الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 620الرجوع إلى "الثقافة"

مظاهرة النساء فى القاهرة، قبل مظاهرة النساء في باريس بسبعة قرون

Share

في سنة ١٧٨٩ قام الفرنسيون بثورتهم الكبرى التي غيرت مجري تاريخ ، وأثرث في تاريخ العالم أجمع ، فقد حملت إلي الشعوب جميعا المبادئ الإنسانية الثلاث : الحرية والإخاء والمساواة

وحوادث هذه الثورة مليئة بصفحات المجد والبطولة ولعل أروع هذه الصفحات ما سجله نساء باريس في مظاهرتهن التي قمن بها في ٥ أكتوبر سنة ١٧٨٩ من باريس إلى فرساي ، وقد تقدمتهن فتاة تحمل في عنقها طبلة تدفعها منادية : " الخبز. . الخبز

عني المؤرخون والأدباء من كل الشعوب بهذه الصورة فرسموها باقلامهم ممجدين المرأة الفرنسية وشعورها الوطني أما نحن ففي تاريخنا صفحات كثيرة مجيدة ، ولكننا لا نعلم عنها شيئا ، وإن علمنا فإنا نمر بها مر الكرام دون أن نشيد بها وننشرها لمواطنينا ، ونستغلها لاذكاء الروح  واحياء النفوس كل ذلك لان تاريخنا القومي لم يكتب  بعد

وإن كان المؤرخون والكتاب قد مجدوا وطنية المرأة الفرنسية وبطولتها ، وهم يؤرخون لمظاهرة النساء في باريس

في القرن الثامن عشر الميلادي ، فما أحرانا نحن أن نمجد وطنية المرأة المصرية وشجاعتها ، وقد سبقت أختها الفرنسية بسبعة قرون ، فقادت مظاهرة القاهرة تنادي نفس النداء : " الخبز . الخبز " وكان لهذه المظاهرة أثرها الفعال . فقد دفعت أولى الأمر إلى اتخاذ التدابير الحاسمة لإنقاذ الشعب المصري من مجاعة طاحنة كانت توشك أن تقضي عليه .

كانت مصر ولا تزال هبة النيل ، هذا النهر الخالد البارك الغدوات والروحات ، يحمل إلى الوادي المقدس الخصب والري والخير ؛ وفي سنة ٤٥٧ ه ) ١٠٦٤ م ( - في خلافة المستنصر الفاطمي - قصر النيل فيضانه فقلت المحصولات واختفت الأقوات - وخاصة القمح والخبز من الأسواق ، واستغل التجار الجشعون الفرصة كالعادة فاختزنوا الغلال والدقيق ليبيعوهما في السوق السوداء . يطلبون بذلك الثراء الحرام الفاحش .

وظلل النيل على قصوره سبع سنوات طوالا ، والحالة تتطور من سيئ إلى أسوأ ، سنة بعد سنة ويوما بعد يوم حتى اختفى الخبز تماما من أسواق القاهرة والفسطاط

وطلب الناس الرغيف الواحد بخمسة عشر دينارا ) سبعة جنيهات ونصف تقريبا ( فما وجدوه ؛ فاكل المصريون بعضهم البعض الآخر . وجمعوا الكلاب والقطط من الطرقات ، واختطفوا الأطفال الصغار يأكلونها .

ويروي التاريخ ) ١ ( أن سيدة غنية من نساء القاهرة آلمها صياح أطفالها الصغار وهم يبكون من الجوع ، فلجأت إلى حجرتها الخاصة وفتحت صندوق حليها وأخذت تقلب ما به من در ولؤلؤ وذهب وعقيق ؟ إنها تملك ثروة طائلة . ولكنها لا تستطيع شراء رغيف واحد . واختارت السيدة من هذه الحلى عقدا ثمينا من اللؤلؤ قيمته ألف دينار ، وخرجت تطوف به أسواق القاهرة والفسطاط تعرضه للبيع ، فما رضي أحد أن يشتريه ، وأخيرا استطاعت أن تقنع أحد الباعة فأخذه منها وباعها به كيسا صغيرا من الدقيق .

