الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 257 الرجوع إلى "الثقافة"

معجم القرآن الكريم،

Share

ليس في العربية كتاب عكف العرب والمسلمين على درسه وشرحه وتفسيره كالقرآن الكريم . فمنذ أربعة عشر قرناً وهو موضع دراسات واسعة متنوعة لا تكاد تنقطع في عام من الأعوام . ومع ذلك فقد أغفل الدارسون  والمؤلفون جانباً بعد إغفاله - في نظرنا - من أعجب الأمور ، ذلك هو وضع معجم بشرح جميع ما يرد في القرآن الكريم من طير وزهر ونبت وشجر ولباس وآلة موسيقية ومدن ورجال وقبائل وانبياء وقصص ، وما إلي ذلك مما يمر به القارئ دون أن يقف على كنهه أو يستقصي أصله وتاريخه . فإذا قرأ المن والسلوي (سورة طه الآية ٧٩) فلا يقنع بقول الشراح إنهما الفرنجيين والطير السماني ، بل يطلب المزيد من المعرفة حتى يصل إلى وصفها بوجه الدقة والحصر ؛ وإن قرأ السدر والطلح (سورة الواقعة الآية ٢٨،٢٧) لم يكتف بقول الشراح إنهما شجرا النبق والموز ؛ وإن رأي الإستبرق (سورة الكهف الآية ، والدغان لاية ؟ والرحم الآية 53 ، والدهر الآية 21) نفس مواطن وروده ، ووقف على وصفه ، وتتبع أصل اللفظة ومنشأها وقل مثل ذلك فيما يرد من أسماء أعلام وأماكن ، وإشارات إلي قصص وأخبار وما إلي ذلك .

هذا المعجم لا يستغني عنه قارئ القرآن الكريم سواء أمسلماً كان أم غير مسلم ، طالب هداية وبركة أم طالب علم وتحقيق ؛ وهو في نفسه يؤري فائدة مزدوجة : فمن جهة يمين على التوضيح والفهم العميق ؛ ومن جهة اخرى يؤدي إلي دراسة طريقة فى تاريخ العرب الثقافي والأجماعي والآدبي زمن الرسول عليه السلام وقبيل الإسلام ؛ كما يؤدي إلي مقابلات بين ثقافات الأمم الأخري المعاصرة للأمة العربية .

وليس من شك في أن القرآن السكريم اصح وأصدق مصدر لجميع العناصر الأولية التي تؤلف كيان الحياة الجاهلية والإسلامية ، ذلك الكيان الذي نعتمد في إدراكه على الخيال أو ما يشبه الخيال

وأمامي الآن مباحث جزئية لتناول شطراً يسيراً من هذه الدراسة الواسعة ؛ منها ما يتناول إسماء الطيور الواردة في القرآن الكريم ، ومنها ما يتناول أسماء الحيوانات ، ومنها ما يتناول أسماء الآلات الموسيقية ، ومنها ما يتناول النباتات والأزهار ؛ وهي مباحث أولية بقصد منها الانتفاع الفردي ، إذ أن مثل هذه المباحث يجب أن بتفرغ لها عدد كبير من العلماء المتبحرين في علومهم

بيد أن ما أود أن أشير إليه هنا أن هذه المباحث تؤكد النظرية العامة التي لم يرتب في صحتها باحث قط ، وهي سلامة القرآن الكريم سلامة كلية من أي ريبة ، وصحته صحة تاريخية علمية . فقد رأيت بعض الباحثين الأوربيين يتخذون من ترتيب سور القرآن الكريم على الشكلا الذي نجده في المصاحف دليلا على صحته . واظن أن إيراد الأدلة العقلية المنتزعة من القرآن الكريم نفسه للتدليل على هذه الصحة مذهب قديم سليم ، إن لم نقل إنه أقوم وأسلم مذهب .

لا ريب في أن دراسة القرآن الكريم على هذا النهج أمر جليل الفوائد . والواقع أنه يبدو غريباً غاية الغرابة أن يغفل المسلمون في تاريخهم الطويل عن الاضطلاع بها . وأغلب الظن أنهم لم يغفلوا ، ولكنهم ضمنوا الشروح التي تقصدها تفاسيرهم الواسعة دون تقيد شويب أو ترتيب خاص على النحو الذي أشرت إليه

وقد أخبرني أحد علمائنا الثقات أنه قرأ في مصدر لم يذكره أن أحد ملوك المسلمين جمع علماء عصره من فقهاء ولغويين ومؤرخين وفلاسفة وأطباء وجغرافيين ومن شاكلهم ، ووكل إليهم أن يفسروا القرآن تفسيراً شاملاً

لجميع العلوم والفنون ، كل حسب اختصاصه : فالفقيه  يشرحه من ناحية الفقه ، والنحوي من ناحية النحو ، والجغرافى يشرح ما ورد من أسماء بلدان ، والباني بشرح أسماء النباتات . . فانقطعوا لهذا العمل ، وجاء تفسيرهم في مجلدات كثيرة يتطلب نسخها عشرات السنين . فهذه الرواية - إن صحت - نثبت أن القدماء أدركوا ما لهذه  الدراسة الوافية العميقة من شأن ، وأنهم حققوها على وجه لا نعرف - وا أسفاء - عنه شيئا حتى نحكم أيطابق ما نقصده أم يخالفه . ولكنا نتصور ، على كل حال ، أن العصر الحديث يتذرع بوسائل شيء لم تكن مألوفة في العصور الماضية لتبيان المادة المعروضة وتحديدها وأقل ما يصح أن يذكر هنا التصوير والرسم ، فليس أوضح في شرح اسم لباس أو طير أو نبات من عرض صورته ؛ وتنفي الصورة أو الرسم عن الجمل المبهمة أو التعريفات " التقليدية " التي قد تزيد في الإبهام

