في سنة ١٧٨٩ قام الفرنسيون بثورتهم الكبرى التي غيرت مجري تاريخ ، وأثرث في تاريخ العالم أجمع ، فقد حملت إلي الشعوب جميعا المبادئ الإنسانية الثلاث : الحرية والإخاء والمساواة
وحوادث هذه الثورة مليئة بصفحات المجد والبطولة ولعل أروع هذه الصفحات ما سجله نساء باريس في مظاهرتهن التي قمن بها في ٥ أكتوبر سنة ١٧٨٩ من باريس إلى فرساي ، وقد تقدمتهن فتاة تحمل في عنقها طبلة تدفعها منادية : " الخبز. . الخبز
عني المؤرخون والأدباء من كل الشعوب بهذه الصورة فرسموها باقلامهم ممجدين المرأة الفرنسية وشعورها الوطني أما نحن ففي تاريخنا صفحات كثيرة مجيدة ، ولكننا لا نعلم عنها شيئا ، وإن علمنا فإنا نمر بها مر الكرام دون أن نشيد بها وننشرها لمواطنينا ، ونستغلها لاذكاء الروح واحياء النفوس كل ذلك لان تاريخنا القومي لم يكتب بعد
وإن كان المؤرخون والكتاب قد مجدوا وطنية المرأة الفرنسية وبطولتها ، وهم يؤرخون لمظاهرة النساء في باريس
في القرن الثامن عشر الميلادي ، فما أحرانا نحن أن نمجد وطنية المرأة المصرية وشجاعتها ، وقد سبقت أختها الفرنسية بسبعة قرون ، فقادت مظاهرة القاهرة تنادي نفس النداء : " الخبز . الخبز " وكان لهذه المظاهرة أثرها الفعال . فقد دفعت أولى الأمر إلى اتخاذ التدابير الحاسمة لإنقاذ الشعب المصري من مجاعة طاحنة كانت توشك أن تقضي عليه .
كانت مصر ولا تزال هبة النيل ، هذا النهر الخالد البارك الغدوات والروحات ، يحمل إلى الوادي المقدس الخصب والري والخير ؛ وفي سنة ٤٥٧ ه ) ١٠٦٤ م ( - في خلافة المستنصر الفاطمي - قصر النيل فيضانه فقلت المحصولات واختفت الأقوات - وخاصة القمح والخبز من الأسواق ، واستغل التجار الجشعون الفرصة كالعادة فاختزنوا الغلال والدقيق ليبيعوهما في السوق السوداء . يطلبون بذلك الثراء الحرام الفاحش .
وظلل النيل على قصوره سبع سنوات طوالا ، والحالة تتطور من سيئ إلى أسوأ ، سنة بعد سنة ويوما بعد يوم حتى اختفى الخبز تماما من أسواق القاهرة والفسطاط
وطلب الناس الرغيف الواحد بخمسة عشر دينارا ) سبعة جنيهات ونصف تقريبا ( فما وجدوه ؛ فاكل المصريون بعضهم البعض الآخر . وجمعوا الكلاب والقطط من الطرقات ، واختطفوا الأطفال الصغار يأكلونها .
ويروي التاريخ ) ١ ( أن سيدة غنية من نساء القاهرة آلمها صياح أطفالها الصغار وهم يبكون من الجوع ، فلجأت إلى حجرتها الخاصة وفتحت صندوق حليها وأخذت تقلب ما به من در ولؤلؤ وذهب وعقيق ؟ إنها تملك ثروة طائلة . ولكنها لا تستطيع شراء رغيف واحد . واختارت السيدة من هذه الحلى عقدا ثمينا من اللؤلؤ قيمته ألف دينار ، وخرجت تطوف به أسواق القاهرة والفسطاط تعرضه للبيع ، فما رضي أحد أن يشتريه ، وأخيرا استطاعت أن تقنع أحد الباعة فأخذه منها وباعها به كيسا صغيرا من الدقيق .
