الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 649 الرجوع إلى "الثقافة"

معاهدات الإقامة

Share

بدت أخيراً فى الأفق مسألة معاهدات الإقامة التى ترغب فى عقدها مع مصر بعض الدول الأجنبية ، التى كانت تتمتع من قبل بنظام الامتيازات الأجنبية ، ولفت النظر بنوع خاص أن دولة من هذه الدول لها جالية كبيرة بمصر تبذل فى هذا السبيل جهوداً متوالية ، وتتقدم إلى وزارة الخارجية المصرية بطلبات غريبة تذكرنا بعهد الامتيازات ، بل لعل منها ما يفوق هذه الامتيازات البائدة من حيث افتئاته على حقوق السيادة المصرية . وحسبك أن تعلم أنه ورد ضمن هذه المطالب - على ماروته الصحف - أن تكون للمهن والأعمال التى يزاولها رعايا هذه الدولة فى مصر وراثية فى هؤلاء الرعايا ، وأنه لا يجوز للحكومة المصرية أن تستعمل حق إبعاد أحد من هؤلاء الرعايا إلا مقروناً بإبداء الأسباب . وأن يتمتع بحق الإقامة الدائم كل من قضى منهم بمصر سنوات معينة إلى غير ذلك ! مع العلم بأنه قد تسرب إلى مصر خلال سنى الحرب آلاف من رعايا الدولة المشار إليها ، وما زالت السلطات المصرية تجد فى حصرهم وتتأهب لإبعاد كل من لم تتوافر له الأسباب الشرعية للإقامة منهم ، ونحن لا نلوم دولة أجنبية تحاول أن تكسب لرعاياها حقوقاً

وامتيازات خاصة . ولكن الذى يدهشنا كل الدهشة أن يقبل أولو الأمر فى مصر الإصغاء لمثل هذه الطلبات أو مجرد مناقشتها ، حتى ولو اقترن هذا الإصغاء وهذه المناقشة أخيراً بالرفض . ففى ذلك وحده ما يشعر بأن مصر مازالت على عهدها السابق من رحابة الصبر التى هى أقرب إلى الضعف ، ومن كرم الضيافة الذى هو أقرب إلى التورط والتخاذل .

ونحن نحمد الله على أن حكومتنا لم ترتض الموافقة على هذه الطلبات المعرفة ، وأن إدارة الجوازات والجنسية بوزارة الداخلية قد أبدت فى ذلك يقظة مشكورة ؛ ولكن الذى يقلق بالنا هو أن المساعى الحثيثة ما تزال مبذولة لعقد المعاهدة المشار إليها بصورة أو أخرى ، وأن باقى الدول ذوات الامتيازات القديمة تترقب الفرصة ، وتنتظر التتابع لتتقدم من جانبها بعد معاهدات مماثلة مع مصر ، تقتضى فيها كل منها ما تستطيع من الحكومة المصرية لتوطيد أقدام رعاياها ومصالحها فى مصر ، باسم الإقامة والصداقة ، وباسم الحقوق والمزايا المتبادلة .

ونحن نود أن نتساءل ما الذى يحمل مصر على أن ترفض عقد هذه المعاهدات التى تغل يدها وسلطانها فى شئون كثيرة ، وذلك دون أن تحصل فى مقابل ذلك على أى حق أو ميزة ؟ إن مسألة التبادل فى عقد هذه المعاهدات بالنسبة لمصر أمر خيالي محض ، فليس لمصر ، ولن يكون لها جاليات مصرية فى اليونان أو إيطاليا أو فرنسا أو غيرها ، والقول بأن الحقوق المكتسبة لدولة من الدول فى هذه المعاهدات سيمنح مثلها للرعايا المصريين المقيمين فى هذه الدولة هو سخرية لا مثيل لها ؛ فمثلاً نرى الجالية اليونانية التى تقارب فى بلادنا نحو المائة ألف ، وتتغلغل فى جميع البلاد من أقصاها إلى أقصاها ، وينافس أفرادها المصريين فى سائر الأعمال والمهن حتى التافه منها ، لا يقابلها مصرى واحد فى اليونان ، وليس لمصر مقابل المنشآت اليونانية التى تعد بالمئات والتى يراد أيضاً أن تتمتع بحقوق خاصة ، ليس لمصر ما يقابلها سوى منشأة واحدة أو اثنتين ؛ وقس على ذلك سائر الدول الأخرى التى لها فى مصر جاليات كبيرة مثل إيطاليا وفرنسا وانجلترا وغيرها .

وإذاً فمن الواضح أنه لا مصلحة لمصر إطلاقاً فى عقد معاهدات الإقامة ، مهما خفف من وطأتها ، ومهما أسبغ عليها من ألفاظ المودة والصداقة ، ومهما حدد مدتها ، على حساب السيادة المصرية وحدها .

ولا شك أن عقدها بأية صورة من الصور ، وفى الظروف التى أشرنا إليها لن يكون إلا محاولة سافرة من جانب الدول الأجنبية إلى إحياء عهد الامتيارات بصورة جديدة . وتستطيع بعد الذى قاسيناه من عصف الامتيازات الأجنبية ونظامها القضائى ، أن تقدر منذ الآن ماذا سيئول إليه أمر هذه المعاهدات متى ظفرت بها كل الدول التى كانت تتمتع من قبل بالامتيازات ، وكيف أنها متى عقدت ، سوف تعود يمضى الزمن فتوطد المصالح الأجنبية على حساب المصالح المصرية ، وتعرقل الكثير من حقوق السيادة المصرية .

ولهذا فإنه يجدر بأولى الأمر فى مصر أن ينعموا النظر طويلاً فى أمر هذه المعاهدات ، وأن يزنوها بميزان الحرص الشديد على حقوق السيادة المصرية ، ونحن على يقين بأنهم فى النهاية سوف يرون معنا أن الخطة المثلى هى أن يصرف النظر فى الوقت الحاضر عن عقد أية معاهدة من هذا النوع ، وأن يكتفى بعقد المعاهدات التجارية لمدد قصيرة مع الدول الراغبة فى ذلك ، وأن يترك أمر الجاليات والمصالح الأجنبية إلى رعاية النظم والقوانين المحلية أسوة بما هو متبع فى سائر دول العالم .

اشترك في نشرتنا البريدية