وعدت القارئ في المقال السابق أن أعرض عليه بعض ما أخذته على تعليق الناشرين في القسم الأول من المعجم
والمآخذ هنا أنواع: منها شرح كلمات بيّنة لا يجهلها أحد ممن يقرءون معجم الأدباء، ومنها غلط في الشرح، ومنها فضول يذكر ما لا يحتاج إليه البيان ولا ينتظره القارئ، ومنها نوع آخر لا أدري ماذا أسمّيه إلا أن أسميه الشرح المضحك. وسأجتزئ بمثل من هذه الأنواع دون استقصاء:
(أ) فمن الأول الأمثلة الآتية: ص ٥٢ دري الشيء وبالشيء دراية: وصل إلى علمه ص ٥٢ حسب ما اقتضاه: قدر ما استلزمه. وهذا معنى يعثر عليه بالقرائن اهو أنا أسأل القارئ هل يحتاج إلى قرائن لمثل هذا التفسير؟
ص ٥٥ القرطاس: الصحيفة التي يكتب فيها، الغيّ: الضلال. العيّ: العجز عن الكلام
ص ٥٦ الفسحة: السعة ص ١١٣ النصارى: أتباع يسوع المسيح، الواحد نصراني نسبة على غير قياس إلى الناصرة أو جمع نصري الخ، فهل يرى القارئ أن ورود كلمة نصارى في المعجم تحوج إلى هذا التفسير؟ وهي لم ترد في سياق بحث في الدين أو في الاشتقاق، بل لأن بعض المترجمين أخواله نصارى
ص ١١٥ اقترضي: استسلفي. يقال استسلف منه دراهم وتسلف ص ١٥٧ أجلّك: عظّمك ص ٢٠٨ سما: علا ومن العبث الضار أن الشارح ينقل أحياناً عن كتب أخرى ترجمة لبعض أدباء المعجم لا تزيد على ما رواه ياقوت، كما فعل في ترجمة إبراهيم بن العباس الصولي، وفي نقل ترجمة ياقوت نفسه
عن شذرات الذهب بعدس ترجمة وافية لا تعدو الثانية أن تكون نبذاً منها. ولو كانت التراجم التي ينقلها مفيدة فوائد ليست في المعجم ما جاز إثباتها ولوجب أن يكتفي ببيان موضعها ليرجع إليها من يشاء. وفي الجزء الثاني من هذا مثال عجيب جداً سيراه القارئ إن شاء الله
v(ب) وأما الغلط فسأقتصر منه على ما لا يقبل التأويل والتخريج على الأوجه الضعيفة في اللغة والنحو حتى لا أفتح باباً للمناقشات الواهية
ص ٤٧ ذكر ياقوت كتاب المرزباني في النحو وقال: (إلا أنه حشاه بما رووه، وملأه بما وعوه، فينبغي أن يسمى مسند النحويين) وجاء في التعليق: (المسند من الحديث ما عزى ورفع إلى قائله) وهذا صواب، ولكنه لا يصلح تفسيراً لكلمة المتن. فالمسند هنا الكتاب الذي يجمع الأحاديث على ترتيب الرواة؛ وليس كل كتاب في الحديث يسمى مسنداً، فلا يقال مسند البخاري كما يقال مسند أحمد
ص ١٠٦ (وكانت كلماته حاملة إياي على هذا التصديع لمجلسه الرفيع) وهذه جملة من رسالة كاتب إلى بعض الرؤساء يقول فيها: إن ما بلغه من ثنائه عليه، حمله على كتابة الرسالة إليه. فالتصديع هنا كناية عن الكتابة التي تكلف المكتوب إليه مشقة القراءة. ولا تزال هذه العبارة جارية في بلاد العرب والفرس. يقول المتكلم لمن يخاطبه، أو الزائر لمن يزوره: صدّعناكم. أي سببنا لكم الصداع بكلامنا الخ. فقول الناشرين في الحاشية في تفسير الجملة السابقة: (صدعت إلى الشيء ملت إليه) خطأ
ص ١٠٨ في ترجمة أبان بن عثمان: (يعرف بالأحمر البجلي أبو عبد الله مولاهم) فُسرت كلمة مولاهم بهذه العبارة: (من الشيعة) وهذا غلط، والمراد بها أنه مولى بجيلة. ومثل هذا شائع في التراجم. مثلاً يقال: محمد بن الحسن الشيباني مولاهم. أي مولى بني شيبان. الخ
ص ١١٠ (إبراهيم بن عبد الوهاب الابزاري الطبري) وفي الحاشية: (نسبة إلى طبرية) والمعروف أن الطبري نسبة إلى طبرستان، وأن طبرية يقال في النسبة إليها طبراني، ومنها
الحافظ أبو سليمان الطبراني أبو سليمان الطبراني المحدث المعروف
ص ١١٠ بنو حمدان ممن استقلوا بالموصل. . . وكان مقر ملكهم الموصل وأشهرهم سيف الدولة. . . الخ. والمعروف أن سيف الدولة لم تكن له إمارة بالموصل بل في حلب، وأن أمارة الحمدانيين بالموصل ورثها ناصر الدولة وحده
ص ١١٧ استحلفني: أقسمت له يميناً بناء على طلبه. ويرى القارئ ما في هذا التفسير
ص ١٢١ (ونهى النبي عن لبس السراويل المخرفجة) . وفي الحاشية: (خرفج الشيء أخذه أخذاً شديدا. وكأنه يريد أنها أخذت وهي تخلط أخذاً حتى ضاقت فصارت بحيث تصور أعضاء الجسم لضيقها.) وهذا تفسير بالنقيض. يقال عيش مخرفج أي واسع، والسراويل المخرفجة الواسعة التي تسقط على ظهر القدم. وبهذا فُسر الحديث
ص ٢٢٢ في الحاشية: رماح خطية منسوبة إلى الخط: مكان فيه شجر تصنع منه الرماح. والصواب: أن الخط بلد في البحرين تجلب إليه الرماح من الهند. قال في اللسان: وليست الخط بمنبت الرماح، ولكنها مرفأ السفن التي تحمل القنا من الهند)
(جـ) وأما الفضول في الشرح فمن شواهده: ص ١٠٢ ذكر في المتن الجواليق بمناسبة أبي منصور الجواليقي، فقال الناشرون في الحاشية: (الجوالق والجواليق وعاء من صوف أو شعر مندوف وهو الذي تقول عنه العامة شوال: قال الراجز. يا حبذا ما في الجواليق السود ... من خشكنان وسويق مقنود أي مختلط بالقند: وهو عسل قصب السكر؛ يقال: سويق مقنود ومقند.)
فإذا أغضينا عن التسوية بين الجوالِق والجواليق في الشرح مع أن الأول مفرد والثاني جمع نجد الشارح أتى بالرجز لا شاهدا بصحة تفسيره ولكن لاشتماله على كلمة الجواليق، ثم استطرد لتفسير المقنود الخ
وص ١٠٥ الصنائع جمع صنيعة وهي الجميل والمعروف قال الشاعر: إن الصنائع لا تكون صنيعة ... حتى تصيب بها مكان المصنع
وفي الحديث صنائع المعروف تقي مصارع السوء ص ١٥١ وأغرب من هذا ما جاء في ترجمة إبراهيم بن سعدان، فقد أبى الشارح إلا أن يشرح، فلما قال ياقوت: (وكان لسعدان
ابن المبارك النحوي ابن يسمى إبراهيم) كتب هو في الحاشية: (سعدان علم منقول. والسعدان نبات من أحسن المرعى وأجوده يضرب به المثل؛ فيقال في الشيء يحسن ولاَ يبلغ في الحسن درجة غيره: ماء ولا كصداء، ومرعى ولا كالسعدان.)
وص ٢٣٨ (وهذا قول متمرد على الله مستغربا مهال الله) وفي الحاشية: أغراه إمهال الله استدراجا له فتمرد وتمادى. وفي الحديث إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. وقال تعالى: (وأُملي لهم إن كيدي متين) ، (فمهِّل الكافرين أمهلهم رويداً)
وظاهر أن سوق الحديث والآية الأولى شرح للموضوع لا للفظ وهو فضول هنا. ومصدر هذا كله أن الشارح لا يسير على خطة، فهو حيناً يستطرد بما لا حاجة إليه، وحيناً يترك ما يحتاج إليه القارئ. بل أحسب أن للكتاب شراحاً مختلفين ليس بينهم اتفاق؛ ولهذا أدلة فيما يأتي
وأما ما سميته الشرح المضحك فمن فكاهاته: ص ١٣١ في سياق الكتاب: (فجاء كتاب بعض بني مارقة من الصراة) فأراد الشارح أن يعرف القارئ بني مارقة فقال: (بنو مارقة قوم يسكنون الصراة) قلت: وفوق كل ذي علم عليم!
ص ١٦٥ في الكلام على إبراهيم الصولي ويزيد بن المهلب: (حتى قتل يزيد يوم العقر) . وفي الحاشية: يوم العقر بفتح العين من أيام العرب، قتل فيه يزيد بن المهلب) فهل زاد الشارح على ما فهمه القارئ من الكتاب؟ على أن قتل يزيد كان في أيام بني أمية، وأيام العرب تقال غالباً لأيام الجاهلية
ص ١٦٧ روى ياقوت أبياتاً أولها: ولكن الجواد أبا هشام، الخ ثم قال بعد الأبيات: (وهذا الشعر يدل على أن قبله غيره) فقال في الحاشية في تفسير كلمة (غيره) : أي من الشعر
ص ١٠١ هراة بفتح الهاء والراء بلد، النسبة اليها هروى، وبلخ بفتح وسكون يصرف ويمنع من الصرف، وإليها ينسب أبو معشر البلخي). لم يبال الشارح أن يبين أين هراة وبلخ، ولكن اهتم بأن يبين أن بلخا ممنوعة من الصرف أو مصروفة. ثم قوله في هراة (بفتح الراء) لغو لأن ما قبل الألف لا يكون إلا مفتوحاً
هذا وموعدنا العدد الآتي لنبين بقية مآخذ الجزء الأول وبعض مآخذ الجزء الثاني. والله المستعان

