كنا بالأمس نتحدث عن معركة نورمنديا ، فأصبحنا نتكلم عن معركة فرنسا ولعل هذه الحرب لم تشهد انقلابا أو تطورا في أحد ميادينها يجري بالسرعة التي تم بها هذا التطور ، اللهم إلا الانقلاب الذي حدث في الميدان الشرقي بعد معركة ستالينجراد .
إن الميدان النورمندي مقياسا نستطيع أن نقيس به تطورات الحرب فيه ، وذلك أن هذا الميدان عبارة عن مساحة من اليابس وقفت فيها جيوش الأمم المتحدة ، والبحر من ورائهم والعدو من أمامهم . والمسافة بين العدو ، أي بين الخطوط الألمانية ، والبحر ، هي المقياس الذي نستطيع أن نقيس به أطوار الحرب في هذا الميدان ، لأن هذه المسافة تمثل درجة ثبات القوات الغازية ، وتمكنها من بأم بالحركات والمناورات اللازمة في كل حرب . وقد كن لهذه الجيوش أن تحتل مساحة من الساحل مدة وجيزة ، وأن تتعمق بضعة عشر كيلو مترات في غير موضع ، ولكنها ظلت في كثير من أجزاء الميدان
تحتل مساحة ضيقة من الأرض ، وتعاني خطر احتمال تقدم الألمان إلى الساحل ، وشطر القوات الغازية شطرين أو أكثر ولم يخف كتاب الحلفاء في الأسابيع الأولى من الغزو أن القذف بالقوات الغازية إلى البحر احتمال لابد أن يحسب له حسابه في كل وقت .
ومع أن الألمان لم يستطيعوا أن يردوا الغزاة على البحر ، فإنهم أصروا دائما على أن يحاولوا الوصول إلى جزء من الشاطئ المحتل ، وأن يبذلوا من أجل ذلك كل جهدهم ، بل وقد يرتكبون ضروبا من المجازفات من أجل تحقيق هذه الغاية التى ترمي إلى شطر قوت الغزو شطرين وكان آخر محاولة لهم في هذا السبيل هجومهم العنيف على دورتان من أجل الوصول إلى أفرانش ، وفصل قوات نورمنديا عن قوات بريتانيا .
وفي وسعنا الآن ، بعد أن انقضي شهران ونصف شهر على الحرب في شمال فرنسا ، أن نقسم أطوارها إلى ثلاث مراحل ، ونلاحظ في أثناء تطوراتها كيف تحول خط
القتال من خط يمتد من الشرق إلى الغرب ، إلى خط يمتد من الشمال إلى الجنوب .
فأما المرحلة الأولى ، فهي تمثل لنا الأساس الذي بنيت عليه خطة الغزو كلها ؛ وعلى صحة هذا الأساس ومتانته تتوقف من غير شك صلابة البنيان الذي يقام عليه فيما بعد . كان أمام الحلفاء إقليمان يستطيعان النزول فنهما ، إقليمان لا ثالث لهما . فلقد كان من العبث ما ذهب إليه المتكهنون بأن الغزو سيكون في نروج أو
في دانماركه ، أو غيرهما من المواضع ، فقد كان الحلفاء والألمان جميعا يعلمون تمام العلم أن الغزو ليس له إلا ميدانان اثنان ، وان على الحلفاء أن يختاروا أحدهما . وهذان الميدانان هما سواحل فرنسا شرق مصب السين ، أو سواحل فرنسا غرب مصب السين ؛ وأولهما أقرب إلى بريطانيا ، وأقرب للزحف على باريس وعلى بلجيكا والمانيا ، وهو من غير شك أقصر السبل للإغارة على ألمانيا ؛ هذا هو مكان الغزو المفضل وكان من البديهي أن يقع الاختيار عليه ؟ ولكن على الرغم من هذا ، بل بسبب هذا ، قررت قيادة الحلفاء أن يكون الغزو غربي السين . ولدينا الآن معلومات تؤيد ما ذكرناه من قبل من أن الألمان كانوا يتوقعون الغزو من الناحية الآخر . وقد بذل الحلفاء مجهودا كبيرا للتضليل ، فكانوا يلقون قنبلة واحدة على سواحل نورمنديا ، في مقابل قنبلتين أو ثلاثة تلقي في الجانب الآخر
ثم جاء أوان الغزو ، فدمر الحلفاء الجسور على نهر السين لكي يعوقوا نقل الجنود بين جانبي النهر ؛ ثم نزلت قوات الغزو ولم تلبث أن استقرت في شقة من الساحل عرضها ٨٠ كيلو مترا ، ما بين مصب نهر الأورن شرقا إلى بلدة كارنتان
غربا ، واحتل البريطانيون الجانب الشرقي ، والأمريكان الجانب الغربي . وانتهت المرحلة الأولى بتثبيت أقدام الحلفاء
في هذه الشقة الساحلية ، التي تمتد إلى الداخل مسافة تتراوح بين كيلو مترين أو ثلاثة في بعض المواضع ، وتصل إلى بضعة عشر كيلو مترا في مواضع أخرى
ثم بدأت المرحلة الثانية ولأسباب يسهل تقديرها حشد الألمان صفوة جيوشهم وعدتهم في الجانب الشرقي حول مدينة " كان " ، وجعلوا تقدم البريطانيين نحو الشرق أمرا عسيرا جدا ، لأن هذا التقدم نحو الشرق يدني الحلفاء ، من باريس ، ومن ألمانيا ، أما تقدم الأمريكيين نحو الغرب ، فإنه على كل حال أقل خطرا مباشرا ، ولذلك من الجائز أن القوات الألمانية في الطرف الغربي من الميدان كانت أقل عدة حربية من القوة المواجهة للبريطانيين
ومهما يكن من شئ فإن الأمريكيين لم يلبثوا أن تقدموا بسرعة نحو الغرب ، واكتسحوا شبه جزيرة شربوج في زحف سريع خاطف ، وأسروا كتائب عديدة من الجيش الألماني . ولم تلبث المرحلة الثانية أن انتهت بالاستيلاء على شبه الجزيرة وعلى مينائها العظيمة ، وامتد خط القتال بعد ذلك من " كان " شرقا إلى الساحل الغربي لشبه الجزيرة . ولا يزال اتجاه الخط بعد
نهاية هذه المرحلة كما كان من قبل من الشرق إلى الغرب
ووقفت جنود في مواجهة الألمان بعد ذلك فترة طويلة لا تكاد تتقدم إلا يسيرا ، ووقف الأمريكيون بوجه خاص أمام بلدتي سان لو و كوتانس طويلا قبل أن يتمكنوا من الاستيلاء على البلدتين . وقاتل الألمان هنا قتال المستيئس ، ولعل في التطورات المقبلة ما يفسر هذا الدفاع العنيف . بعد الاستيلاء على كوتانس تبدا المرحلة الثالثة بزحف أمريكي سريع نحو الجنوب ؛ وذلك أن القيادة الأمريكية خيل لها - فيما يقال ، ولعلها كانت تبني علمها على أكثر من الخيال - أن عدة الجيش الألماني تنقصها المدافع المضادة للدبابات ، فاستغلت هذا الكشف بأن زحفت بسرعة نحو الجنوب ، فإذا الحيوش الألمانية تنهزم بسرعة ، وإذا مدينة أفرانش تسقط في أيدي الأمريكيين ، فكان سقوطها حادثا جليلا ، ونقطة تحول خطيرة في تاريخ هذه الأسابيع الأولى من معركة فرنسا . وليس من الإسراف في شئ ان يقال إن سقوط أفرانش حادث من أخطر الحوادث في تلك المعركة ، لأن أفرانش نهاية نورمنديا ، ومن ورائها تبدأ بريتانيا ، وليس هنالك وقاية طبيعية تقي الجناح الأيسر للجيوش الألمانية ، التي باتت منذ الآن عرضة للتطويق من الجنوب .
وتقدمت الجيوش الأمريكية إلى بريتانيا فوجدتها توشك أن تكون خالية من الجيوش الألمانية ، وليس فيها سوى حاميات موزعة بين المدن الرئيسية . ولم تلبث مدينة رن عاصمة بريتانيا ان سقطت في ايدي الا مريكيين من غير قتال جدى . ولهذا ليس في وسعنا ان نتحدث عن معركة لبريتانيا كما كنا نتحدث عن معركة نورمنديا ، فإن بريتانيا قد فتحت في يومين أو ثلاثة دون ان تقوم حولها معركة بالمعنى المألوف .
ولم ترد القيادة الأمريكية أن تضيع وقتا طويلا ، أو أن تخصص مجهودا كبيرا للاستيلاء التام على جميع بريتانيا ، فإنها - برغم خطرها وموانيها العظيمة ليست على طريق الغزو المباشر ، ولذلك اكتفت القيادة الأمريكية بتخصيص قوات قليلة لإخضاع الحاميات
في المواني الأربع الرئيسية : برست ، ولوربان ، وسان نازير ، وسان مالو ، ثم انصرفت إلي العمل الرئيسي ، وهو التقدم نحو الشرق . ومن وجوه الاختلاف الا ساسية بين الاعباء التي يحملها الجيش الأمريكي والالماني ، أن الالمان في فرنسا ، كما في سائر الاقطار الكثيرة التى غزوها ، لا يكتفون بفتح الأقاليم والاستيلاء عليها ، بل يضطرون دائما لأن يحتلوها احتلالا عسكريا ، وأن يضعوا في كل بلدة ومدينة حامية تتولى الإشراف على تنفيذ أحكام القيادة الألمانية ، والمحافظة على الأمن فيها . وهذا العمل وحده يستنفد مقدارا كبيرا من القوات الالمانية ، التي كان من الجائز ان ترسل إلي الميدان ؛ ولم تكن المانيا تحس هذا الأمر في بداية الحرب ، ولكنها من غير شك تحسه الآن بعد أن تعددت الميادين في شرق اوربا وغربها وجنوبها
أما الأمريكيون ، فليسوا بحاجة إلى حامية كبيرة يتركونها في كل بلدة يفتحونها ، لانهم يستطيعون إلى حد كبير ان يعتمدوا على معاونة الفرنسيين انفسهم في المحافظة على الأمن ، وفي إدارة الأقاليم التي يتم " تحريرها "
والآن ، لا بد لنا أن نقف قليلا لكي نتساءل كيف سقطت بريتانيا بهذه السرعة ، ولماذا خلت من جيش الماني يدافع عنها ؟ وإذا جاز لبريتانيا وهي المجاورة لميدان الحرب ان تكون خلوا من جيش يدافع عنها ، اليس من الجائز أيضا أن تكون هنالك أقاليم اخرى في فرنسا ، شأنها في هذا شأن بريتانيا ؟ !
إننا لا نستطيع أن نجيب عن هذا السؤال إلا إجابة مبنية على الافتراض والترجيح لا على العلم واليقين ؛ وكل ما نقدر أن نرويه : هو أنه عند مانزلت جيوش الحلفاء نورمنديا فى يونيو الماضي ، أخذ الألمان يجمعون من كل إقليم مجاور كل جندي يزيد على الحاجة القصوى للدفاع عن ذلك الإقليم ؛ ولا شك ان بريتانيا المجاورة قد ارسلت جيشها كله على وجه السرعة ، ولم تستبق إلا الحاميات الضرورية اللازمة للذود عن المواني البريتانية العظيمة الخطر . ومن أجل ذلك رأينا الألمان يقفون طويلا على أبواب بريتانيا ، وأبلوا في دفاعهم هنا بلاء حسنا ، وثبتوا
ثباتا قويا في جنوب نورمانديا الغربي : في سان لو ، وكونافس ، إلي أن كشف الا مريكيون نقطة الضعف في درعهم ، فنفذوا من اقرانش إلي بريتانيا
ومهما يكن من شئ ، فإن الاستيلاء على بريتانيا قد غير موقف الجيش الالماني تغييرا تاما ، فبعد أن كان خط القتال يمتد من البحر إلي البحر ، اصبح مثله كمثل الحبل المثبت في الناحية الشمالية ولكنه مزعزع من الناحية الجنوبية . وهذه حالة جديدة في هذه الحرب ، وهي وإن كانت منطبقة على الفريقين ، فإن جيوش الحلفاء أكثر عددا ، ولا تزال تزداد كل يوم ؛ ولهذا بادر الأمريكيون باحتلال تانت على نهر اللوار ، واخترقوا هذا النهر إلي الجنوب ، ولا نعرف مدى توغلهم في هذا الاتجاه ، ثم اندفعوا نحو الشرق فاحتلو لاثمال وليمان ، واندفعوا في هذا الاتجاه نحو باريس متوغلين إلي مسافات بعيدة ، وقد ظللنا وقتا طويلا لا نعرف شيئا عن مدى هذا التوغل ، إلى ان سمعنا منذ يومين بالاستيلاء على أورليان وشاتودان وشارتر ، ووقوف الأمريكين على بضعة عشر ميلا من باريس
واجه الالمان هذا الموقف العصيب بخطة جريئة ، وهي محاولة التقدم نحو أفرانش بكل ما لديهم من قوة ، واستطاعوا بهمة فائقة ان يستولوا على بلدة مورنان ، وهي على نحو عشرين ميلا من شرقي اقرانش . ومعنى ذلك أنهم - على حد التعبير الشائع - أرادوا أن يدقوا إسفينا بين قوات الا مريكيين الشمالية والجنوبية ، وان يفصلوا نورمنديا عن بريتانيا . وظل النازيون مصرين على بذل هذا المجهود الحبار إلي اخر لحظة ؛ وتعرضوا بذلك لخطر لتطويق ، بأن تركوا جيشهم السابع في شبه دهليز ممتد من مورتان إلى فاليز ، يبلغ الستين ميلا . ولا شك ان النازيين قد ابدوا براعة فائقة ، إذ تمكنوا من سحب جزء من جيشهم وعدتهم من بين شقي الرحي الهائلة التي تطبق عليهم بالتدريج من الشمال والجنوب
والقتال العنيف الذي قاتله الالمان للخلاص من هذا المأزق ، يدل على أن إخضاع الجيوش الألمانية في النهاية . لن يكون من الهنات الهينات ، وان الحلفاء لا تزال امامهم
حرب خطيرة ، قد يكون ميدانها شرقي نهر السين ، حيث توجد في الراجح جيوش المانية اخري كاملة العدة .
ولكن لا يزال امام القيادة الالمانية مشكلة عويصة تتطلب الحل العاجل ، وهي انكشاف الجناح الإيسر ، فهل لديهم قوات في وسط فرنسا يستطيعون حشدها لمهاجمة الجيش الأمريكى المتوغل في الطرف الجنوبي ، والذي وصل في توغله إلي مدينة اورليان ؟ سؤال لا نملك الإجابة عنه ، ولكن الراجح الا يكون هنالك جيش كبير كاف لتغطية الجناح الأيسر الألماني ، ولهذا يتحتم على الجيش الالماني ان يتراجع إلى شرقي السين ، بل قد يضطر إلى التراجع نحو الحدود المحصنة شرقي فرنسا . وهكذا نري ان المصائر الكبرى في معركة فرنسا تتقرر في الشمال . فما خطب هذا الزحف من الجنوب ما بين كان وطولون ، على ساحل الريفيرا الجميل ، الذي كنا نرجو ان ينجو من غوائل هذه الحرب ؟
إن الميدان الفرنسي لن يعدو ان يكون ميدانا ثانويا ، بعد التقدم الباهر الذي أحرزته جيوش امريكا . ولعله كان مقررا منذ زمن بعيد ، في وقت لم يكن يتوقع فيه ان تتطور الجبهة الشمالية هذا التطور السريع . ومع هذا ، فان فتح الميدان الجنوبي له فوائد لا يستهان بها ، منها : أنه يحمي مؤخرة الجيوش الشمالية من أن تحشد ضدها قوات الالمان المرابطة في جنوب وفي وسط فرنسا ؛ فهذه الحيوش يجب عليها الآن أن تتجه لمقاومة هذا الزحف الآتي من سواحل الريفييرا ، والذي يذكرنا بطريق نابليون في عودته من جزيرة إليا . ومن فوائد هذا الميدان ايضا انه يحول دون ارتداد الالمان من إيطاليا إلي فرنسا ، إذا ارادوا مثل هذا التراجع ، كذلك من الجائر إذا نجح هذا الميدان الجنوبي واتسع ، واحتل الحلفاء ، حوض الرون ، أن يصلوا بطريق مباشر إلى حدود الألزاس . وتتوقف التطورات الممكنة في هذا الميدان الجنوبي على وجود قوات ألمانية كافية من النوع الجيد في جنوب فرنسا ،
ولكن الميدان الجنوبي سيظل على كل حال ميدانا ثانويا ، أو ميدانا مساعدا ، بينما تتقرر الأمور الخطيرة في السهل الشمالي من فرنسا

