لما نشبت الحرب الحاضرة ، واشتبكت فيها ثلاث من دول أوربا العظمى ، هى ألمانيا وانكلترا وفرنسا ، وتدخلت لاجتناء بعض فوائدها دولة رابعة هى روسيا ، كانت إيطاليا هى الدولة الأوربية الوحيدة التى تشغل دور الحكم ، وكانت تتبوأ يومئذ فى حلبة السياسة الأوربية مقاما لم تبلغه من قبل ، ولبثت أشهرا قبل دخولها فى الحرب إلى جانب شريكتها فى المحور قبلة أنظار المتفائلين
ودعاة السلم ، يخطب ودها الفريقان المتحاربان ، وتحاول انكلترا وفرنسا إرضاءها بكل ما وسعنا من العروض المعقولة ؛ وكان فى وسعها أن تجتنى بالمحافظة على حيدتها أطيب الثمرات ، ولكنها كانت تتربص الحوادث ، فلما رأت فرنسا صريعة فى الميدان وظنت أن الوقت قد حان لاجتناء نصيبها من الأسلاب ، دخلت الحرب إلى جانب ألمانيا ، ودفعتها روح الفاشستية الباغية ، وأحلامها
الأمبراطورية المغرقة ، إلى أن تزج بنفسها دون تبصر إلى الهاوية التى تتردى الآن فى حماتها .
وكان الاضطلاع بالحرب فى البحر الأبيض المتوسط وأفريقية هو الدور الذى أسند إلى إيطاليا منذ البداية ؛ وكان زعماء الفاشستية يحلمون بإحراز انتصارات سريعة باهرة فى هذه الميادين التى يسمونها بمجال إيطاليا الحيوى ؛ وكانت إيطاليا تستعد بالفعل للقيام بهذا الدور منذ أعوام ؛ فقد وزعت جيوشها وقواتها المصفحة والجوية فى ألبانيا ورودس تحفزا للعمل فى البلقان وشرقى البحر الأبيض المتوسط ، وفى لوبيه استعدادا للزحف على وادى النيل ، وفى الحبشة استعدادا لغزو السودان وأفريقية الشرقية البريطانية ؛ ولبثت تجد فى الاستعداد فى هذه الميادين قبل نشوب الحرب بمدة طويلة ؛ وكانت تعتقد بعد انهيار فرنسا ، وما ترتب عليه من اضطراب خطط الدفاع البريطانى مؤقتا فى الشرق الأدنى وأفريقية ، أنها ستصل إلى أهدافها وفق ما تنشد ؛ وشجعها على هذا الأمل الخلب أنها استطاعت أن تحتل الصومال البريطانى وكسلا ، وأن تسير جيوشها فى الصحراء الغربية دون مقاومة حتى سيدى برانى ، وأنها حين اعتدت على اليونان استطاعت جيوشها أن تتقدم فى البداية بضعة أميال داخل الأراضى اليونانية ؛ ولكن هذا الحلم ما لبث أن تبدد أولا فى الحرب اليونانية ؛ حيث انكشفت قوى الفاشستية بسرعة ، وردت على أعقابها فى ألبانيا بخسائر فادحة ، وأصيبت فى البحر والجو على يد الأسطول البريطانى وسلاح الطيران البريطانى بعدة ضربات شديدة ؛ ثم كان دور الصحراء الغربية ، حيث استطاعت القوات البريطانية أن تداهم قوات المارشال جراسيانى وقواعده الهجومية فى سيدى برانى ، وأن تكتسحها بسرعة مدهشة ، وأن تتابع زحفها حتى حدود لوبيه ، وأن تطهر الأراضى
المصرية من الغزاة فى أيام قلائل ، وان تتوغل بعد ذلك فى لوبيه فى أعقاب الجيش المنهزم ، وأن تنتزع حصون البردية المنيعة من يد حاميتها القوية ، وأن تأسر من الجيش المنهزم عشرات الألوف ، وأن تغنم معظم سلاحه وعتاده ؛ وهى الآن تطوق طبرق ، ميناء برقة الرئيسى ، وقد تسقط فى يدها قبل أيام قلائل .
