قرأت كلمة للعالم الجليل الدكتور عبد الوهاب عزام يتناول فيها ذلك العمل العظيم الذي اضطلع به الدكتور أحمد فريد الرفاعي من إظهار هذه الكنوز الأدبية العظيمة في ثياب قشيبة معبدة الطريق للقراء
وأشهد أن الدكتور عزام قد دل بكلمته على غيرة على العربية لم يقر له معها قرار حتى يغير ما رآه غير مساوق للصواب في نظره ، وهي غيرة يشكر عليها قدر شكر الدكتور الرفاعي على غيرته التي حمّلته بذل المصونين الجهد والمال في سبيل خدمة العربية وما دفعني أن أدخل بين الناقد والمنقود إلا حبي لإحقاق الحق وإقرار الأمور في نُصُبها
أكتب هذه الكلمة ولم أسعد بعد باقتناء الكتاب ،, فأنا أكتفي بالرد على مالمست عدوله عن الجادة في كلام الدكتور عزام ***
(١)" إذ كلٌّ هَمَّه تحصيل المأكول والمشروب " ، يقول الدكتور عزام الصواب همُّه بضم الميم والمراد هنا الاسم إذ الفعل أهمه لا همه . وتقول عبارة القاموس المحيط : وهمه الأمر أحزنه كأهمه . ولا يعزب عن البال أن استعمال هذا الفعل بمعنى شغله واستبد بمشاعره مجاز قريب لا تكلف فيه
(٢) " ومعاوية بفارسٍ " قال الصواب بفارسَ فإنها ممنوعة من الصرف . وأقول ورد في القاموس وفارس الفرس أو بلادهم . وإذا اتبعنا القاعدة القائلة إن كل اسم قبيلة أو موضع لا علامة للتأنيث فيه يصح تذكيره على معنى القوم أو الرهط والموضع ، وتأنيثه على معنى القبيلة أو البلدة ، فعلى هذا لا يكون لتخطئة الدكتور التنوين وجه مقبول
(٣)" ولم نعوّض من ذاك ميسُرة " قال الدكتور عزام : الصواب فتح السين ؛ وأقول في القاموس المحيط الميسرة مثلئة السين . وفي كتاب " نيل الأرب في مثلثات العرب " للشيخ قُوَيدر الخليلي : سهولة الأمر تسمى ميسره ومصدر إلى قدرت مقدره
يريد أن ميسرة مثلثة السين ، وكذلك كلمة مقدرة مثلثة الدال . وغيرهما مما هو على هذا الوزن كثير
(٤) ((لغويا نبها ثبتاً)) قال لاالدكتور عزام والصواب ثبتاً يقال رجل ثبت لا ثبت والثبت بالفتح (يريد بالتحريك) البرهان أسم وصف .وأقل : فى القاموس الثبات الثقات، وفى شرحه وهو ثبت بالحريك وهو القيس وقد يسكن ةسط . إلخ ولعل التفريق التى جاء بها الدكتور عزام وهى أن الثبت (بالتحريك)البرهان اسم لا وصف ، وأنها عقيدها بنظرة خاطفة من قةل الشارح ((وقيل للحجة ثبت بفتحتين إذا كان عدلا ضابطا)) فذهب باله إلى أن الحجة هنا الدليل والبرهان
(٥) " أُضِقتُ إضاقة شديدة " قال الدكتور عزام " والصواب بالبناء للفاعل أي أصابه ضيق " وأقول لو أنه فسّرها بقوله أصابه عسر لقلنا إنه تابع . صاحب القاموس في قوله : أضاق ذهب ماله وأعسر ، فأما وقد فسّرها بقوله أصابه ضيق فهو تفسير عام ينطبق عليه قول القاموس : ضاق ضد اتسع وأضاقه وضيقه " فمعنى كل ذلك جعله ضيقًا . والمراد هنا ضيق الصدر
(٦)" المُصَيْصة اسم بلد " قال الدكتور عزام والصواب المَصِّيصة . وأقول :ورد في كتابي " إعجام الإعلام " : ( المَصيصة - المصِّيصة مدينة على ساحل البحر الرومي ...
