الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 121الرجوع إلى "الثقافة"

معركة البحر الأبيض المتوسط

Share

حينما بدأت معركة البحر الأبيض المتوسط في شهر سبتمبر الماضى، يزحف الجيوش الايطالية على مصر وتقدمها حتى سيدى برائى ، كانت إيطاليا لا تزال عاملا هاماً يحسب حسابه في الموقف ؛ وكانت بريطانيا العظمى تواجه يومئذ ألمانيا الظافرة في الغرب ، وترتقب وقوع الغزو الألمانى بين آونة وأخرى ، وقد ظهرت طلائع هذا الغزو بالعمل في الغارات الجوية الهائلة التي نظمها الألمان يومئذ على انكلترا ؛ وكانت المعاونة  الأمريكية لبريطانيا لا تزال بعيدة عن التحقيق ؛ وكان الموقف كله قائما يدعو

إلى كثير من التوجس والتشاؤم ، ولكن معركة البحر الأبيض تطورت فجأة عقب الاعتداء الايطالي على اليونان فى أواخر أكتوبر الماضي حينما ظهر عجز الفاشتية الفاضح في قهر هذه الأمة الصغيرة الباسلة ؛ ثم كانت معركة الامبراطورية في الصحراء الغربية ، فاكتسحت القوات البريطانية ولاية برقة ، ومرقت جيش جراسياني الفاتح، وقضت على أمبراطورية موسوليني في شرق أفريقية ، ومكن الأسطول البريطاني لسيطرته على البحر الأبيض بسلسلة من الضربات القوية التي أنزلها بالأسطول الايطالي

لم يصب ، فسرعان ما وثب إلى حيث أرسل يدى، وأقبل من فوره على شأنه، ما دفع إلا رجع ، ولا زجر إلا عاد؟ فلم يسعنى إلا أن أرفع هذه الصحفة الملوثة الموجودة، وأمحيها بعيداً وأقرب غيرها ، وموضى على الله على أنه لم يعفها ولم يعفنى  ؛ فلقد هبط منها مهيطه من أختها، فأدرت الطبق كذلك ، فدار معه حتى استقر منه في منحدر يدي . وكان الفيظ قد بلغ منى قصارى قصاراه، فأهويت يكفى عليه لأقتله وأخلص من لؤمه وأذاء ، فتكسر الطبق شظايا ، وتناثر الطعام على الخوان ، وأسباب وجهى وثوبي منه رشاش ؛ أما الذباب فلم يكنه الإفلات من هذه الضربة الساحقة ؛ بل لقد راح يمرع في هذا الذي تطاير الخوان ! فقمت من المائدة وأنا أحلف بكل مؤتمة من الايمان أن لا أذوق في ليلتي أي طعام !

أويت إلى فراشي ، أرجو بهجمة خفيفة أن أستريح ولو من بعض ما أجد ، ولكن كيف لى بالنوم وقد قيل : ولا نوم الجائع » . ولو دار الأمر على الجوع وحده لهان الخطب ، فإن وراء الجوع نار القيظ وثورة الغضب وهذان وحدهما زعيمان ينفى المنام الليالي الطوال.

وأفكر ، ترقيم لعمرى أفكر إلا في الذباب ، ولوم الذباب ، وتهافت الذباب ، وأذى الذباب ، وخطر الذباب وما يجلبه الشباب من علل وأسقام ، وأرزاء جسام !

وجعلت ، في مطرحي ، أسائل نفسي، وقبل كل شيء أنبهك يا صديقي إلى ما تعلم من أننى عظيم الإيمان بالله تعالى ، وثيق الاعتقاد ، بظهر الغيب ، في بالغ حكمته في كل جليل ودقيق من خلقه.

