حينما بدأت معركة البحر الأبيض المتوسط في شهر سبتمبر الماضى، يزحف الجيوش الايطالية على مصر وتقدمها حتى سيدى برائى ، كانت إيطاليا لا تزال عاملا هاماً يحسب حسابه في الموقف ؛ وكانت بريطانيا العظمى تواجه يومئذ ألمانيا الظافرة في الغرب ، وترتقب وقوع الغزو الألمانى بين آونة وأخرى ، وقد ظهرت طلائع هذا الغزو بالعمل في الغارات الجوية الهائلة التي نظمها الألمان يومئذ على انكلترا ؛ وكانت المعاونة الأمريكية لبريطانيا لا تزال بعيدة عن التحقيق ؛ وكان الموقف كله قائما يدعو
إلى كثير من التوجس والتشاؤم ، ولكن معركة البحر الأبيض تطورت فجأة عقب الاعتداء الايطالي على اليونان فى أواخر أكتوبر الماضي حينما ظهر عجز الفاشتية الفاضح في قهر هذه الأمة الصغيرة الباسلة ؛ ثم كانت معركة الامبراطورية في الصحراء الغربية ، فاكتسحت القوات البريطانية ولاية برقة ، ومرقت جيش جراسياني الفاتح، وقضت على أمبراطورية موسوليني في شرق أفريقية ، ومكن الأسطول البريطاني لسيطرته على البحر الأبيض بسلسلة من الضربات القوية التي أنزلها بالأسطول الايطالي
لم يصب ، فسرعان ما وثب إلى حيث أرسل يدى، وأقبل من فوره على شأنه، ما دفع إلا رجع ، ولا زجر إلا عاد؟ فلم يسعنى إلا أن أرفع هذه الصحفة الملوثة الموجودة، وأمحيها بعيداً وأقرب غيرها ، وموضى على الله على أنه لم يعفها ولم يعفنى ؛ فلقد هبط منها مهيطه من أختها، فأدرت الطبق كذلك ، فدار معه حتى استقر منه في منحدر يدي . وكان الفيظ قد بلغ منى قصارى قصاراه، فأهويت يكفى عليه لأقتله وأخلص من لؤمه وأذاء ، فتكسر الطبق شظايا ، وتناثر الطعام على الخوان ، وأسباب وجهى وثوبي منه رشاش ؛ أما الذباب فلم يكنه الإفلات من هذه الضربة الساحقة ؛ بل لقد راح يمرع في هذا الذي تطاير الخوان ! فقمت من المائدة وأنا أحلف بكل مؤتمة من الايمان أن لا أذوق في ليلتي أي طعام !
أويت إلى فراشي ، أرجو بهجمة خفيفة أن أستريح ولو من بعض ما أجد ، ولكن كيف لى بالنوم وقد قيل : ولا نوم الجائع » . ولو دار الأمر على الجوع وحده لهان الخطب ، فإن وراء الجوع نار القيظ وثورة الغضب وهذان وحدهما زعيمان ينفى المنام الليالي الطوال.
وأفكر ، ترقيم لعمرى أفكر إلا في الذباب ، ولوم الذباب ، وتهافت الذباب ، وأذى الذباب ، وخطر الذباب وما يجلبه الشباب من علل وأسقام ، وأرزاء جسام !
وجعلت ، في مطرحي ، أسائل نفسي، وقبل كل شيء أنبهك يا صديقي إلى ما تعلم من أننى عظيم الإيمان بالله تعالى ، وثيق الاعتقاد ، بظهر الغيب ، في بالغ حكمته في كل جليل ودقيق من خلقه.
رحت أسائل نفسى : ترى ما حكمة الله الحكيم في بث هذا الدياب ، وهو على ما ترى لا يحمل إلا قذراً ، ولا يولى إلا أذى و ضرراً ؟ وليكم يهدم ، بفرط تهافته ،
الأعصاب ، ويشيع مالا يحصى من الغلل والأوضاب ، ويبلغ وحده ما لا تبلغ الحروب من أسباب الدمار والخراب. ومع هذا لم يظهر العلم له أية ثمرة ولو دقت ، ولم يجل طول الزمان له منفعة ولو هانت، بل إنه لشر كله ، وأذى مستمر في أوله وآخره، وبلاء عظيم في ظاهره وباطنه . لا يدع الانسان في لحظة من نهار، في اطمئنان ولا قرار . وكلما زاده من وجهه أو يده، أو من طعامه أو شرابه ، عاد من فوره، فأثبت رجله حيث كانت ، ما تنحرف قيد 1/1000 من الشعرة ، لا من وراء ولا من قدام ، ولا ذات اليمين ولا ذات الشمال. بحيث لو استعان المرء بأدق الآلات الهندسية والفلكية ما بلغ هذا المدى في تحرير المكان . ولقد يبلغ من شدة تهافته أن يقع في الطعام أو الشراب، فاذا ترك وشأنه مات من الاختناق ؛ بل إنه ، على حدة حسه ، ليقع في فنجانة القهوة، وهى لما نزل تتنفس بالحار الشديد من البخار . وما أرى أنه خرج من هذه الميتة الشنيعة بشيء إلا أنه أعلى نفسك ونقص عليك مزاجك :
وبعد ، فأنت خبير بما يحمل هذا الطائر اللئيم من ملايين المكروبات ، لا تفتأ تفرح أشد الملل وأفتك الأوباء ، في حين تعيي السلامة منه ، ويعجز الأمن من أداء . فاذا زعمت أن من الفواتك ما يقتله ، فذاك بقدر ما نقل الأبواب والنوافذ محكمة الاغلاق ، حيث يغمر الغرفة الظلام، ويدعو التنفس في جوها إلى الاختناق . حتى إذا فتحت النوافذ والأبواب لتجديد الهواء ، دخل من الذبان أكثر مما خرج ، وتطاير منها في الغرفة أعظم مما هلك :