وهكذا تنهار آمال الفاشستية تباعا فى شهرين فقط ، بعد أن لبثت منذ غزو الحبشة خمسة أعوام تستعد لتحقيقها بالسيف ، وترتكب العدوان يلى العدوان ، وتنكشف قواها فى جميع الميادين بصورة يرثى لها . وقد كنا نظن حينما بدأت القوات البريطانية هجومها فى الصحراء الغربية أنها ستقنع مؤقتا بتطهير الأراضى المصرية ، والاستيلاء على مثلث السلوم والبردية وجغبوب ، وذلك نظرا لطول المسافات التى قطعتها فى توغلها ، وبعدها بذلك عن قواعدها الرئيسية ؛ وأنها قد تبدأ العمل بعد ذلك فى الساحة الحبشية ؛ ولكن الظاهر أن القيادة البريطانية قدرأت ، بعد الذى أحرزته من توفيق فى الأعمال الحربية الأخيرة ، أن تتابع توغلها فى برقة مراحل أخرى ، وأنها قد ترى بعد الاستيلاء على طبرق الزحف على درنة ثم بنغازى ؛ وقد ترى إذا سنحت الفرص ، أن تستمر فى توغلها حتى تقضى على القوات الايطالية فى لوبيه كلها
أما عن الحرب فى أفريقية الشرقية ، وخطط القيادة البريطانية فيها ، فقد كشف الجنرال سمطس رئيس حكومة اتحاد جنوبى أفريقية ، فى خطاب أذاعه عن مشاريع القيادة البريطانية فى هذه الساحة ، فذكر أن الايطاليين يحتفظون فى هذه الجبهة بجيش بلغ نحو مائتى ألف ، ولا يقل استعدادا عن الجيش الذى حطمته القوات البريطانية فى الصحراء الغربية ؛ وأن القوات البريطانية
اكتفت حتى الآن بأن تعمل لمطاولة هذا الجيش أو شل حركاته ، ولكنها ستضطلع فى سنة ١٩٤١ بمهمة أخطر ، وهى العمل لتطهير الحبشة من العدو ، واسترداد الصومال البريطانى الذى استولت عليه قوات معادية متفوقة فى العدد . والجنرال سمطس من أعظم ساسة الأمبراطورية البريطانية وأبعدهم نظرا ، ومن أقطاب المنظمين لحركة الدفاع الأمبراطورية ، وقد اشترك فى المؤتمرات التى عقدتها القيادة البريطانية أخيرا فى السودان وشهدها مستر إيدن وزير الدفاع البريطانى يومئذ ، ولهذا فإن لتصريحاته أهمية خاصة ؛ وفى وسعنا أن نتوقع بالفعل وقوع تطورات عسكرية خطيرة فى هذه الساحة فى المستقبل القريب .
والواقع أن طلائع الهجوم البريطانى فى شرقى أفريقية تبدو منذ حين وتشتد يوما عن يوم ؛ فقد استردت القوات البريطانية نقطة القلابات الواقعة على الحدود السودانية الحبشية من الشرق ، وهى تشدد الضغط على الايطاليين فى هذه المنطقة وفى منطقة كسلا تمهيدا لاستردادها . هذا ومن جهة أخرى فإنه يستفاد من الأنباء الأخيرة أن مجرى الحوادث فى الحبشة قد يسفر فى القريب العاجل عن نتائج هامة ؛ فقد بدت طلائع الثورة على الإيطاليين فى بعض الأقاليم الحبشية ، واضطر الايطاليون إلى إخلاء منطقة جوبا والتراجع إلى الداخل ، وتبدو خطورة الحوادث المقبلة فى هذه الساحة أيضا فيما تبديه الحكومة البريطانية من استعداد لتسهيل ترحيل النساء والأطفال الايطاليين من أفريقية الشرقية إذا طلبت إليها إيطاليا ذلك ؛ وفى تصريحات الإمبراطور السابق هيلاسلاسى الذى يوجد الآن فى الخرطوم ، على مقربة من بلاده ، ما يدل على أنه يستعد قريبا للعمل ، وقيادة القوات الحبشية الوطنية ، ضد الايطاليين ؛ وقد يقع ذلك قبل بدء الهجوم البريطانى على
الحبشة لانهاك قوى الجيش المحتل ، وقد يقع فى نفس الوقت ؛ وعلى أى حال فمن المرجح أن الجيش الايطالى فى الحبشة يواجه الآن ظروفا صعبة ، بعد أن مرت عليه أشهر ، وهو منقطع الصلة بايطاليا ، ومرغم على الاكتفاء بما لديه من موارد ومؤن وذخائر تنضب يوما بعد يوم ؛ هذا إلى ما يواجهه من صعاب داخلية فى بلاد يحتلها بقوة السيف ؛ وقد كان الجيش الايطالى فى الحبشة يعتمد من الناحية ((الاستراتجية)) على معاونة زميله فى لوبيه وعلى كونه يستغرق اهتمام القوات البريطانية ونشاطها فى الشمال ؛ بل كان كل منهما يحلم بأن يلتقى مع الآخر ، فى خطة عسكرية مزدوجة ، يخترق بها جيش الحبشة السودان إلى حدود مصر الجنوبية ، ويلقاه جيش لوبيه فى اتجاه واحة الكفرة ؛ ولكن ما أصاب جيش المارشال جراسيانى أخيرا من الضربات الأليمة قد قضى على هذا التناسق بين عمل الحبشين قضاء مبرما ؛ وفى وسع القيادة البريطانية أن توجه بعض قواتها من الجبهة المصرية للعمل فى الساحة الحبشية ، فتستطيع بتعاونها مع قوات أفريقية الجنوبية ، وكنيا والسودان ، أن تنظم على الحبشة هجوما سريعا ساحقا كالذى نظمته على جيش المارشال جراسيانى فى لوبيه .
ومتى ثم القضاء على الجيش الايطالى فى الحبشة ، أسوة بزميله فى لوبيه ، فان قوى إيطاليا العسكرية تكون قد حطمت بصورة لا يمكن أن تنهض معها بعد . وقد لاحظ بعض النقدة العسكريين حينما دخلت إيطاليا الحرب أن توزيع قواتها على هذا النحو ، فى البانيا ورودس ولوبية والحبشة ، مع تعرض مواصلات هذه الجيوش بايطاليا للانقطاع ، إذا استطاع الأسطول البريطانى أن يسيطر على البحر الأبيض المتوسط ، هو توزيع خطر يعرض قوى إيطاليا العسكرية للانهيار ؛ وقد تحققت
ملاحظة أولئك النقدة تمام التحقق فيما نشهد اليوم من انهيار الجيوش الايطالية فى هذه الساحات تباعا ، دون أن تستطيع إيطاليا أن تنجدها بطريقة ناجحة .
ومن الواضح أن انهيار قوة إيطاليا العسكرية على هذا النحو معناه انهيار امبراطوريتها الاستعمارية التى كانت تحلم بمضاعفتها بالاستيلاء على وادي النيل ، ومعناه أن بريطانيا العظمى قد كسبت معركة الامبراطورية التى عهد إلى إيطاليا أن تخوضها ضدها ، لكى تشل قواها ، وتهدد مواصلاتها وخطوطها الدفاعية الامبراطورية ؛ وقد كانت هذه المعركة تضطرم فى الواقع بين بريطانيا العظمى وإيطاليا منذ غزو إيطاليا للحبشة فى سنة ١٩٣٥ ؛ وكان احتلال إيطاليا للحبشة إلى جانب احتلالها لوبيه خطرا على وادى النيل ، وعلى الأملاك البريطانية فى شرقى إفريقية ؛ فالآن يتفوض هذا الصرح الاستعمارى الذى حاولت الفاشستية بناءه بالقوة الغاشمة سراعا ، والمفهوم أن الخطط البريطانية تتجه كما صرح الجنرال سمطس إلى سحق هذا الصرح فى افريقية سحقا تاما ، فيطرد الايطاليون من لوبيه ( برقة وطرابلس ) ، ويطردون من الحبشة ، وتغدو كما كانت دولة مستقلة تحت حكم امبراطورها السابق ، وتنتزع منهم الأرترية والصومال وتوضعان تحت الحكم البريطانى . أما جزر الدوديكانيز ( رودس وغيرها ) ، فالمفهوم أنها سوف ترد بعد النصر النهائى إلى أمها القديمة اليونان ، وأما البانيا فسوف يرد إليها استقلالها الداخلى الذى كانت تتمتع قبل الغزو الايطالى ؛ وبذلك تجرد إيطاليا من جميع أملاكها الاستعمارية ، وتغدو كما كانت منذ نصف قرن دولة ثانوية ، ليس لها كبير أثر فى سير الشئون الدولية ، وتحمل بذلك تبعات ما ارتكبته الفاشستية الباغية مدى عشرين عاما من ضروب العنف والغصب والاعتداء .
هذا ، ولم يبد حتى الآن أن ألمانيا قد اعتزمت أن تسارع إلى نجدة حليفتها المنهزمة بصورة ناجحة ؛ وقد ظهر أخيرا من اشتراك الطائرات الألمانية فى حوادث المعركة البحرية التى وقعت فى مياه صقيلية الجنوبية بين السفن الحربية البريطانية والسفن الحربية الإيطالية ، وغرقت فيها مدمرة إيطالية ، وأصيبت بعض السفن البريطانية ببعض الخسائر والأضرار - أن ألمانيا قدمت إلى حليفتها بعض المعاونة الجوية ؛ ولكن مثل هذه المعاونة المحدودة لا يمكن أن تؤثر فى مجرى الحوادث تأثيرا يذكر ، أو تحول دون استمرار الهزائم الإيطالية فى الميادين البرية . وليس هناك حتى الآن ما يدل على أن ألمانيا ستقدم على اجتياح البلقان فى القريب العاجل لانجاد الجيش الإيطالى فى ألبانيا ؛ ولو شاءت أن تقوم بهذا الاتجاه لفعلت منذ البداية ؛ ومن الصعب الآن إزاء غموض الحالة فى البلقان ، وتضارب الإشاعات المختلفة - التى يظن على الأغلب أنها من صنع الدعاية الألمانية ، كنوع من حرب الأعصاب التي درجت على شهرها من آن لآخر - أن نتبين وجهة الحوادث فى هذه المنطقة بصورة واضحة ، ولا سيما إزاء الموقف الغامض الذى تقفه روسيا من ألمانيا ومن الحوادث البلقانية ؛ ولا بد لنا من أن ننتظر قليلا حتى تبدو طلائع الحوادث المقبلة ( *** )