واستأجرت السيدة بعض الرجال يحمون لها هذا الكيس من النهابة حتى تصل إلى بيتها ، ولكنها لم تكد تخطو بعض خطوات حتى هاجمها الجياع من كل ناحية ، فاغتصبوا الكيس وما فيه . ورأت هي هذا المنظر فهجمت مع الهاجمين ، واختطفت لنفسها حفنة من الدقيق ، وانطلقت تجري بها حتى وصلت إلي دارها .
وآلم السيدة ما حدث ، وأحست في نفسها دافعا قويا أن تفعل شيئا من أجل بلدها وشعبها ، فنسيت أطفالها وجوعهم ، وعجنت هذه الحفنة من الدقيق قرصة صغيرة ، وخبزتها ، ثم أخفتها في ملابسها ، وخرجت إلى الشارع وفي عنقها طيلة كبيرة تدقها وهي تنادي : " الجوع . . الجوع . . الخبز - الخبز "
والتف حولها الرجال والنساء والأطفال ، واتخذت الجموع طريقها إلى قصر الخليفة المستنصر . واعتلت المرأة نهدأ من الأرض أمام القصر ، وأخرجت القرصة من طيات ثيابها ورفعتها في يدها وصاحت : " أيها الناس : فلتعلموا
أن هذه الفرصة تقومت على بالف دينار ، فادعوا معي لمولاي السلطان .
وسمع الخليفة صياح الصائحين ، فأطل من شرفته ، وعلم ما حدث فاشتد به الجزع على شعبه ، وأرسل فاستدعي وإلى القاهرة ، وأمره أن يتخذ التدابير الحاسمة الحازمة كما تخرج الغلال إلى الأسواق وإلا فصل رأسه عن جسده .
وكان الوالي ما كرا ، وزاده الحرص على الحياة مكرا ودهاء ، فخرج في الحال ، وأرسل فاستدعي جماعة من المجرمين المحكوم عليهم بالسجن سنوات طوالا ، وألبسهم ملابس التجار الآثرياء ، وحجزهم في غرفة من داره ؛ ثم أرسل فاستدعي تجار القمح والدقيق والخبز بالقاهرة والفسطاط ، فلما تكامل عددهم أمر حاجبه فاحضر واحدا من أولئك المجرمين ، ولم يكد الرجل يدخل وهو يرفل في ثيابه الأنيقه كأنه أغني التجار وأوسعهم رزقا حتى فاجأه الوالي بقوله : " ألم يكفك أيها الرجل أن عصيت أمر مولانا الخليفة حتى احتجزت الغلال ومنعتها عن الأسواق ، وتسببت في هذه المجاعة التي كادت تودي بالمصريين " ؟ ! وقبل أن يفيق الرجل من ذهوله . وقبل أن يفتح ثممه للدفاع عن نفسه ، أمر الوالي السياف فقطع رأسه .
واستدعي الوالي مجرما آخر ففعل به ما فعل بزميله ؛ وهنا علت التجار صفرة الموت ، وخروا ركما يتوسلون إلى الوالي أن يعفو عنهم على أن يخرجوا القمح والدقيق إلى الأسواق في الحال ، وعلى أن يرخصوا الأسعار فيبيعوا الخبز كل رطل بدرهم . ولكن الوالي لم يقبل ، بل طلب إليهم أن يبيعوا كل رطلين بدرهم ، فأسرعوا بإجابته إلى طلبه .
وفي ساعات قليلة امتلأت الأسواق بالقمح والدقيق والخبز ، ووقف الباعة أمام حوانيتهم ينادون على الخبز كل رطلين بدرهم ؛ وطعم الشعب وفرح .
وخرجت سيدة الأمس العظيمة - التي لم يحفظ لنا التاريخ اسمها - فقادت مظاهرة اخري تهزج اهازيج الفرح والسرور ، وتغني أغاني الشبع والرضى ، وتنشد أناشيد الشكر للخليفة أمير المؤمنين .