قال في القاموس " والمصيصة كسفينة بلد بالشام ولا تشدّد " وقد ضبطها صاحب تقويم البلدان عن مزيل الارتياب فقال : بكسر الميم وتشديد الصاد وسكون الياء وفتح الصاد) فمن ذلك يعلم أن الناقد والمنقود وقعَا في الخطأ وإن كان اللوم في نظري على الناقد أشد ، لأنه يأخذ على غيره في مسألة بعينها
فيجب أن يكون تحريه للصواب أدق (٧) "غُمارالناس" قال الدكتور عزام والصواب كسر الغين ، وأقول يفهم من مراجعة القاموس المحيط لمن وقف على سر اختصاره وراعى مراده في عطفه واستئنافه أن الغمار جمع لغَمْر وهو الماء الكثير كما أن الغَمْر يكون بمعنى الكريم الواسع الخلق أو الجواد من الخيل أو السابغ من الثياب أو اللفيف من الناس ويشاركه في هذا المعنى الأخير ( اللفيف من الناس ) مفردات أخرى وهي الغَمَر ( بالتحريك ) والغَمْرة بالفتح فالسكون مع تاء التأنيث والغُمارة بالضم مع التاء والغَمار بالفتح أو الضم . وعلى هذا يكون مصيبًا من قال غمار الناس ( بالضم )
بمعنى جماعتهم ولفيفهم . كما أنه ليس في القاموس ما يدل على أن غِمارًا يكون جمعًا لغَمْر بهذا المعنى الأخير وإلا لأتى به قبل ذكر الجمع كما هي عادته
وليس معنى كل هذا أن استعمال غِمار بالكسر في معنى جماعات الناس خطأ بل نقول إنه خلاف الأولى لأن استعماله يكون مع التجوز بتشبيه جماعة الناس باللجة وإطلاق لفظ غمر عليها ثم جمعه على غمار . أما المفرد وهو غمار ( بالضم ) فكاف في الدلالة على الجماعة دلالة حقيقية لا تجوز فيها . فظهر من هذا أن المنقود استعمل الضبط الجائز القريب في الاستعمال
هذا قول أعجلتنا عن الإفاضة في نواحيه وتتبع مظانه ، مشاغل لم نستطع أن نزيحها عن كاهلنا إلا بهذا القدر والسلام
يعرف أولو البصر بالأدب الأستاذ الباقعة الدكتور عبد الوهاب عزام ، عالمًا ثقة ، وعلمًا حجة ؛ فيصلًا إذا قال ،
وثبتًا إذا جال ؛ لا يقف نبوغه عند ناحية من نواحي الأدب ، بل يفيض علمه عليها جميعًا ؛ فهو من أدبائنا القلائل الذين برزوا في كل أفق ، وربطوا بآصرة الأدب بين الغرب والشرق ، وقد اختص ببحوثه الرائعة وآرائه الشائقة مجلة " الرسالة " ، لأنها رسول الثقافة ، وآخر ما أمتع به قراءها ذلك النقد الجامع لكتاب
"معجم الأدباء" الذي ينشره الدكتور الرفاعي . فنقد القسم الأول منه نقدًا عميقًا ، وفحص عن وجه الحق فحصًا دقيقًا ، وأبى له تواضعه إلا أن يقول : " هذا ما أخذته وأنا أعبر القسم الأول وهو جزء من عشرين ، ووراء هذا معضلات من التحريف تحتاج إلى بحث وتنقيب ليتبين صوابها " وأقرر مؤكدًا أن هذا النقد الممتع سيحمل الناشر على الإمعان في التحري ، وسيدفعه إلى التريث والتأني حتى يخرج الكتاب كما يريده الأدباء والمؤرخون على أن لي رأيًا في قليل من كثير مما أورده من المآخذ الأستاذ القدير ولعلي قد وفقت إلى الصواب
ص٦٤ " إذ كلٌّ همَّه تحصيل المأكول والمشروب " . ( والصواب همه بضم الميم ، والمراد هنا الاسم ، لأن الفعل أهم
لا هَمَّ ) هذا ما ارتآه الدكتور . واللغة تخالفه . نص القاموس "مادة هم" قال : ( وهمه الأمر همًا ومهمة حزنه كأهمه ) وإن الأبلغ ما رآه الأستاذ ، وليس في الكتاب شبهة من خطأ
ص٨٣ : أمغط منى على بصرى بالحب أم أنت أكمل الناس حسنا وقد شرح الناشر فى الحشية وقال: (( ويروى أمغطى على صيغة المفعول)). ( والصواب أمغطى لا يحتمل البيت غيرها وكان الصواب تصحيح البيت لا إثبات الغلط وشرحه) وأرى أن قد غطى على بصره بالحب أو أنه أكمل الناس جمالاً فى صورة الأستفهام عن الشقين ، لاأنكر أن الوجه الثانى أفضل وأفصح
ص٩٣ " ولا أبدأ نفعا ، ولا أحمد أخلاقا ، ولا أدوم سرورا " .( وقال في الحاشية في الأصل أبد نفعا ؛ فقد أصلح غلط الأصل بغلط آخر . والصواب أبدي ، وليس ما صححه الناشر غلطا ، ولعله الأوفق حتى يتفق ونظم الكلام ووزن الأفعال الذي يبدو أنه مراعى في العبارة
ص٩٩ " ولم تعوض من ذلك ميسُرة "( والصواب فتح السين " والفتح والكسر والضم كلها صحيح إذ الين مثلثة ، وأحسب الأستاذ اختار الفتح لأنه به قرئ قوله تعالى " فنظرة إلى ميسرة " وكان أيسر للناشر أن يتركها دون ضبط أو يثلث ضبطها
ص١٣٣ " فلا أزال أماكسهم ويزيدوني "( والصواب يزيدونني ) ولا أدري كيف ساغ للدكتور تخطئة الصواب فكتب النحو تنص على جواز تزيدوني بالتخفيف والتثقيل ، وبالتخفيف قرأنا نافع تأمرونى وتحاجونى ص٢٢١
" يخال بأن العرض غير موفر عن الذم إلا أن يدال له الوفر "
( والصواب يذال بالذال المعجمة من الإذالة أي الامتهان ) ويدال ليست خطأ بل لعلها أوقع في المعنى لأن الغرض من الإدالة الدوران والتحول والزوال ، وكل هذه المعاني أنسب من الامتهان في البيت . هذا ما عنَّ لي التعليق به على نقد أستاذنا النابغة وأرجو أن يلاحقنا بالحكمة والرأي الرشيد
( المعادي )