وبين أيدينا - لحسن الحظ - دراسات من هذا النوع في غاية الدقة والتفصيل تتناول الكتاب المقدس فقد وضع العلماء الأوربيون مؤلفات بعضها في مجلد ، وبعضها في عدة مجلدات ، مرتبة حسب الأبجدية ، أسموها  جميعاً معجم الكتاب المقدس ؛ أذكر منها على سبيل المثال : (1) Dictiopaire De La Bible المؤلفة F. Vigourow   الذي طبع سنة ١٨٩١ ، وذيله المسمى Suppeernent du  Dictionaire De Le Bible فى جزءين طبعا سنة  ١٩٢٨ و (2) A Dictionary of the Bible (*) لمحرره  Jamer Hastings ومساعدة أربعة من العلماء ، وقد  صدر في أربعة مجلدات وملحق ، صدر المجلد الأول سنة ١٨٩٨ ، والثاني سنة ١٨٩٩ ، والثالث سنة ١٩٠٠ ، الرابع سنة ١٩٠٢ ، والمحق سنة ١٩٠٨ . واحتوت

هذه المجلدات علي مقالات في أسماء الأعلام والأماكن والآثار والحفريات وعلم سلالات البشر Ethnology وطبقات الأرض والتاريخ الطبيعي ، وفقه الكتاب المقدس Bible Theology وعلم الأخلاق Ethics الخ . . وفي الكلمات الممالة المستعملة في الترجمة الإنجليزية وفي الموضوعات المهمة والصعبة . واشترك في تحرير هذا المعجم عدد كبير من العلماء تناول كل منهم الموضوع الذي تخصص في درسه وأحاط به إحاطة جيدة ، مذيلاً موضوعته باسمه لضمان الأمانة العلمية ؛ ثم راجع المحرر ومساعدوه وهيئة من العلماء تلك الموضوعات وأقروها (3) وصدر عن جامعة شيكا غو عام ١٩٠٨ Old Testarnent and Semitic Studies في مجلدين ألفه ثلاثة من العلماء . (4)  وصدر عام ١٩١٠ (*) The Temple Dictionary of The Bible في مجلد واحد ليكون في تناول عامة القراء . وقد سار محرراه T. Thomson' W. Ewingعلى غرار المعاجم السابقة ، فأشركا عدداً من العلماء المتخصصين في كتابة بعض المباحث ، وقاما هما بالمراجعة . بيد أن لهذا المعجم ميزتين ؛ الأولى أنه استفاد من الأبحاث والإكتشافات التي جدت في مصر وفلسطين ، وخاصة ما وصلت إليه جمعيات الآثار في فلسطين من معلومات جديدة ؛ والثانية أنه تجنب المسائل النظرية والجدلية واقتصر على المعلومات منها . (5) وصدر في العربية كتاب " مرشد الطالبين إلي الكتاب المقدس الثمين ، سنة ١٨٦٨ في مدرسة العلوم الأميركانية في عبية (لبنان) في ثلاثة أجزاء ، مجموعة في مجلد واحد ؛ يبحث الجزء الأول منها في وصف الكتاب المقدس والقوانين المفيدة لقراءته ، والثاني يفصل أسفار العهدبن القديم والجديد ، والثالث يوضح أموراً متنوعة مذكورة في الكتاب المقدس أولها علاقة به من جهة ما .

ومن أطرف ما في هذا الجزء الفصلان السادس عشر والسابع عشر اللذان يتناولان الآلات الموسيقية والأوزان والنقود والكابيل والقياسات التي وردت في الكتاب المقدس

والكتاب مفيد ، ولكنه دون ما صدر باللغات الأوربية حجماً ونوعاً وترتيباً.

وذلك عدا المجلات التي تصدر في مختلف اللغات الأوربية قاصرة على دراسة الكتاب المقدس وجميع المباحث التي تتصل به . وفضل هذه المجلات في عرض المشاكل على ضوء ما يجد في كل وقت من اكتشافات ومباحث ؛ ومن أشهرها La Revne Bibliqne التي يحررها منذ خمسين عاما الآباء الدومنيكيون القائمون على " المعهد الكتابي والآثاري الفرنسي في القدس الشريف "

وإذا أضفنا إلى هذه المعاجم والمجلات التي ينتفع من مادتها وأسلوبها أيما انتفاع ، ما جمعه مفسرو القرآ الكريم - لا سيما المتقدمين منهم - من معلومات لغوية

وتاريخية وجغرافية ودينية ثمينة ، تبين أن " المعجم القرآني " قد مهدت في سبيله كثير من الصعاب ، وأضحى البناء مبسوراً لقيامه على منوال سابق مألوف .

ولكن هناك أمراً واحداً لا يصح أن يغرب عن البال ، وهو أن هذا المعجم يتطلب دراسات واسعة ، بل أوسع مما يتصور لأول وهلة ، يضطلع بها عدد كبير من العلماء ذوي التخصص والجلد والميول العلمية ، مدة زمن ليس بالقصير ، تحت إشراف هيئة علمية . ولا شك في أن جزءاً كبيراً من هذه الدراسات يجب أن يتم في موطن الوحي نفسه .

فهل يظفر القرآن الكريم بهذا المعجم ؟ إن ظفر فإنها لغنيمة خلقية بأن نشد إليها الرحال ، وتبذل في سبيلها  الأعمار والأموال ، ويتعاون عليها الأفراد والجماعات ، وإن لم يظفر فلنحفظ هذه الأمنية الغالية في صدورنا إلى أن يشاء الله ...

( القدس )

اشترك في نشرتنا البريدية