الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 334 الرجوع إلى "الثقافة"

معرض الفن الشعبى

Share

هو معرض فذ في نوعه ، وأظن أنه أول معرض فني له مثل هذا الطابع الشعبي . وقد اقامه الاستاذ حبيب جورجي المفتش الأول للرسم بوزارة المعارف ، تحت رعاية الأميرة الكريمة شبوه كار ، نصيرة الفن ، هناك في السراي الصغري بأرض الجمعية الزراعية بالجزيرة .

ولهذا المعرض قصة طريفة لا تخلو من الدلالة . فقد قابلت الأستاذ حبيب جورجي منذ أيام ، وجري الحديث بيننا في أمور الفن ومكانه من التعليم . وكان الاستاذ يتحدث في حماسة تشبه حماسة الصوفي ، وكانت لغته في الحديث كذلك تشبه لغة الصوفي في انها لا تفهم بالعقول ، ولذلك كنت أستمع إليه عاطفا علي حماسته ، ولكن عقلي كان لا يفهم كثيرا مما يقول . كان يتحدث مثلا عن الفن بأنه كامن في النفوس ، وانه بمثابة " جنين " كامن في " الروح " وانه ) ميراث ( منحدر من القرون البعيدة لا يدرك الأفراد وجوده ، وإن كان من السهل نموه وظهوره بغير تعليم وبغير تدخل من الخارج ، وانه ليس علينا إلا أن نجعل الأفراد ينطلقون في التعبير عما في نفوسهم تعبيرا طبيعيا ، فيبدأون من البداية كما بدأ الفنان الأول في أول محاولاته منذ عهود بعيدة . فإذا ترك الأفراد أحرارا في نموهم فإنهم لا يلبثون أن يصلوا إلي مرتبة الإبداع من تلقاء طبيعتهم .

فكنت أستمع إلي الأستاذ عاطفا علي حماسته ، ولكني لا اكتم انني كنت أخفي في ضميري بسمات تشبه أن تكون بسمات شك وسخرية ، فإنني لم افهم الفاظه الغامضة : فما هذا الجنين الفني ؟ وما ذلك الميراث المنحدر من القرون ؟ وما ذلك السر الكامن في الروح ؟ كل هذه ألفاظ لم استطع أن أخرج منها بمعنى محدود ، فأولتها                     على انها مجرد دلالة على الحماسة ، ولم أعلق عليها بعد ذلك

أهمية . ولكني مع ذلك تلطفت في المناقشة تجملا وتأدبا ، وجاهدت نفسي علي ان نمتنع من إظهار الشك والسخرية . ولست من أهل الفن ، فليس من شأني أن اجادل ، وكثيرا ما كان امثال الأستاذ حبيب من المتحمسين رسل افكار جديدة لا يحسنون التعبير عنها ويطلعون على العالم اخيرا بكل جديد

وهكذا تركت الأمر جانبا كما يقولون

ثم دعاني الأستاذ بعد أيام أخري إلي زيارة المعرض الذي سماه معرض الفن الشعبي . فذهبت لأري بعيني ، ولم يخل قلبي من نية التحدي والمجادلة ، وكان أكبر ظني انني لن اري سوى بعض محاولات تحيطها دعاية عريضة يقصد بها التأثير والطنطنة و زغللة " العقول . ولكن وقفت أخيرا أمام معروضات ) الفن الشمي ( .

هو معرض عجيب فذ في نوعه بغير شك ؛ فالقطع المعروضة فيه من عمل ثلاث فتيات وصبي وهم جميعا من أهل الريف الذين لم يتلقوا تعليما في مدارس فنية . بل إنهم جميعا من الذين لم ينالوا حظا من التعليم إلا اليسير الذي يتلقنونه من معاشرة الأستاذ حبيب .

والفتيات صغيرات السن ، فكبراهن لا تزيد على السادسة عشرة وأسمها ) سيدة ( والوسطي لا تزيد على الثالثة عشرة واسمها ) سميرة ( ، والثالثة لاتزيد على العاشرة واسمها ) بدور ( . وأما الصبي فإني أسف إذ لم أذكر اسمه

ولست ادعي انني اعرف كثيرا في شئون الفن . ولست أذكر يوما انني استطعت ان اصنع بيدى شيئا يقرب من صناعة الفن ، ولكني مع ذلك احس اني اتحدث هنا عن موضوع هو أقرب إلي أن يكون كشفا علميا في التربية . فليس هذا الفن من صنع السادة الذين ذهبوا في البعوث إلي أوربا وكلفوا الدولة الوف الجنيهات ، بل هم من عامة الشعب وممن لا يعرفون الكبرياء ، بل هم ممن لا يعرفون أنهم من تلك الطائفة التى يسميها الناس طائفة الفنانين . هم من الفلاحين

من أبناء قرية امبابة ، وقد اختارهم الأستاذ حبيب ممن لا يعرفون قراءة ولا كتابة ، ثم تركهم ينطلقون كما قال ، فقطعت كبري البنات في طريقها ست سنوات ، وقطعت الوسطى ثلاث سنوات ، واما الصغري فقد بدأت منذ عام أو أكثر من العام بقليل

فهناك في المعرض نموذج من محاولات الفتاة الصغري في أول عهدها ، وهي لا تزيد كثيرا علي الصور التي يصنعها أبناء الفلاحين بالطين في أثناء لعبهم بجوار الحقول .

