الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 755الرجوع إلى "الرسالة"

معاني الفلسفة

Share

ما أقدر الله أن يجمع الفلسفة كلها - منذ نشأتها إلى  اليوم - في كتاب محدود الصفحات. وذلك عمل يحتاج إلى  التركيز والضغط أقل مما يحتاج إلى التفهيم والفهم. فإن ضغط  الأسفار الضخام إلى سفر واحد صغير يبدو في ذاته عملاً سهلاً  ومركباً هيناً، ولكنه في الحق يحتاج إلى أدوات من حسن  الاستعداد وهضم المادة ومطاوعة التعبير حتى يكون طيعاً للمعاني  الموجزة والأفكار المركزة.

وأظن هذه الأدوات قد اجتمعت للدكتور الأهواني فجاء  كتابه في معاني الفلسفة على خير ما تجيء عليه كتب الخلاصات  العلمية التي كونتها قراءات وأمدتها مطالعات بين القديم  والحديث، وبين العربي والإنجليزي والفرنسي.

وقد فرح مؤلف الكتاب لأنه رأى الناس - يعني ناس  العرب - يقبلون على الفلسفة، بعد أن ظلوا بعيدين عنها نافرين  منها. وهي فرحة الزارع حين يحصد، لأن صديقنا المؤلف اشتغل  بتعليم الفلسفة ولا يزال مشتغلاً بها. ولكنه - أثابه الله -  ما باله يضيع وقته ويغني عمره في تعليم الفلسفة مع أنه يقرر في  الصفحات الأولى من الكتاب أن كل إنسان ما دامت له نظرة  في الحياة فهو فيلسوف. وقد يكون هذا الكلام مقبولاً من  أديب أو شاعر، أما أن يصدر من مشتغل بالفلسفة ومعلم لها  فذلك ما لم أستطع أن أفهمه. وأنا أجد أن أصحاب الصناعات دائماً  يحاولون تعميتها على غيرهم ويلبسونها ثوباً من الرهبة المحوطة  بالغموض. ولكن الدكتور الأهواني يكشف بضاعته من  الفلسفة في غير خفاء. ويهون في أول الكتاب من أمر الفلسفة  حتى ليجعل الناس كلهم فلاسفة؛ فإذا مضيت معه في ثنايا  الكتاب وجدت الفلسفة على حقيقتها ليست شيئاً كما يحاولون أن  تجعلنا نتصور. ووجدت في قوله بفلسفة كل إنسان في الحياة  مغالطة في التعبير؛ وأكاد أجزم أنها مغالطة مقصودة في أول  الكتاب ليستدرجنا بها إلى آخره. . . ودليل على ذلك أن  المؤلف استدرجني أنا إلى قراءة الكتاب لأميز على الأقل بين  فلسفتي التي يزعمها في، وبين فلسفة الذين كونوا تلك المذاهب  العالية. فأدركت آخر الأمر أنني ككل إنسان عادي

. . لست فيلسوفاً ولا مشتغلاً بالفلسفة. وأدركت أن نظرة كل  إنسان إلى الحياة لا تسمى فلسفة، ولا يسمى صاحبها فليسوفاً.  وإلا لكان زهير بن أبي سلمى الشاعر الحكيم فيلسوفاً بسبب  هذه الحفنة من النظرات التي وضعها في معلقته. أو كان أبو العلاء  المعري فيلسوفاً بماله من وجهة نظر خاصة في الحياة.

وقد قسم المؤلف الكلام على الفلسفة متمشياً مع تاريخ  العصور، فهو يبدأ من اليونان ثم الرومان ثم المسلمين حتى يصل  إلى عصر النهضة الأوربية فالعصر الحديث. وهو تقسيم كان  أكثر منطقاً لو أن المؤلف يؤرخ للفلسفة. ولكنه يشرح لنا  معناها؛ فما كان أغناه عن هذا التقسيم الزمني الذي لا تراعى فيه  معاني الفلسفة - قرباً وبعداً واختلافاً واتفاقاً - بقدر ما يراعى  فيه تتابع العصور. وقد اضطره المنطق الصحيح للأشياء أن  يتحدث عن التوفيق بين الفلسفة والدين عند المسلمين وهو  يتحدث عن فلسفة الرومان - ص٢٦؛ لأن المقام هنا ليس  مقام زمان ولكنه مقام وحدة في الميزان.

ويقول المؤلف ص٣١ أن صاعدا الأندلسي يذهب إلى أن  الفلسفة الإسلامية عربية. وقد حيرني هذا الكلام فإن المؤلف  ينقل في الصفحة نفسها عن صاعد الأندلسي قوله:   (وأما علم  الفلسفة فلم يمنحهم الله - أي العرب - منه شيئاً ولا هيأ طباعهم  للعناية به. ولا أعلم أحداً من صميم العرب شهر به إلا أبو يوسف  يعقوب بن إسحاق الكندي) . فكيف يتفق استنباط الدكتور  مع قول صاعد نفسه؟ ودع عنك أن الرواية الصحيحة لقول صاعد  هي. فلم يمنحهم الله عز وجل شيئاً منه - ألا أبا يوسف) ينصب  أب بعد الاستثناء.   (كتاب طبقات الأمم لصاعد ص٧٠  طبعة السعادة) .

ويبقى كتاب معاني الفلسفة بعد هذا معرضاً دقيقاً لماهية  الفلسفة ومذاهبها المختلفة من أقدم عصورها إلى اليوم، وهو معرض  قدمه الدكتور الأهواني على مائدة ليس فيها ذلك الدسم الذي  تتهوع له النفس، ولكنه فيها تلك البلغة التي يتزود بها العجلان.

محمد عبد الغني حسن

اشترك في نشرتنا البريدية