أصبحت المساعدة الأمريكية لأوربا عنصرا بارزا في سياسة أمريكا الخارجية ؛ وقد وقف الرئيس ترومان بالأمس ، في الجلسة الخاصة التي عقدها الكونجرس ( البرلمان الأمريكي ) ، يطلب إليه إفرار اعتماد جديد قدره نحو ستمائة مليون دولار لمساعدة فرنسا وإيطاليا والنمسا ، وذلك كخطوة تمهيدية وشرط حيوي ، لتنفيذ برنامج تعمير أوربا الطويل الأجل أو برنامج مارشال . وقبل ذلك بأشهر قلائل وافق الكونجرس على اعتماد خمسمائة مليون خصصت لمساعدة اليونان وتركيا ، وكان الرئيس ترومان صريحا يوم طلب إقرار هذا الاعتماد في ثبيان ما تري إليه السياسة الأمريكية من العمل علي حماية اليونان وتركيا من سياسة التحرش والعدوان ، ومن طفيان الضغط الشيوعي ، أو بعبارة أخري من خطط روسيا السوفيتية وعدوائها . ولكن الرئيس ترومان يسيغ على طلب المساعدة الجديدة صفة أعم وأوسع مدى ؛ فأمريكا تقصد بإسدائها إلي إنقاذ أمم أوربا المحطمة من الدمار والفوضي ، وبعبارة أخري تقصد إلي إنقاذ أوربا والحضارة الأوربية . وقد أهاب الرئيس ترومان بالكونجرس ، بأنه إذا لم يبادر بإقرار المعاونة المطلوبة ، فإن الفرصة لإيجاد عالم مستقر تعيش فيه الشعوب الحرة في سلم مقيم ، قد نقلت إلى الأبد ؟ وقدم الرئيس ترومان في الوقت نفسه إلى الكونجرس
برنامجا من عدة مواد للعمل على محاربة التضخم ، وضبط مستوي الأسعار والأجور ، صوتا للاقتصاد الأمريكي من التدهور ، وحماية للشعب الأمريكي من الدمار الاقتصادي .
ومن الواضح أن سياسة أمريكا الخارجية قد تحررت بصفة نهائية من عزلتها القديمة ، وأصبحت سياسة عالمية بكل معاني الكلمة ؛ فأمريكا تري اليوم أنها لا تستطيع كما كانت في الماضي القريب ، أن تعيش بمعزل عن بقية العالم ، وأن ما يحدث في أوربا ، في الجانب الآخر من المحيط ، يحدث أثره في القارة الأمريكية ، وأنه إذا تركت أوربا فريسة للدمار والفوضي ، وانهارت النظم الأوربية ، فإن حياة أمريكا ونظمها تغدو بدورها عرضة لهذا الخطر ؛ ولهذا فإن الديمقراطية الأمريكية التي خرجت من الحرب العالمية الثانية مكانة بغار الظافر ، والتي تزخر بعناصر القوة والثروة تري أن تبادر إلى نجدة الشعوب الأوربية الجئسة ، الخائرة القوي ؛ ولابد أن تكون النجدة سريعة فعالة ، وهو ما يطلبه الرئيس إلي الكونجرس بالنسبة لفرنسا وإيطاليا والنمسا ؛ وذلك لأن القلاقل الاجتماعية وحوادث الإضراب والمظاهرات الشيوعية ، قد اشتدت في هذه البلاد الثلاثة ، في المدة الأخيرة إلي حدود تنذر بالخطر العاجل ؛ ثم تعمد أمريكا بعد ذلك إلى تنفيذ مشروع مارشال لإنقاذ أوربا وتعميرها بصورة عامة ، وهو يتناول جميع دول أوربا
الغربية التي وافقت على العمل بهذا المشروع .
ويقول الرئيس ترومان ، إن البؤس والفوضي اللذين تعانيهما الإنسانية ، هما السبب في النزاع وشهوة الفتح ، كما أن الجوع والفقر يدفعان القوي إلي افتراس الضعيف ؛ وأن أمريكا قد اضطرت مرتين في جيل واحد إلي حمل السلاح لمقاومة الدول التي يسعي قادتها إلي السيطرة على العالم . وفي هذا التصور لنزعة العدوان والتغلب كثير من الحق . ولكن يحق لما بعد ذلك أن نتساءل عما إذا كانت أمريكا تهدف باضطلاعها بهذه الأعباء الضخمة لنجدة الشعوب الأوربية المهيضة إلي غابات مثالية فقط ، وتعيش فقط بنزعة إنسانية محضة بعيدة عن عوامل الأثرة ، والمصالح الخاصة أم أنها تري قبل كل شئ إلي تحقيق غابات سياسية بعيدة المدى ؟ والواقع أنه مهما استترت هذه السياسة وراء العبارات والصيغ الخلاية ، فإنها تفصح في الوقت نفسه عن هدفها الحقيقي ، بوضوح لا يعتوره الشك . ونحن نذكر أنه عندما أعلنت واشنطون سياستها في بذل المعاونة المالية والعسكرية لليونان وتركيا ، لم نحجم عن التلميح الواضح بأنها تقصد إلي مقاومة الزحف الشيوعي نحو البحر الأبيض المتوسط ، ومقاومة خطط موسكو في الضغط على اليونان وتركيا ؛ وقد ألفت أخيرا باليونان هيئة أركان حرب أمريكية يونانية ، وفي تركيا بعثة عسكرية أمريكية ، ويتدفق العتاد الأمريكي علي تركيا واليونان ولم تحجم روسيا من جانبها عن التنديد بهذه الخطوة ، واعتبارها تحرشا بها وبسياستها في مناطق تعتبر أنها واقعة في دائرة نفوذها ولم تقف أمريكا عند العمل على مقاومة الرحف السوفيتي في شرقي البحر الأبيض المتوسط ، بل رأت أن تضع برنامجا شاملا لحماية النظم الأوربية القائمة ، ومقاومة المحاولات الشيوعية والحد من زحف البلشفية نحو الأمم الغربية بعد أن وصلت إلي أواسط أوربا ؛ فكان المشروع الذي وضعه الجزال مارشال وزير الخارجية الأمريكية ، ردعا للدول الأوربية
إلي بحثه وقبوله ؛ ولم يلب دعوته سوي دول أوربا الغربية ورفضار روسيا وجميع الدول الموالية لها ؛ ولم تر فيه روسيا سوى محاولة جديدة واسعة المدي لمقاومة سياستها وخططها في أوربا .
والآن تمضي أمريكا قدما في تنفيذ خطتها التي وضعتها " لإنفاذ أوربا وتعميرها " ، وتري ان تعجل بإنجاد فرنسا وإيطاليا والنمسا ، وتعتبر فرنسا وإيطاليا قاعدنين للديمقراطية الغربية في غربي أوربا وجنوبيها ؛ وتعتبر النمسا قاعدة لمقاومة البلشفية في أواسط أوربا ؛ والنظم الديقراطية تترنح اليوم في هذه الدول الثلاث ، ويلوح الخطر الشيوعي بين آونة وأخرى منذرا باجتياحها . ولو سقطت فرنسا أو إيطاليا صريعة الغزو الشيوعي لكان ذلك نذيرا بانهيار النظم الديمقراطية في سائر الدول الغربية وظفرا للشيوعية ببسط سيادتها على جميع الشعوب الأوربية ، وهذا ما تعمل أمريكا جاهدة لاتقائه بما تبذله من تضحيات مالية وعسكرية ضخمة لإمداد الدول الغربية ، ومعاوتها على اجتياز الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التى تتعرض لها ، وتقوية أحيائها الدفاعية لمقاومة المحاولات التي تبذل لتحطيمها .
