عن تاريخ العرب وحضارتهم . ولكنى اقول : ان الاسراف فى ايراد اقوال غير العرب عن العرب ، والاعتماد على اتجاهاتهم فى فهم تاريخنا لا يزيد القارىء الواعي ثقة ولا ينقصه شكا اذا ما انبعث فى نفسه شك وانما الذى يزيدنا ثقة بالتاريخ ويزيح الحجب التى تحول بيننا وبين الاستفادة من معطياته هو العرض الجميل لمراحله ، والتصنيف الدقيق لقضاياه ، والامانة البالغة ، والفلسفة الوجيهة فى تحليله ، هو الاقلاع عن الطريقة القديمة او ما يشبه الطريقة القديمة فى اعتماد الرواية والنقل للمحتمل او غير المحتمل ... الى المنهج العلمى الصحيح .
القسم الثاني : عرض المؤلف في هذا القسم لـ " عوامل الفرقة بين العرب " وصنفها الى ثلاثة انواع : الخلافات الدينية والاستعمار الاوروبى والعدوان الصهيونى . وقد عنى بخلافات المذاهب والفرق المتعددة في الاسلام وعرض منها ثمانية وثلاثين فرقة . اربع عشرة من الفرق الاصول واربع وعشرون من الفروع فالاصول كالخوارج والمعتزلة والاسماعيليه والقرامطة ، والفروع مثل الجبائية والراوندية والكيسانية
وحديث المؤلف عن هذه الفرق حديث المترجم المعلق الذي يكتفي بالتعريف الموجز والاشارة العجلى الى بعض ما قامت به من الفتن واعمال الفرقة كما قال عن الحشاشين : " وقد قرر المؤرخون الاروبيون ان الحشاشين تعاونوا مع المسيحيين اثناء الحروب الصلبية مستغلين السياسة لتحقيق مآربهم "
وبدأ المؤلف حديثه عن الاستعمار الاوروبي باستعراض موجز لحملات الحروب الصليبية ، وهو مصيب فى الرجوع بتاريخ الاستعمار الى هذه الحملات فما كانت ادواره الا مزيجا من التعصب المقيت والاطماع البشعة التى لن تسارقه حتى يقضى عليه .
وفى هذا الفصل تعداد للخطوات الاستعمارية التى قام بها الهولنديون والاسبان والبرتغال والانقليز وحتى العثمانيون وفيه اشارة الى السباق بين فرنسا وبريطانيا من اجل الاستعمار وما كان من حملة نابليون ومقاومة المصريين لها . وهو فى كل هذا لا يكاد يعدو تسجيل الحوادث باثبات تواريخها ولا يقدم لقارئه ما يزيده فقها بها او تحليلا لسيرها .
وفى هذا الفصل تختفي الظاهرة التى تعودناها في الفصول السابقة وهى ايراد نظريات المؤلفين واقوالهم . فكانما المؤلف غير منهج بحثه التاريخي حسب العصور وحسب ما امكنه الاطلاع عليه من مادة التاريخ .
القسم الثالث : يستغرق هذا القسم من حجم الكتاب ما يقرب من نصفه وهو فى نظري اهم الاقسام لانه يتصل بواقع العرب اليوم ويتناول تاريخهم الحديث ويقترح وسائل لاحياء الوحدة العربية .
وقد خصص المؤلف الفصل الاول منه بالحديث عن مذهب التحرير الاسلامي وايراد الآراء فى تحرير نشأته ، وترجم لدعاته من زعماء الاصلاح امثال محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن على السنوسى الكبير والافغاني ومحمد عبده ...
وفى الفصل الثاني يشير المؤلف إلى تأثير الحملة الفرنسية على الشرق العربى بما بعثته فيه من كوامن القومية وما فتحت له من سبل الاتصال بالنهضة الاوروبية وبما اعادته الى مصر من التفكير فى وجوب توحيد وادي النيل . وفى الفصل الثالث استعراض لنشوء مذهب التحرير العربي وما صحبه من عوامل النشاط الثقافي الذي بعثته مدارس الجزويت بالشرق والبعثات التبشيرية من الامريكان ، هؤلاء الامريكان الذين يورد عنهم المؤلف ما يلي :
" يذهب بعض المؤرخين الاروبيين الى ان الامريكان لعبوا اكبر دور في احياء العربية كلغة أدب بعد ان اهملت ثلاثة قرون بسبب تفضيل اللغة التركية الرسمية عليها ، وانهم اوحوا بأولى الآمال الوطنية العربية ، وهى الآمال التى تزعم الترويج لها طلبتهم وبعض المدرسين الذين اختيروا من العرب للتدريس في المعاهد الامريكية . وما بدأ كجمعيات ثقافية تطور فاصبح حركة هدفها التحرير المقدس من النير العثماني "
والحديث عن مذهب التحرير العربى ادى بالمؤلف الى ان يحاول عرض الحركات التى انبعثت عنه في مختلف الاقطار العربية ، ومن ثمة كانت مهمته شاقة وكان عليه ان يعرض لتاريخ هذه الحركات فى صورة من الدقة تنال ثقة القارىء العربى فى كل قطر من هذه الاقطار . ولكنه لم يفعل بل تسارع فى الاشارة الى ما تشكلت به هذه الحركات من نوادى وجمعيات واحزاب سرية وعلنية ومؤتمرات ومظاهرات وثورات وجدت فى اول امرها من يشجعها من دول اوروبا ولكنها ما لبثت ، بعد ان انتهت الحرب العالمية الاولى ، حتى " تبين زعماؤها ان العبارات الشاعرية التى رددها الخلفاء اثناء الحرب تمخضت عن روح استعمارية آثمة لا تتفق اطلاقا مع ما استقر عليه الوعى العربى من عزم التحرر والتكتل " .
وتخلص المؤلف الى اعطاء لمع تاريخية عن كل قطر من الاقطار العربية التى افتعلت بهذا المذهب التحريري والتى كان لها مجال فى محاولة المستعمر ومصارعة الطغيان واسترداد الحرية .
ولست احب ان يفهم القارىء ان كل اللمع التاريخية التى يعطيها المؤلف عن هذه الاقطار هى دراسات موجزة ذات نسق مركز تمكن المطلع عليها من اخذ صورة ولو مصغرة عن كفاح اصحاب هذا المذهب التحريرى فى كل قطر تحدث عنه . لا . ان كلام الاستاذ محمود كامل فى هذا المجال لا يعدو ان يكون مذكرات تاريخية واقتطافات من وثائق سياسية لها دلالة فيما يريد الفات النظر إليه من احداث او معاهدات او دساتير ولكنها لاقتضابها وعدم التوفر على دراستها ونظمها فى بنية تاريخية محكمة لا تجعل للحقائق التاريخية اسبابا معقولة ولا تهيئ للباحث فيها معرفة مضبوطة . ثم هى بالتالي لا تمكنه من وعى التجربة التى مر بها سلفه والتي ينبغى ان يعتبر بها ويفيد منها .
وللقارىء العربى بتونس ان يدرك نقص هذا المنهج الاقتضابى وهلهلة هذا الاسلوب الذى جرى عليه الاستاذ محمود كامل في عرض التاريخ بدون توفر على دراسته وحرص على ضبط حقائقه اذ تناول اللمحة التى كتبها عن تونس من صفحة ٣٦٤ الى ٣٦٧ فهناك سيدرك انه لو لم يكن يعيش بتونس لما تصور شيئا ذا قيمة من تاريخها ولجاز عليه اضطراب السرد لبعض الوقائع التى اختار المؤلف
الاشارة اليها . ولصدق بعض الآراء التى يوردها عما اصبحت عليه الحالة بتونس بعد اتفاقية ٣ يونيو عام ١٩٥٥ .
ثم ياتي الفصل الرابع (1) من القسم فنرى حديثا عن جامعة الدول العربية وتتبعا لنشوء فكرتها وذكرا لبعض الآراء حولها كرأي الاستاذ ساطع الحصري الذى يقول عن دور مصر فى النهضة القومية العربية " لقد زودت الطبيعة مصر بكل الصفات والمزايا التى تحتم عليها ان تقوم بواجب الزعامة والقيادة في انهاض القومية العربية لانها تقع فى مركز البلاد العربية بين القسمين الافريقى والآسبوى كما انها تكون اكبر كتلة من الكتل التى انقسم إليها العالم العربى بحكم السياسة والظروف ... وكل ذلك من الموقف الجغرافي الى الكثرة والثروة العامة ومستوى الثقافة وتشكلات - الدولة وانتشار الادب والفصاحة مما يجعل مصر الزعيمة الطبيعية للقومية العربية "
ونوالى قراءة الفصل فنرى استعراضا لتطور وعي الوحدة العربية حتى انتهى الى اعلان بروتوكول الاسكندرية وميثاق جامعة الدول العربة سنة 1944 ونقرأ بعض مواد الميثاق ومقررات مجلس الجامعة فى قضايا فلسطين وليبيا وتونس ومراكش ، وتأثير ميثاق الجامعة على ما صدر بعد توقيعه من دساتير الدول العربية التى اقرت فيها لمبدأ الوحدة مكانا يختلف فى تأكيده باختلاف عراقتها في الشعور به ، وتأثيره ايضا فى القوى الشعبية العربية بسوريا ولبنان والعراق .
ويختم المؤلف كتابه ببيان الاحتمالات العملية الممكنة لتطور الوحدة العربية فى المستقبل ويذكر ان دعاة الوحدة يرمون الى تحقيق هدف بعيد هو : " ضم العرب اجمعين مرة خامسة فى نطاق سياسي واحد لعله هو نظام الدولة الاتحادية المركزية Federal State يضم الدول والاقطار العربية بعد استكمال سيادتها ؟ على ان تكون كاعضاء فيه ولكل عضو دستوره ، وله هيئته التشريعية الخاصة تسن له القوانين التى تلائمه ، ولكل عضو ميزانيته الخاصة ولكل عضو حكومته المحلية الخاصة . " الى آخر التفصيلات التى يعطيها المؤلف لهذه الدولة الاتحادية المركزية على النمط الامريكى .
والاحتملات التى يرى انه يجمل بالتطور ان يجتازها نحو الوحدة العربية في الظروف الراهنة هي :
١ ) الاعداد التربوي باصلاح برامج التعليم فى الدول الاعضاء وتوجيهها توجيها كفيلا بتعهد وعي الوحدة في النشء العربي
٢ ) ابراز الاقطار العربية غير كاملة السيادة مع دول الجامعة كوحدة فى الاسرة الدولية . وذلك لادماج هذه المجموعة من الدول غير المستقلة فى نشاط الجامعة ، واشراكها فى توجيه مصائر جميع العرب ، ووضع السياسة الاستعمارية امام هذا الامر الدولي الواقع .
٣ ) ارساء قواعد الجنسية العربية واتخاد الخطوة العملية لما وضعته الدول الاعضاء فى اتفاقية الجنسية التى نصت مادتها الاولى : " ان يعتبر عربيا فى احكام هذه الاتفاقية كل من ينتمي بجنسه الى احدى الدول العربية الاعضاء . "
٤ ) توحيد التمثيل السياسي العربي . ويرى المؤلف فى هذا التوحيد اضفاء لطابع الوحدة على العرب خارج اوطانهم ويرجو ذلك اليوم الذي يطلق فيه على السفارات والمفوضيات والقنصليات التابعة لجميع الدول الاعضاء ، اسم السفارة العربية والمفوضية العربية او القنصلية العربية دون تعرض لمنطقة جغرافية معينة .
٥ ) التوفيق بين المذاهب الاسلامية والخلافات الطائفية هذه الخلافات التى يعترف المؤلف بتضاؤل خطرها فى الدول التى انتشر فيها التعليم ، ولكنها مع ذلك ما تزال مظهرا أليما من مظاهر الفرقة بين العرب ، ويرى فى صدور القانون المصرى بالغاء المحاكم الشرعية والملية وسيلة من وسائل المحو لهذا المظهر ، فهو تشريع قومى يمكن ان يتخذ نموذجا لبقية الدول العربية .
وبعد فها أني قد اتيت على آخر ما احتواه تأليف الاستاد محمود كامل ، ومن حقه على ان اعترف باني قد استرجعت فى هذا الفصل الاخير ما فقدته من ثقة واطمئنان فى الفصول السابقة فقد شعرت انه لم يعد يتحدث عن وحدة العرب معتمدا على رفات الماضى الدفين وعلى فروض " الاثنولوجيين " او على جمع اقوال مدرسي التاريخ ، ولكن يتحدث عن وحدة العرب معتمدا على واقعهم ، ومقدرا لامكانياتهم وعزيمنهم على الاتحاد ، الاتحاد الذى لن يقام الا على اساس من الوعى والحكمة واساس من التاريخ الذى لا بد لمن يتصدى لكتابته بالمفهوم العلمي الصحيح وعلى الصورة التى تنفع الناس من ان تتوفر فيه شروط خاصة ويتحمل له جهدا كبيرا ويستهدف من اجله لمسؤولية كبرى .

