الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 587 الرجوع إلى "الثقافة"

معرض الفن الاسبانى

Share

يعتبر معرض الفن الأسبانى - بعد أوركسترا فينا قبلهارمونيك - أكبر حدث فى بلادنا فى هذه السنوات الأخيرة . فقد جاء حافلا بالآثار الفنية الممتازة ، جامعا تختلف المدارس وشتى الاتجاهات .

ويحتل جويا مكان الشرف فى هذا العرض ، كما أنه من الناحية التاريخية أقدم من عرض لهم . وتتكون الرسوم التى عرضت له من صور لنقوشه المشهورة التى حفرها بماء الفضة على النحاس ، والتى تتألف من أربع مجموعات : " النزوات " وهو يهجو فيها المجتمع الأسبانى الذى كان قد تطرق إليه الفساد ، وبعدد معايب السلطة الحاكمة فى سخرية لاذعة .

و " الأمثال " وهى رسوم عجيبة وليدة مخيلة جامحة ، حتى لكأنها هذيان رأس محموم . فنشاهد فيها شياطين وسحرة ورجال دين مارقين وغوانى راقصات وأشباحا عارية . و" مصارعة التيران " وهى تصور تصويرا واقعيا أحب الملاهى لدى الأسبان . فكم من نطحات هائلة وطعنات رائعة ،

وكم من خيول راكضة كالسهام المارقة ، ومصارعين تحصرهم وتضيق عليهم الحيوانات الثاثرة . وأخيرا " ويلات الحرب " وقد أوحى إليه بها غزو جيوش نابليون لاسبانيا ، وحرب الاستقلال التى تلت ذلك ودامت أعواما تربو على الستة

وهى سلسلة من المشاهد البشعة لمناهج دامية ، حيث ترى نساء هتكت أعراضهن ، وبقرت بطونهن ، وجئا مدلاة من جذوع الأشجار ولم يحل وثاقها . .

وإنه لمن العسير عندما يشاهد الإنسان هذه الرسوم الغريبة ، ألا يتساءل عن صاحبها وسيرته  وفى الحقيقة لقد كانت حياة جويا ، مثل رسومه ، عجيبة مضطرية صاخبة . ولقد كانت له قامة فارعة ، وقوة خارقة ، ومهارة فائقة فى الملاكمة والمبارزة ، وقد أزهق أرواحا فى مشاجراته . وعمل مصارعا للثيران اشتهر بخفته ورشاقته ، وأخذ يتنقل من بلد إلى بلد ومن قطر إلى قطر . واختطف فى إيطاليا فتاة أولع بها من الدير حيث وضعها أهلها .

وعقد ، بعد فراره وعودته إلى بلاده حيث اشتهر بفنه ، أوثق الصلات مع أمراء إسبانيا ونبلائها . ولكنه كان يمل صحبتهم ويعود إلى الحمالين والسقائين يسامرهم ويلعب الورق معهم .

وكان جويا أبا لعشرين ولدا شرعيا ، ومع ذلك كنت تراه يمضى من حلبة المصارعة إلى خدر سيدة ، ومن هناك إلى " الاستديو " ليسجل طيشها ونزقها . وكان ينحنى فى أدب واحترام أمام السادة الكرام الذين قدموا ليصورهم ، ثم يشرع بعد أن يقودهم إلى الباب ، فى تثبيت نظراتهم

البليدة بريشته أو إبرته ، وإبراز المظهر الفارغ للثروة والأبهة الذى يبدون فيه .

ولهذه الرسوم إلى جانب دلالتها النفسية - حيث تبين الثورة التى كانت تحتمل فى نفس الفنان لرؤيته بلاده التى يحبها وسوس الفساد ينخر فيها - قيمة تاريخية ، إذ تنعكس فيها كل اسبانيا ، عاليها وسافلها ، بصبغتها المحلية ، وقد رأى مصادر الوحى المختلفة التى كانت تستمد منها مادتها . وقد حفظت لنا إلى الأيد - فى الوقت الذى أوشكت فيه أن تندثر - آثار ذلك العصر الذى عاش فيه جويا بالملامح والهيئات والأزياء ، وخلدت عالما بأكمله من مصارعى الثيران والفانيات والرهبان والمهربين ورجال الحفظ والسراق .

ولقد انتهت المدرسة الأسبانية بموت جويا . وأخذ البعض يتأثرون خطاه فى اتجاهه الرومانتيكى ، والبعض الآخر ينحون نحو المدرسة الكلاسيكية الحديثة التى كان يتزعمها الفنان الفرنسي دافيد . ثم لم يلبث الفن فى اسبانيا أن سار

بعد ذلك مع مختلف التيارات ، وخضع لشتى الاتجاهات فى المدارس الأوربية المتنوعة ، كما ترى ذلك فى الصور المنشورة .

اشترك في نشرتنا البريدية