رحت أسائل نفسى : ترى ما حكمة الله الحكيم في بث هذا الدياب ، وهو على ما ترى لا يحمل إلا قذراً ، ولا يولى إلا أذى و ضرراً ؟ وليكم يهدم ، بفرط تهافته ،

الأعصاب ، ويشيع مالا يحصى من الغلل والأوضاب ، ويبلغ وحده ما لا تبلغ الحروب من أسباب الدمار والخراب. ومع هذا لم يظهر العلم له أية ثمرة ولو دقت ، ولم يجل طول الزمان له منفعة ولو هانت، بل إنه لشر كله ، وأذى مستمر في أوله وآخره، وبلاء عظيم في ظاهره وباطنه . لا يدع الانسان في لحظة من نهار، في اطمئنان ولا قرار . وكلما زاده من وجهه أو يده، أو من طعامه أو شرابه ، عاد من فوره، فأثبت رجله حيث كانت ، ما تنحرف قيد 1/1000 من الشعرة ، لا من وراء ولا من قدام ، ولا ذات اليمين ولا ذات الشمال. بحيث لو استعان المرء بأدق الآلات الهندسية والفلكية ما بلغ هذا المدى في تحرير المكان . ولقد يبلغ من شدة تهافته أن يقع في الطعام أو الشراب، فاذا ترك وشأنه مات من الاختناق ؛ بل إنه ، على حدة حسه ، ليقع في فنجانة القهوة، وهى لما نزل تتنفس بالحار الشديد من البخار . وما أرى أنه خرج من هذه الميتة الشنيعة بشيء إلا أنه أعلى نفسك ونقص عليك مزاجك :

وبعد ، فأنت خبير بما يحمل هذا الطائر اللئيم من ملايين المكروبات ، لا تفتأ تفرح أشد الملل وأفتك الأوباء ، في حين تعيي السلامة منه ، ويعجز الأمن من أداء . فاذا زعمت أن من الفواتك ما يقتله ، فذاك بقدر ما نقل الأبواب والنوافذ محكمة الاغلاق ، حيث يغمر الغرفة الظلام، ويدعو التنفس في جوها إلى الاختناق . حتى إذا فتحت النوافذ والأبواب لتجديد الهواء ، دخل من الذبان أكثر مما خرج ، وتطاير منها في الغرفة أعظم مما هلك :

اللهم إن هذا بعض ما ابتلى الانسان من الذباب من قديم الزمان أو من أول الزمان . فترى أيكشف العلم فيه مزية، ويقع منه على منفعة تكافئ هذا القدر الهائل من الضر والفساد ؟

وجعل الذهن ، برغمى ، يدور في هذا متلمساً موطن الحكمة في هذا الخلق الضار الشرير. وكلما طلبت التفرج بالفكر فى شىء آخر ، رأيت الأمر يتعاصى على ، فقد استغرق حديث الذباب كل تفكير ، وملك على الذهن جميع مذاهب التصور والتقدير :

وفيما أنا في ذلك ، إذ قرع مسمعى طنين ذباب ، ولكنه أشبه ما يكون، في عنفه وقوته ، بهمهمة فهد أو بزئير أسد فحولت وجهى وأرسلت بصرى ، فإذا ذباب في جرم الغراب . ثم لم يرعنى إلا أن تجمل ينتفخ وينتفش حتى صار مثل الديك الرومى . ثم مازال ينتفخ وينتفش حتى صار في حجم النعامة ، لولا أن جسمه كله كاس بالريش لا يعرى منه شيء ، ولولا أن رأسه موصول بما بين كتفيه لا يفصل بينهما عنق. فإذا حرك رأسه فمن أعلى إلى أسفل ثم من أسفل إلى أعلى ، كأنما وصل بين رأسه وكتفه بمفصلة ، ولولا أنه مزود في مقدم صدره بخراطيم على حين ليست النعام خراطيم .

ويقبل هذا الذباب الضخم على وهو يرفع رأسه ويخفضه ، فتداخلنى من الذعر ما أزاغ البصر ، وكاد يخلع شعبة من شعب القلب. فبادرنى بقوله ، في لسان عربي صحيح : لن تُراع ! لن تراع ! فإن الشيطان إذا كان قد أزنق فكرك إلى هذا ، فإنه ما زالت تعصمك قوة إيمانك ، فقلت : الحمد لله رب العالمين ، قال : فلو عملت بقول الله في كتابه الكريم : « وإما ينزغنك من الشيطان نزع فاستعذ بالله إنه سميع عليم » ! فقلت : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم . قال : والآن فاسمع يا هذا : ما أشد ذهابكم ، يا بني آدم ، بأنفسكم وافتتانكم بعقولكم ، وتتابهكم بهذا القدر الضئيل الذى تعلمون من ظاهر الحياة الدنيا وما أوتيتم من العلم إلا قليلا

تتساءل ياهذا في حكمة الله ، جل مجده، في خلق الذباب وبثه . وتشكر ما يلون للناس من الأذى فى صحتهم وفى حياتهم ، وقد ذهب عنك ، أيها الأبله ، أن هذا الذى تنكر من فعل الذبان ، هو بعض حكمة الحكيم في خلق الذبان . فلقد تعلم أنه لولا شيوع الأمراض والعلل ، لمامات أكثر من يموت من الناس في كل يوم وفي كل ساعة ، وإذا لأطردت الزيادة في عدتكم ، يا بني آدم ، حتى تضيق بكم مساحة الأرض، ويعيجز بطنها وسائمتها عن  مواناتكم بما يكفى لبعض طعامكم وكسوتكم . فلا مفر لكم من التناحر والتفائل  في التماس أسباب العيش ، حتى ليقتل الوالد ولده ، وتأكل الأم طفلها، طوعاً لغريزة استبقاء الحياة . وكذلك لا يلبث العالم كله أن تسوده الفوضى ، وهى أهم عوامل الفناء . فالموت إذا ، أيها الأبله ، هو أبلغ أسباب الحياة (1) .

ثم إذا كنتم تنكرون ، أيها الأغفال ، ما ينشر الذباب فيكم من أسباب الأمراض والعلل ، وتتمنون على الحياة تعيشون الدهر في صحة وعافية ؛ فمن أين ، لعمرى ، هذه الجيوش الجرارة من الأطباء والممرضين ، والممرضات ، وخدم العيادات والمستشفيات، والصيدليين وعمال الصيدليات، وأصحاب مصانع الأدوية والعاملين فيها ، ومنتجي المواد الأولية للعقاقير الطبية . ومن وراء كل هؤلاء ممن يعولونهم ، ويعودون بهذا السعى على شملهم !

ثم لا تنس العاملين في أسباب الموت من (الحانونية) واللحادين (التربية) وباعة الأكفان ، وسواقي عربات الموتى ، وغير أولئك ممن لا يصيبون الأرزاق والأقوات ، إلا بفضل الموت والأموات

وسكت برهة ، ثم قال : أفآمنت الآن أن ذباباً واحداً أجدى على العالم وأعود بالخير على نظامه منك ومن عشرة من أمثالك ! . فقلت : آمنت بالله

ثم لم يرعنى إلا أن أرى هذا الخلق الكبير جمل يصغر ويضمر، حتى عاد ذباباً في جرم سائر الذباب ، ثم طار فوقع على ميق عينى ، وجمل يفحصه برجله فحصاً غير رفيق . وما كنت أتهيأ للقيام ، حتى أدركت أني كنت في أحكم الأحلام !

وفرغ صاحبي من حديثه ، فقلت له : إذا فقد آمنت بأنك ، في هذه الحياة ، لا تساوى ذباًبا ؟ قال : ولا عشر ذباب . وكذلك يكفينى الله شرور الغرور والافتتان ، وهما أشد مهالك الانسان ، فقلت : رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه

اشترك في نشرتنا البريدية