قد يسهل عندك ان تلخص كتابا - اى كتاب - لقرائك . فقد تكفيك الاشارة وتغنيك اللمحة . ولكنك اذا كنت أمام ديوان شعر نابض بالحياة ، زاخر بالمعاني والافكار ، فانك تجد الصعوبة والمشقة في تقديم عينات وخلاصة كاشفة ، لان كل بيت منه وكل عبارة فيه تدعوك الى التحليل والاستنتاج والتحليق .
وهكذا كنت لما اردت ان اقدم لك كلمة عن ديوان أغاني افريقيا الذي اصدرته دار المعارف ببيروت للشاعر محمد مفتاح الفتورى سنة ١٩٥٥ .
ان هذا الشاعر الشاب ( ولد ١٩٣٠ ) سيكون له شأن في عالم الشعر العربي والانساني . وان انتفاضته الملتهبة ستكون من اشد المشاعل اضاءة واشراقا في الوجود العربي المعاصر . وان انفاسه المحترقة اللاهبة ستبقى ، وستبقى كما بقيت هذه القارة العظمى في التاريخ . ان ديوان " اغاني افريقيا " مليء بالصور ذات اللون الصارخ العنيف ، مليء بالمشاهد القلقة الفزعة . مشاهد " الوجود الافريقي " في ذله وعبوديته وفي قلقه وتململه ، وفي ثورته وبركانه .
ابن افريقيا
يكاد يفلح الشاعر السوداني " محمد الفيتوري" شاعرا فريقيا السوداء الاشهر افريقيا السوداء التي احتوشها الاستعمار وحسبت من متاع البيض الى الابد ، ولكنه أبد باطل مزيف . فقد أفاق العملاق الاسود وأراد الحياة . وكانت إرادته بركانا جبارا اخذ يشتعل ويصهر المواد حتى اذا لامس قشرة الارض انفجر كاشد ما يكون الانفجار جارفا ساحقا مهدما حاطما ، وقد كانت هذه الارادة متجسمة في أشعار "الفيتورى " وغير الفيتوري . ولكنها عند هذا الاخير ارادة بعث جلي ، وثورة جامحة ، مع عزة وكرامة ، وأنفة وإباء . وكان الفيتوري صادقا في لهجته ، جامحا في ثورته ، منذرا الطغاة البيض الغاصبين بيوم الثورة القريب . هذا الابيض الغاصب
الذي دنس أرضه واجبره على الخضوع والمذلة فيدعو الفيتوري الى الفخر بالزنجية ، ورفع الرأس ومجابهة الابيض الغاصب .
قلها لا تجبن ... لا تجبن !
قلها في وجه البشرية ...
أنا زنجي ...
وأبي زنجي الجد ..
وأمي زنجية .
أنا أسود ...
أسود لكنني حر أمتلك الحرية
أرضي افريقيه
عاشت أرضى ..
عاشت افريقية
أرضي. . . والابيض دنسها
دنسها المحتل العادي
فلـأمض شهيدا
وليمضوا مثلي شهداء اولادي
فوراء الموت ... وراء الارض
تدوي صرخة أجدادي
" لستم ببنينا إن لم تذر الريح رماد
الجلاد . . ( ١ )
وفي القصيد " البعث الافريقي " ينبعث النداء الصاخب من هذا الابن الذي طوحت به المسافات وضناه الوجد فطفق ينادي ويعيد النداء حتى تستيقظ هذه الام التي طال بها النوم وعبثت بها الخطوب وكبلتها القيود .
افريقيا . . .
افريقيا استيقظي
استيقظي من حلمك الاسود
فقد طالما نمت . ألم تسأمي
ألم تملك قدم السيد ؟ !
... ...
افريقيا
افريقيا استيقظي
استيقظي من ذاتك المظلمة
كم دارت الارض حواليك. . .
كم دارت شموس الفلك المضرمة
... ...
افريقيا
افريقيا استيقظي
استيقظي من نفسك القابعة
أكل ما عندك أن تصبحي مزرعة
للارجل الزارعة
أكل ما عندك ان تلعقي أذرية المستعمر
اللامعة .
أ كل ما عندك ان تصدرى قوافل
الرقيق . . . يا ضائعة
... ...
افريقيا
افريقيا النائيه
يا وطني يا أرض أجدادي
إني أناديك . . .
الم تسمعي صراخ آلامي وأحقاديه
إني أناديك ...
أنادي دمي فيك ...
أنادي أمتي العارية ( ١ )
إن هذه الام الحبيبة الخنوع ، من طالت بها ألوف السنين تبحث في الوحل عن ذاتها بدأت تستفيق وتستيقظ ، وتحطم أغلال المذلة واوهام الطاغوت ، واصنام الجبابرة وتخرج من ظلامها الدامس مليئة بنور الحياة والعزة ! وملبيئة بالحقد على الطغاة المستبدين :
كذلك عشت ألوف السنين
تخرين ، فوق خطايا وثن
إلى أن تسلل ضوء الصباح اليك
فمزقت عنك الكفن
وقمت كماردة تتلقى الضحى
وتحول مجرى الرياح
وتحفر تاريخها من جديد
على جبهة الشمس حفر الجراح!!
فهل تسمعين أغاني الزنوج
تدوى مثقلة ... بالحياة
وهل تبصرين وجوه العبيد
تقهقه حول نعوش الطغاة ( ٢ )
إن " أغاني افريقيا " ثورة الاسود المتطلع ، وحقده على الابيض المستبد الغاصب . هذا الابيض الذي لم يره إنسانا وانما رآه عبدا رقيقا . ولكن ثورة البركان و العملاق الاسود سيغيران كل شى ويتلو الزنوج :
أنا إنسان ولي حريتي
وهي أغلي ثروة من ولدي
أنا حر مستقل البلد
وسأبقى مستقل البلد