ثم هناك محاولات أخري تظهر فيها " روح الفن " وهي تتجلي شيئا بعد شئ حتى تصير بعد حين إلى شيء اخر لايملك الإنسان إلا أن يقف امامه مشدوها . فلو قيل لي إن بعض تلك التماثيل المعروضة في بهو السراي الصغري بالجزيرة من صنع المثال مختار او من صنع غيره من نوابغ أهل الفن لوقفت عدة دقائق مترحما عليه خاشعا أمام آثار نبوغه

كانت التماثيل الأخيرة آيات في البراعة والتعبير ، وكانت لكل منها فكرة ، ولكل منها طريقة ، وفي كل

منها روح . كانت طريقة " سيدة " غير طريقه " سميرة " وكانت طريقة " بدور " تختلف عن طريقتي زميلتها ، حتى لقد بلغ الامر إلي أنني كنت لا أجد صعوبة في تمييز فن الواحدة عن فن الآخري .

وإني أعرض هنا صورة واحدة ، لتمثال أبدعته سميرة ، وهي تكفي للدلالة على المستوي الذي بلغه من الفن هؤلاء الصغار من أبناء فلاحي الريف . هو تمثال امرأة فلاحة تجلس القرفساء ، وإلى جوارها زميلة من الفلاحات قد وضعت طفلها في حجرها . وليس من شك في أن الناظر إلي ذلك التمثال يذكر الشبه العظيم الذي بينه وبين تماثيل قدماء الفنانين في أيام الأسرة الثامنة عشرة المصرية .

أليس الأستاذ حبيب على حق في قوله إن للفن جنينا منحدرا من القرون البعيدة

وهذه صورة أخري وهي من صنع سيدة ، وتكفي للدلالة على مقدار استعداد تلك الفتاة الفلاحة للأبداع

لست استطيع أن أبلغ في هذه الكلمة ما ارضاه من التعبير عن الإعجاب الذي أحسسته

ولست استطيع أن أبين ما داخلني من الأمل العظيم في استعداد هؤلاء الفلاحين ، إذا هم وجدوا فرصة الانطلاق .

فتعليم هؤلاء لا يحتاج إلى أكثر من ان تدعهم ينطلقون . وإذا كان الأستاذ حبيب قد برهن على أن الانطلاق يكشف عن الجنين الفني ، فإنني قد اصبحت أقرب إلي اليقين بأن هؤلاء الفلاحين إذا وجدوا فرصة الانطلاق أمكن أن يبلغوا مرتبة النبوغ في الفكر والذكاء والإنتاج

إن هؤلاء الفلاحين يضمرون اجنة عدة في ارواحهم ، وليس الجنين الفني إلا واحدا منها .

لقد برهن الأستاذ حبيب في هذا المعرض الفذ على حقيقة لم يستطع أن يعبر عنها بألفاظه الغامضة . برهن على أن النبوغ في الفن لا يحتاج إلي التعليم ، بل يحتاج إلي مجرد الانطلاق تحت إشراف العين المرشدة العاطفة . وما احرانا في التعليم كله أن نتنبه إلي هذا المعني ، فنجعل شعارنا فيه ترك المجال للانطلاق .

ولست اتردد في ان أرجو كل من تقع عينه على هذه الكلمات أن يكلف نفسه الذهاب إلي معرض الفن الشعبي . فهناك يستطيع ان يري إلي أي حد يستطيع ابناء ، الفلاحين أن يصلوا ، وإلى أي مستوي من النبوغ يمكنهم ان يرتفعوا .

إن فن هؤلاء الفتيات الصغار كشف جديد لا يقل عن كشف منجم غني من اثمن المناجم

فهناك روح مصر تبدو لمن يحاول الانكار . هناك يمكن أن نفهم كيف استطاع الفنان المصري القديم ان يبهر العالم عند ما انطلق في فنه ، وهناك يمكن ان نلمح صورة من ذكاء الفلاحين ، إذا اتيحت له فرصة الانطلاق في سائر ميادين الذكاء .

ولست أملك في آخر هذه الكلمة إلا أن أرسل تحية مخلصة إلي الرجل الذي كنت في أول الأمر اضمر له في حديثي بسمة العطف الساخرة . ارسل تحيتي إلى حبيب جورجي الفنان الموهوب ، الذي عرف الطريق إلى سر الفن الكمين . إني احييك يا حبيب جورجي ، واحيي تلميذاتك النابغات الفلاحات . ولعل هذه التحية المخلصة تستغفر لي عن البسمات التي كنت أخفيها عنك تأدبا وتجملا ، عند ما كنت لا اقدر على فهم فلسفتك الفنية .

اشترك في نشرتنا البريدية