ولم تقف روسيا السوفيتية من جانبها جامدة إزاء نشاط السياسة الأمريكية في أوربا ؛ وبالرغم من أنها لم تتخذ خطوات إيجابية لمقاومة هذا النشاط الذي تعتبره موجها إليها قبل كل شئ ، فإنها لجأت إلي طريقتها المأثورة في حشد القوى الشبوعية في مختلف الدول الأوربية وتنظيمها وتوجيها ؛ وظهر أثر هذا الحشد في قيام " الكومنترن " أو الدولية الشيوعية الجديدة في بلغراد ممثلة للأحزاب الشيوعية في تسع دول أوربية في مقدمتها روسيا السوفييتية وبينها إيطاليا وفرنسا . وكما أن أمريكا تتخذ العمل لحماية الديمقراطية وإنقاذها من الخطر الشيوعي شعارا لسياستها الأوربية ، فكذلك تقرر الدوليه الشيوعية الجديدة في بيانها بأن شعارها هو العمل على تدعم القوي الديمقراطية الاشتراكية وهزيمة القوي الرأسمالية ؛ ومعنى ذلك واضح ،
وهو أن المعسكرين اللذين ينقسم إليهما العالم اليوم ، وهما المعسكر الشيوعي وتقوده روسيا السوفييتية ، والمعسكر الديقراطى او المعسكر الرأسمالي كما يسميه خصومه ، وتقوده أمريكا ، يشتبكان اليوم في حرب مذهبية " ايديولوجية " شعارها المبادئ والنظم الاقتصادية ، ومن وراء كل منهما قوي عسكرية زاخرة تؤيده ، وتدعم خططه ، وكل منهما يتحفز لمقارمة الآخر بوسائله الخاصة
لقد اجتمعت روسيا البلشفية والديمقراطية الإنجليزية الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية في حلف قوي متين الدعائم لمقاومة الخطر المشترك الذي شهرته عليهما النازية والفاشتية ، وكان التعاون الوثيق بين هاتين الجبهتين خلال الحرب من أعظم عوامل النصر الذي أحرزنه الأمم المتحدة على إيطاليا وألمانيا . وكان المنظور أن يستمر هذا التعاون الوثيق بعد انتهاء الحرب حتي تسوي المشكلات العالمية التي ترتبت عليها ، وحتى توضع أسس السلم المستقر ، الذي يطمح إليه العالم الجزع القلق ؛ ولكن بوادر الخلاف أخذت تتسرب إلي هذا الحلف حتي قبل أن تنتهي الحرب . ومنذ مؤتمر بوتسدام ( يوليه سنة ١٩٤٥ ) الذي كان آخر فرصة لاجتماع الأقطاب الثلاثة ، يتسع نطاق الخلاف بين روسيا السوفيتية وحلفائها بالأمس . ولم توفق هيئة الأمم المتحدة التي أنشأتها الدول الثلاث الكبرى لتكون ضمانا عالميا لتوطيد السلم ، إلي جمع كملة هذه الدول ، بل غدت بالعكس مسرحا لتنافسها وتنابذها ، وأنهارت كل الآمال التي عقدت على جهودها في صون السلم وتأمين الشعوب على حقوقها وحرياتها ؛ واليوم تدور هذه المعركة المذهبية سافرة بين روسيا السوفيتية وبين الجبهة الإنجليزية الأمريكية ، أو بالحري بين البلشفية والجبهة الديمقراطية ، وتأخذ واشنطن بزمام هذه المعركة معتمدة على مواردها وقواها الزاخرة . ولما كانت العوامل الاقتصادية تجثم وراء هذه الحركة وتفسيرها ، فإنه من اليسير علينا أن نصفها بأنها
معركة النفوذ العالمى ، ومعركة التوسع الاقتصادي والمغانم الاستعمارية . وإذا كان كل من الفريقين المتنازعين يصيغ على موقفه وتصرفاته ما شاء من الصيغ والعبارات الخلابة ؟ فإن الحقيقة المؤلمة تبدو سافرة ، وهي أن العالم الجزع القلق يشهد اليوم بوادر صراع مرير كالذي شهده في الأعوام التي سبقت الحرب العالمية الثانية .
