إلى الأستاذ فريد أبو حديد .
قرأت مقال " معرض الفن الشعبى " بالعدد ٣٣٤ من مجلة الثقاقة الغراء بعد أن زرت السراى الصغرى بأرض الجمعية الزراعية حيث اقيم معرض الأستاذ حبيب جورجى .
قرأت ما كتب الأستاذ فريد فى الأدب ورأيت فنه فى التمثيل فأعجبت بالفنين ورايت آثار الأستاذ حبيب وأعجبت بها قرأت ورأيت ولكنى أحب أن أقول شيئا .
اسمع لحبيب وهو يحدثك عن رأس الفتاة ذات الجدائل من الشعر يرتكز عليها الرأس فى إخراج فذ ليس له مثيل . اسمع له وهو يقول إنه من صنع زوجة طباخة ، تلك المرأة الجاهلة التى لا تقرأ ولا تكتب ، ثم تأمل هذا الرأس وكأنه يشاغلك بالحديث وكأن قسمات وجهه من لحم ودم رغم شحوب اللون الذى فرضه حبيب عليه . لا بديا صديقى الكبير أنك لاحظت ذلك فلم لم تطلب إلى أولى الأمر إخراج هذه المرأة الفنانة الموهوبة من ركنها الفقير الذى تعيش فيه إلى المكان اللائق بها كنابغة لها هذا المقام السامى مادام هذا الرأس وهو يا كورة إنتاجها على هذه الدرجة من الإتقان ؟ دون أن يعلمها الأستاذ حبيب جورجى شيئا الملهم إلا وضع الصلصال بين يديها كما يقول ؟ ثم استمع إليه أيضا وهو يقدم لنا رأس الفتاة الأخرى من صنع لقيطته الثانية التى اكتشفها من بين الفلاحات فى الحقول ، وما هى إلا سنة وأخرى حتى أخرجت بعد مقدمات بسيطة لا تقل روعة عن هذه القطعة ، هذا الرأس الذى أقل ما يقال فى وصفه أنه عرض قوى لعضلات الوجه على غرارفن مايكل انجلوا المثال والمصور الإيطالى الشهير
دعه يا صديقى الكبير يتحدث إليك حديثه الصوفى كما وصفه مقالك ، ثم راقب معى ضمن معروضاته قطيع الغنم وهو يموج ويزاحم ويتدافع ويضغط بعضه البعض الآخر ثم يكاد يستدير ليولى وجهه ناحية أخرى ، ثم راقب معى أولئك النسوة وهن يتتحدثن وتتناقش كل منهن مع الأخرى كعادتهن فى حديث القرية ، فكلهن متكلمات غير منصتات ، ونحن نكاد نسمع " رغيهن " راقب معى تلك القروية وقد ملأت بلاصها وحملته مائلا فوق رأسها وهي تهم بالوقوف مرتكزة بكفيها على ركبتها ، وتأمل فى تلك البطتين المتجاورتين فى قطعة منفردة وكل عضلة فى تشريح جسميهما تتجسم جملة وتفصيلا كأدق ما تكون دراسة وفهما .
تأمل كل ذلك ياصديقى الكبير وأخبرنى لم لا تنادى أولى الأمر بنشل هؤلاء الفتيات الثلاث من بين مجاهل انزوائهن لتضعهن فى المكان اللائق الذى يستحققنه بفضل هذه القمة التى وصلن إليها فى سماء التمثيل .
إن حبيب جورجى مكتشف قدير منحه الله أكبر نصيب من موهبة الكشف ، ولا بد أن نشهر به ليعرف الناس قدره كمكتشف عظيم اختص بالتقاط العبقريات ، ومصر خليقة بأن يعاد إليها مجدها القديم فى الحفر والتمثيل على يدى حبيب . جاهد بالله يا صديقى الكبير فى الإشادة بذكره بصوتكم المسموع .
ولنعد معا مرة أخرى لذلك المعرض لتتأمل من جديد تلك السحن المتكررة وهذه الوجوه البارزة من بين تلك الأجسام الخالية من التفاصيل الشديدة التعبير عن التكوين والحركة ، لنحكم على ما أسره إلى ذلك الخبيث الذى تحدث إلى قبيل زيارتى المعرض من أن قسمات الوجوه كلها واحدة وكأنها وجه واحد تكرر هنا وهناك ، فى هذه القطعة وفى تلك وكأنها صبت جميعها من قالب واحد . سمعت هذا الحديث من أكثر من خبيث واحد وأنا أخشى على نفسى مثلهم فأسوق نفس الملاحظة ،
ولكني أصرح فأقول بأن الدقة فى إخراج تلك الوجوه والإلهام الموفق فى التعبير عنها قد كيفها بتلك الظاهرة التى دعت الخبثاء إلى هذا القول .
ومهما يكن من شئ ، فلا بد لى من الاعتراف بأننى فشلت وأنا أجول بنظرى من قطعة إلى أخرى فى ذلك المعرض أحاول الوصول إلى سر ذلك النجاح . فهل هو التوفيق الذى صادفه حبيب فى الكشف عن هذه الحفنة القليلة من الفنانات المجهولات الجاهلات النابغات بالفطرة دون تعليم او تلقين ؟ او هى شخصية حبيب ذلك المتحدث اللبق فى الحديث يتسلط بحديثه على خيال فناناته ينقل إليهن روحه وفنه ومشاعره وطريقته وأسلوبه فينطبع كل
ذلك فى منتجاتهن . وربما كان هذا هو السبب الذى حدا الخبثاء المذكورين إلى ما ساقوه إلى مما ذكرته . ألا من بدئنى على أى من هذين السببين هو السر فى هذا النجاح ؟ إذ ستظل نفسى حيرى يا صديقي الكبير لا تقنع بأيهما سببا ، ولا بد أن يكون هناك " لغز " يستطيع غيرى أن يحله فيدلنا إلى سواء السبيل .
وخلاصة القول - مهما كان السبب أن تسمية هذا المعرض " بالفن الشعبى" بعيدة كل البعد عن الحقيقة ، ويقينى أن الاسم الطابق للواقع هو " الفن المجهول " إن لم يوافق صديقى الكبير على تسميته كعنوان مقالى هذا وهو " فن الأستاذ حبيب جورجى "