واستأجرت السيدة بعض الرجال يحمون لها هذا الكيس من النهابة حتى تصل إلى بيتها ، ولكنها لم تكد تخطو بعض خطوات حتى هاجمها الجياع من كل ناحية ، فاغتصبوا الكيس وما فيه . ورأت هي هذا المنظر فهجمت مع الهاجمين ، واختطفت لنفسها حفنة من الدقيق ، وانطلقت تجري بها حتى وصلت إلي دارها .

وآلم السيدة ما حدث ، وأحست في نفسها دافعا قويا أن تفعل شيئا من أجل بلدها وشعبها ، فنسيت أطفالها وجوعهم ، وعجنت هذه الحفنة من الدقيق قرصة صغيرة ، وخبزتها ، ثم أخفتها في ملابسها ، وخرجت إلى الشارع وفي عنقها طيلة كبيرة تدقها وهي تنادي : " الجوع . . الجوع . . الخبز - الخبز "

والتف حولها الرجال والنساء والأطفال ، واتخذت الجموع طريقها إلى قصر الخليفة المستنصر . واعتلت المرأة نهدأ من الأرض أمام القصر ، وأخرجت القرصة من طيات ثيابها ورفعتها في يدها وصاحت : " أيها الناس : فلتعلموا

أن هذه الفرصة تقومت على بالف دينار ، فادعوا معي لمولاي السلطان .

وسمع الخليفة صياح الصائحين ، فأطل من شرفته ، وعلم ما حدث فاشتد به الجزع على شعبه ، وأرسل فاستدعي وإلى القاهرة ، وأمره أن يتخذ التدابير الحاسمة الحازمة كما تخرج الغلال إلى الأسواق وإلا فصل رأسه عن جسده .

وكان الوالي ما كرا ، وزاده الحرص على الحياة مكرا ودهاء ، فخرج في الحال ، وأرسل فاستدعي جماعة من المجرمين المحكوم عليهم بالسجن سنوات طوالا ، وألبسهم ملابس التجار الآثرياء ، وحجزهم في غرفة من داره ؛ ثم أرسل فاستدعي تجار القمح والدقيق والخبز بالقاهرة والفسطاط ، فلما تكامل عددهم أمر حاجبه فاحضر واحدا من أولئك المجرمين ، ولم يكد الرجل يدخل وهو يرفل في ثيابه الأنيقه كأنه أغني التجار وأوسعهم رزقا حتى فاجأه الوالي بقوله : " ألم يكفك أيها الرجل أن عصيت أمر مولانا الخليفة حتى احتجزت الغلال ومنعتها عن الأسواق ، وتسببت في هذه المجاعة التي كادت تودي بالمصريين " ؟ ! وقبل أن يفيق الرجل من ذهوله . وقبل أن يفتح ثممه للدفاع عن نفسه ، أمر الوالي السياف فقطع رأسه .

واستدعي الوالي مجرما آخر ففعل به ما فعل بزميله ؛ وهنا علت التجار صفرة الموت ، وخروا ركما يتوسلون إلى الوالي أن يعفو عنهم على أن يخرجوا القمح والدقيق إلى الأسواق في الحال ، وعلى أن يرخصوا الأسعار فيبيعوا الخبز كل رطل بدرهم . ولكن الوالي لم يقبل ، بل طلب إليهم أن يبيعوا كل رطلين بدرهم ، فأسرعوا بإجابته إلى طلبه .

وفي ساعات قليلة امتلأت الأسواق بالقمح والدقيق والخبز ، ووقف الباعة أمام حوانيتهم ينادون على الخبز كل رطلين بدرهم ؛ وطعم الشعب وفرح .

وخرجت سيدة الأمس العظيمة - التي لم يحفظ لنا التاريخ اسمها - فقادت مظاهرة اخري تهزج اهازيج الفرح والسرور ، وتغني أغاني الشبع والرضى ، وتنشد أناشيد الشكر للخليفة أمير المؤمنين .

اشترك في نشرتنا البريدية