بدت أخيراً فى الأفق مسألة معاهدات الإقامة التى ترغب فى عقدها مع مصر بعض الدول الأجنبية ، التى كانت تتمتع من قبل بنظام الامتيازات الأجنبية ، ولفت النظر بنوع خاص أن دولة من هذه الدول لها جالية كبيرة بمصر تبذل فى هذا السبيل جهوداً متوالية ، وتتقدم إلى وزارة الخارجية المصرية بطلبات غريبة تذكرنا بعهد الامتيازات ، بل لعل منها ما يفوق هذه الامتيازات البائدة من حيث افتئاته على حقوق السيادة المصرية . وحسبك أن تعلم أنه ورد ضمن هذه المطالب - على ماروته الصحف - أن تكون للمهن والأعمال التى يزاولها رعايا هذه الدولة فى مصر وراثية فى هؤلاء الرعايا ، وأنه لا يجوز للحكومة المصرية أن تستعمل حق إبعاد أحد من هؤلاء الرعايا إلا مقروناً بإبداء الأسباب . وأن يتمتع بحق الإقامة الدائم كل من قضى منهم بمصر سنوات معينة إلى غير ذلك ! مع العلم بأنه قد تسرب إلى مصر خلال سنى الحرب آلاف من رعايا الدولة المشار إليها ، وما زالت السلطات المصرية تجد فى حصرهم وتتأهب لإبعاد كل من لم تتوافر له الأسباب الشرعية للإقامة منهم ، ونحن لا نلوم دولة أجنبية تحاول أن تكسب لرعاياها حقوقاً
وامتيازات خاصة . ولكن الذى يدهشنا كل الدهشة أن يقبل أولو الأمر فى مصر الإصغاء لمثل هذه الطلبات أو مجرد مناقشتها ، حتى ولو اقترن هذا الإصغاء وهذه المناقشة أخيراً بالرفض . ففى ذلك وحده ما يشعر بأن مصر مازالت على عهدها السابق من رحابة الصبر التى هى أقرب إلى الضعف ، ومن كرم الضيافة الذى هو أقرب إلى التورط والتخاذل .
ونحن نحمد الله على أن حكومتنا لم ترتض الموافقة على هذه الطلبات المعرفة ، وأن إدارة الجوازات والجنسية بوزارة الداخلية قد أبدت فى ذلك يقظة مشكورة ؛ ولكن الذى يقلق بالنا هو أن المساعى الحثيثة ما تزال مبذولة لعقد المعاهدة المشار إليها بصورة أو أخرى ، وأن باقى الدول ذوات الامتيازات القديمة تترقب الفرصة ، وتنتظر التتابع لتتقدم من جانبها بعد معاهدات مماثلة مع مصر ، تقتضى فيها كل منها ما تستطيع من الحكومة المصرية لتوطيد أقدام رعاياها ومصالحها فى مصر ، باسم الإقامة والصداقة ، وباسم الحقوق والمزايا المتبادلة .
ونحن نود أن نتساءل ما الذى يحمل مصر على أن ترفض عقد هذه المعاهدات التى تغل يدها وسلطانها فى شئون كثيرة ، وذلك دون أن تحصل فى مقابل ذلك على أى حق أو ميزة ؟ إن مسألة التبادل فى عقد هذه المعاهدات بالنسبة لمصر أمر خيالي محض ، فليس لمصر ، ولن يكون لها جاليات مصرية فى اليونان أو إيطاليا أو فرنسا أو غيرها ، والقول بأن الحقوق المكتسبة لدولة من الدول فى هذه المعاهدات سيمنح مثلها للرعايا المصريين المقيمين فى هذه الدولة هو سخرية لا مثيل لها ؛ فمثلاً نرى الجالية اليونانية التى تقارب فى بلادنا نحو المائة ألف ، وتتغلغل فى جميع البلاد من أقصاها إلى أقصاها ، وينافس أفرادها المصريين فى سائر الأعمال والمهن حتى التافه منها ، لا يقابلها مصرى واحد فى اليونان ، وليس لمصر مقابل المنشآت اليونانية التى تعد بالمئات والتى يراد أيضاً أن تتمتع بحقوق خاصة ، ليس لمصر ما يقابلها سوى منشأة واحدة أو اثنتين ؛ وقس على ذلك سائر الدول الأخرى التى لها فى مصر جاليات كبيرة مثل إيطاليا وفرنسا وانجلترا وغيرها .
وإذاً فمن الواضح أنه لا مصلحة لمصر إطلاقاً فى عقد معاهدات الإقامة ، مهما خفف من وطأتها ، ومهما أسبغ عليها من ألفاظ المودة والصداقة ، ومهما حدد مدتها ، على حساب السيادة المصرية وحدها .
ولا شك أن عقدها بأية صورة من الصور ، وفى الظروف التى أشرنا إليها لن يكون إلا محاولة سافرة من جانب الدول الأجنبية إلى إحياء عهد الامتيارات بصورة جديدة . وتستطيع بعد الذى قاسيناه من عصف الامتيازات الأجنبية ونظامها القضائى ، أن تقدر منذ الآن ماذا سيئول إليه أمر هذه المعاهدات متى ظفرت بها كل الدول التى كانت تتمتع من قبل بالامتيازات ، وكيف أنها متى عقدت ، سوف تعود يمضى الزمن فتوطد المصالح الأجنبية على حساب المصالح المصرية ، وتعرقل الكثير من حقوق السيادة المصرية .
ولهذا فإنه يجدر بأولى الأمر فى مصر أن ينعموا النظر طويلاً فى أمر هذه المعاهدات ، وأن يزنوها بميزان الحرص الشديد على حقوق السيادة المصرية ، ونحن على يقين بأنهم فى النهاية سوف يرون معنا أن الخطة المثلى هى أن يصرف النظر فى الوقت الحاضر عن عقد أية معاهدة من هذا النوع ، وأن يكتفى بعقد المعاهدات التجارية لمدد قصيرة مع الدول الراغبة فى ذلك ، وأن يترك أمر الجاليات والمصالح الأجنبية إلى رعاية النظم والقوانين المحلية أسوة بما هو متبع فى سائر دول العالم .