اللهم إن هذا بعض ما ابتلى الانسان من الذباب من قديم الزمان أو من أول الزمان . فترى أيكشف العلم فيه مزية، ويقع منه على منفعة تكافئ هذا القدر الهائل من الضر والفساد ؟
وجعل الذهن ، برغمى ، يدور في هذا متلمساً موطن الحكمة في هذا الخلق الضار الشرير. وكلما طلبت التفرج بالفكر فى شىء آخر ، رأيت الأمر يتعاصى على ، فقد استغرق حديث الذباب كل تفكير ، وملك على الذهن جميع مذاهب التصور والتقدير :
وفيما أنا في ذلك ، إذ قرع مسمعى طنين ذباب ، ولكنه أشبه ما يكون، في عنفه وقوته ، بهمهمة فهد أو بزئير أسد فحولت وجهى وأرسلت بصرى ، فإذا ذباب في جرم الغراب . ثم لم يرعنى إلا أن تجمل ينتفخ وينتفش حتى صار مثل الديك الرومى . ثم مازال ينتفخ وينتفش حتى صار في حجم النعامة ، لولا أن جسمه كله كاس بالريش لا يعرى منه شيء ، ولولا أن رأسه موصول بما بين كتفيه لا يفصل بينهما عنق. فإذا حرك رأسه فمن أعلى إلى أسفل ثم من أسفل إلى أعلى ، كأنما وصل بين رأسه وكتفه بمفصلة ، ولولا أنه مزود في مقدم صدره بخراطيم على حين ليست النعام خراطيم .
ويقبل هذا الذباب الضخم على وهو يرفع رأسه ويخفضه ، فتداخلنى من الذعر ما أزاغ البصر ، وكاد يخلع شعبة من شعب القلب. فبادرنى بقوله ، في لسان عربي صحيح : لن تُراع ! لن تراع ! فإن الشيطان إذا كان قد أزنق فكرك إلى هذا ، فإنه ما زالت تعصمك قوة إيمانك ، فقلت : الحمد لله رب العالمين ، قال : فلو عملت بقول الله في كتابه الكريم : « وإما ينزغنك من الشيطان نزع فاستعذ بالله إنه سميع عليم » ! فقلت : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم . قال : والآن فاسمع يا هذا : ما أشد ذهابكم ، يا بني آدم ، بأنفسكم وافتتانكم بعقولكم ، وتتابهكم بهذا القدر الضئيل الذى تعلمون من ظاهر الحياة الدنيا وما أوتيتم من العلم إلا قليلا
تتساءل ياهذا في حكمة الله ، جل مجده، في خلق الذباب وبثه . وتشكر ما يلون للناس من الأذى فى صحتهم وفى حياتهم ، وقد ذهب عنك ، أيها الأبله ، أن هذا الذى تنكر من فعل الذبان ، هو بعض حكمة الحكيم في خلق الذبان . فلقد تعلم أنه لولا شيوع الأمراض والعلل ، لمامات أكثر من يموت من الناس في كل يوم وفي كل ساعة ، وإذا لأطردت الزيادة في عدتكم ، يا بني آدم ، حتى تضيق بكم مساحة الأرض، ويعيجز بطنها وسائمتها عن مواناتكم بما يكفى لبعض طعامكم وكسوتكم . فلا مفر لكم من التناحر والتفائل في التماس أسباب العيش ، حتى ليقتل الوالد ولده ، وتأكل الأم طفلها، طوعاً لغريزة استبقاء الحياة . وكذلك لا يلبث العالم كله أن تسوده الفوضى ، وهى أهم عوامل الفناء . فالموت إذا ، أيها الأبله ، هو أبلغ أسباب الحياة (1) .
ثم إذا كنتم تنكرون ، أيها الأغفال ، ما ينشر الذباب فيكم من أسباب الأمراض والعلل ، وتتمنون على الحياة تعيشون الدهر في صحة وعافية ؛ فمن أين ، لعمرى ، هذه الجيوش الجرارة من الأطباء والممرضين ، والممرضات ، وخدم العيادات والمستشفيات، والصيدليين وعمال الصيدليات، وأصحاب مصانع الأدوية والعاملين فيها ، ومنتجي المواد الأولية للعقاقير الطبية . ومن وراء كل هؤلاء ممن يعولونهم ، ويعودون بهذا السعى على شملهم !
ثم لا تنس العاملين في أسباب الموت من (الحانونية) واللحادين (التربية) وباعة الأكفان ، وسواقي عربات الموتى ، وغير أولئك ممن لا يصيبون الأرزاق والأقوات ، إلا بفضل الموت والأموات
وسكت برهة ، ثم قال : أفآمنت الآن أن ذباباً واحداً أجدى على العالم وأعود بالخير على نظامه منك ومن عشرة من أمثالك ! . فقلت : آمنت بالله
ثم لم يرعنى إلا أن أرى هذا الخلق الكبير جمل يصغر ويضمر، حتى عاد ذباباً في جرم سائر الذباب ، ثم طار فوقع على ميق عينى ، وجمل يفحصه برجله فحصاً غير رفيق . وما كنت أتهيأ للقيام ، حتى أدركت أني كنت في أحكم الأحلام !
وفرغ صاحبي من حديثه ، فقلت له : إذا فقد آمنت بأنك ، في هذه الحياة ، لا تساوى ذباًبا ؟ قال : ولا عشر ذباب . وكذلك يكفينى الله شرور الغرور والافتتان ، وهما أشد مهالك الانسان ، فقلت : رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه

