إلي الأستاذ محمد بك فريد أبو حديد .
ها نحن ياصديقي بعد عام كامل من معرضه السابق ندعي لحضور افتتاح معرضه لسنة ١٩٤٦ القائم الآن في السراي الصغري بالجمعية الزراعية ، فنقضي ساعة أو بعض ساعة نشاهد تماثيله الأنيقة فتبهر أبصارنا ونسمع لشرحه الممتع فتطرب أسماعنا .
إخالك يا صديقي الكبير وأنت في المعرض وقد استرعي نظرك القطعة رقم ٢ لفلاحة أخذتها سنة من النوم وهي جالسة فمال رأسها إلي اليمين وتراخت قسمات وجهها . وإخالك أيضا وقد انتقلت بعد ذلك إلى القطعة رقم ٥ ويقال إنها لامرأة أخرى . ولا شك أنك ترددت مثلي في أنها ربما كانت نفس الفلاحة رقم ٢ فالرأس واحد في الحالتين بدليل أنها وقد وقفت منتصبة وقد جمعت أطراف ملاءتها ورمت ببعض منها على ساعدها الأيسر ، لا تزال تحتفظ بإنحناءة رأسها إلي اليمين كما كانت وهي جالسة في سباتها في الوضع السابق ، في حين أن قسمات وجهها لا تزال مسترخية كما كانت في الوضع الأول . ويغلب على ظني أن حبيبا يرمي إلى تمثيل عادة المشي أثناء النوم ، وهذا موضوع لم يطرقه مثال غيره من قبل .
وأظنك أيضا يا صديقي الكبير قد استرعي التفاتك ميل حبيب للوجه الزنجي ، وأنك إن كنت قد سرت في المعرض حسب ترتيب الأرقام وكنت قد أعجبت بالقطعة رقم ٤ ولاحظت بروز خدودها وتفرطح أنفها وغلظ شفتيها ، ثم عدت بناظرك إلي القطعتين المعروضتين قبلها وكنت قد احتفظت في ذهنك بهذا الشبه وقارنته بشبه باقي النساء المروضات في قطعه الأخري بالترتيب ، إن كنت
فعلت ذلك يا صديقي فلا شك أنك أدركت مثلى السبب فيما كانت تلوكه ألسنة المتفرجين من تشابه الوجوه ومن أن حبيبا كان يتخذ امرأة واحدة بالذات نموذجا يمثلها في أوضاع مختلفة . وهذا يفسر أيضا ما سمعته من أحد أصدقائي المتفرجين وقد أدلي إلي بقول عجيب وسؤال أكثر عجبا هو : - هل عثر حبيب على اختراع جديد يحاكي آلة التصوير الضوئي في إنتاجها يخرج بها الفنان الصورات مجسمة فاستعمله في تشكيلة قطعه على هذه الصور المتكررة ؟
ما كان مني يا صديقي عند سماع ذلك إلا أن أخذت بيد هذا السائل وسرت معه نشاهد المعرض من جديد وأنا أجادله وأدله إلي مواضع الدقة والجمال في القطع المعروضة ، وسألته إن لم يكن قد رأي تلك الفلاحة وهي تهم بالوقوف مرتكزة بكفيها على ركبتيها ، وإن كان لم يسترع نظره هذا القطيع من الغنم وهو يموج ويتزاحم ويتدافع ويضغط بعضه البعض الآخر ، وتلك الجمال وقد تلاصقت أجسامها متدافعة تكاد تجري إلى غير مستقر ، وهذه الأرانب الثلاث وكأن أجسامها تنبض بالحياة في كل رقتها المعروفة وفي ملل صحتها المعهود . وهذا الجاموس في بطء ، حركة الجاموس الحي وما يحيط بهذه الحيوانات جميعا من جو تشعر به من غير أن يكون له وجود - كيف تنكر قدرة حبيب الفنية وهذه أعماله تنطق بفنه ، وهذه لمساته جلية في كل قطعة ، وهذا وحيه ظاهر في جميع معروضاته ؟
قال : لقد رأيت كل ذلك في معرضه في العام الماضي ولكنه لم يحدد في مواضيع عرضه في هذا العام شيئا لهم إلا إعادة عرضها مكبرة قليلا عن ذي قبل ، فالمعرض الحالي ما هو إلا تكرار لمعرض العام الماضي .
قلت : ليكرر حبيب عرض قطعه عاما بعد عام حتى يقنع الناكررين أمثالك بأنه قدير في فنه الشخصي جريء في دعايته الخاصة ، وأن ليس من قبله أو من بعده من
يجاريه في هذا الأسلوب الرائع الذي خلقه بنفسه .
ثم انضم إلينا صديق ثالث يسألني أن أفسر له السر في الشكل المتكرر في أغلب أجسام أشخاص العرض ، ذلك الشكل الذي يشبه قمع السكر الذي اختلفت أحجامه وقد ركب على كل منها رأس آدمي واحد مع ما يماثله من بعض أجزاء من أطراف في أسلوب مجه ذلك الصديق عاما بعد عام .
فسألته بدوري : ألا يعجبك هذا التبسيط ؟ وهل يمكنك أن تنكر لكل قطعة صرخة تدوي بالموضوع الذي خلقها حبيب من أجله وأبرزتها به أناملة الرشيقة ؟
ووفد صديق رابع وهو يدعوني لأري معه بعض معروضات قليلة صغيرة نسقت على ثلاثة حوامل بجوار الحائط الشرقية بصالة العرض ، وتبادلنا المناقشة فيها وانتهينا بالحكم على أنها من غير شك شغل أطفال مبتدئين ، فهي تمثل الفن البدائي على فطرته ، وقد تجلت فيها التشويهات الفنية المحببة إلى نفوسنا والتي كنا ونحن ندرس الفنون وبشرف على تدريسها في مراحل التعليم تكاد تطير من فرط الفرح عندما تنتهي حصة الرسم بمثل هذا الإنتاج البدائي السليم .
ثم تفرقنا يا صديقي الكبير في المعرض ، ووفد إلي حبيب جورجي وبدأ حديثه الذي يضحكك دائما فلا تمجه نفسك مهما أطال فيه ، وتكلم عن تلاميذه من صغار الفنانين الذين يعزو إليهم هذا الإنتاج الرائع المعروض ، وقد ابتكر لهم في المعرض الحالي دعاية جديدة محاكاة لعاملات المحال التجارية الكبيرة ، فقد ألبس أربع فتيات أو خمسا على ما أذكر أردية رمادية مزرقة وأطلقهن بين المعروضات نمازج حية يمرحن ويلعبن ويسترعين الأنظار ، وكأنه يقول إنهن كل تلاميذ مدرسته وإنهن مصدر وحيه في حين أنه هو بالذات مصدر وحيهن .
وبعد كتابة ما تقدم خطر لي أن أعود إلى مقال كتبته
في الثقافة الغراء في العدد ٣٣٧ من العام الماضي عن معرض حبيب جورجي سنة ١٩٤٥ ، فإذا بي من حيث لا أدري أفسر الجملة التي جاءت في آخر ذلك المقال ، وكان قد أسقط في يدي عندما أردت كشف السر في نجاح ذلك المعرض وتساءلت على من يدلني عن كشف ذلك السر ، ويمكن للقاريء إذا شاء العودة إلي ذلك المقال إن أراد زيادة في التفسير .
ولا يسعني في الختام إلا أن أنصح إلي حبيب بالإقلاع عن تسمية معرضه بالفن الشعبي ، وليسفر عن الحقيقة الماثلة فيه ، وهي أنه فنه الشخصي ، إلا إذا كان يرغب في التواضع كما أعهده يذوب خجلا وتواضعا ، فعندئذ يمكنه أن يطلق عليه أي اسم آخر يختاره غير الشعبي ، وإلا كان مدعاة للنقد والاستنكار . وقد أفرد إن سمحت لي الثقافة الغراء مقالا خاصا بالفن الشعبي المصري لأثبت للقارئ الكريم بعد فن حبيب عن النزول بتواضعه إلى المستوي الذي لا أرضاه له .

