لم يختلف الرأي بين الكتاب اختلافه على معاملة المانيا بعد هذه الحرب . ومرد ذلك الخلاف إلى أصل جوهري لم يستقر فيه بعد أقطاب الدول المتحدة على رأي ، وهو هل توجد حقيقة ألمانيا أخرى ، ديمقراطية ، مسالمة ، لم تفسدها تعاليم النازي ، ولم تسمعها دعواتهم ، أم أن ذلك وهم لا حقيقة له ، وأن الألمان سواء في ميولهم الحربية وفي روح الاستعلاء على سائر البشر .
وها هي جيوش الحلفاء تطبق اليوم على الألمان من كل جهة . فما هي السياسة التي سيقع عليها الاختيار ؟ إن البت في هذه المسألة الكلية سيكون أساس الحل في عديد من المسائل الفرعية التى سنعرض عليك أهمها أولا ، ثم نحاول أن نتعرف معا حقيقة الأمر في " الالمانيتين "
وأولي تلك المسائل التي أثيرت في الحرب الحالية وأدناها إلى التطبيق والتنفيذ ، هي مسألة التسليم بلا قيد
ولا شرط والسياسة التي أعلنتها الأمم المتحدة في كاز أبلانكا - يناير سنة ١٩٤٣ - والتي عاد تشرشل يؤكدها في تصريحه يوم ٢٥ أكتوبر سنة ١٩٤٤ بمجلس العموم والتي اتفق عليها الأقطاب الثلاثة في اجتماع القرم - فبراير الحالي - تنحصر في ضرورة تسليم ألمانيا بلا قيد ولا شرط
والخاطر الذي يتبادر إلى الذهن هو أنها سياسة خاطئة تؤذي إلى إطالة أمد هذه الحرب ، لأنها ستدفع بالألمان إلى القتال حتى آخر (خرطوشة) وآخر لقمة ، فلن يجديهم التسليم اليوم والحلفاء لا يعرضون له مقابلا شريفا .
ويستند أنصار هذا الرأي إلى وجود " ألمانيا أخرى " لم تسمعها النازية ، وهي هي المانيا التي ينبغي أن يعرض عليها الحلفاء منذ اليوم شروط صلح مقبولة ، تحفزهم إلى نفض الهتلرية عنهم ؛ أو لم يدع تشمبرلين خطابا على الألمان فداة اعلان الحرب ، في سبتمير سنة ١٩٣٩ ، يدور حول فكرة
أنها حرب ضد النازية ، لا ضد الألمان ؟
على أن ثمة معسكرا آخر يرفض البحث اليوم في نظرية " المانيا الأخرى " لأنها تعطل المجهود الحربي في الميدان وفي المصنع ، فلن يقاتل الجندي بنفس الروح المتأججة ، ولن ينتج العامل بنفس الهمة المتوثبة ، إذا ما وقر في أذهانهم أن الشعب الألماني طيب العنصر ، أفسدته الطبقات الحاكمة لمطامع حربية استعمارية . ويقول تأييدا لرأيه إن الإنتاح الحربي كان يزيد دائما عقب كل غارة على انجلترا ، وإنه حدث في جلاسجو وفي غيرها ، ان سويت مشاكل عمال وأرباب عمل في صبيحة قارة ليلية
على أننا لا نرى تلازما بين " ألمانيا الأخرى " وبين أمل تقصير الحرب بعرض صلح معقول عليها ، لأن الجماهير العزلاء ، لن تستطيع شيئا لقلب حكومة مسلحة ، تملك جميع وسائل الضغط والإرهاب على أمة أفسد منها الجستاء الإرادة والأعصاب ، ولو أغراها الحلفاء بالتنازل عن فكرة التسليم المطلق
ومن المسائل التي نص عليها ميثاق الأطلنطي ، نزع سلاح الأمم المعتدية - " مادة ٨ " ومن رأي الإنجليز أن ينزع سلاح الأمم المعتدية وحدها لأمد طويل ، ومن رأي الأمريكان أن المادة الثامنة المذكورة تنص على إجراء موقوت انتقالي لابد وأن يعقبه بعد فترة وجيزة نزع سلاح عالمي . لندع ذلك البحث جانبا بمعالجة أولو الشأن مع باقي النصوص الغامضة التي تقوم الميثاق ، ولنبحث في تفسير عبارة نزع السلاح
أول ما يتبادر إلى الذهن انها لا تفيد أكثر من التجريد الحربي ولكن خصوم نظرية ألمانيا الأخرى " لا يرون قصرها على ذلك ، بل يفسرونها بالتجريد الاقتصادي أيضا . وهذا التفسير لا يتعارض عندهم مع ميثاق الاطلنطي بل هو إكمال له . وما فشلت معاهدة فرساي ، على رايهم ، الا لخلوها من النص على التجريد الاقتصادي لألمانيا ، الأمر الذي مكنها من أن تعود إلى التسلح في
فترة وجيزة من الزمن ، بين سنتي ١٩٣٩و ١٩٣٣ . لقد نصت المعاهدة - حقا - على أن تعطل في مصانع كروب وغيرها من مصانع الذخيرة الأقسام التى كانت تنتج الأسلحة مباشرة ، ولكنها احتفظت بكل مبانيها وقواها المحركة وآلاتها ( ما عدا آلات الذخيرة ) فتسنى لهم أن يحولوها إلى إنتاج السلاح عندما قررت برلين أن تتحلل من نصوص نزع السلاح في المعاهدة .
ولعلهم أهملوا في فرساي النص على تجريد ألمانيا اقتصاديا ، اكتفاء مهم بنصوص التعويضات ، فاعتقدوا أن إثقال كاهلها بعبثها الكبير سيستنفد موارد ميزانيتها ، وموارد التبادل الخارجي ، وسيحول بينها وبين المودة إلى التسلح
ولقد كان هذا النظر الذي اطمأن إليه ساسة فرساي نظرا سليما ، لولا أن العمل دل على أن عبء التعويضات انتقل من كاهل ألمانيا ليقع على كاهل الدول الدائنة ! وبيان ذلك أن المانيا كانت تقترض من تلك الدول المبالغ التي دفعت منها ما دفعته من تعويضات ، بل وأكثر منها ، فلم تتأثر من دفع التعويضات مقدرتها على الاستيراد ، بل وتبقى عندها فائض دعم ميزانيتها فأصبحت ألمانيا في سنة ١٩٣٣ أقوى صناعيا منها في سنة ١٩١٤ حقا أن القروض الأجنبية كانت توجه إلى انشاء مصانع للحاجيات المدنية ، ولكن تلك المصانع لم يكن من العسير تحويلها إلى مصانع للذخيرة بعد أن رفعت ألمانيا القناع ورمت بالقفاز

