الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 466الرجوع إلى "الثقافة"

معلومات جديدة، عن ابن قزمان

Share

(٣) نسب بنى قزمان فى التراجم الأسبانية تحتوى فهارس " المكتبة العربية الأسبانية " على خمس تراجم تدور حول بنى قزمان القرطبيين ؛ اثنتين فى " صلة " (١) ابن بشكوال ، واثنتين فى " بغية الملتمس " للضبى ، وواحدة فى " تكملة الصلة " لابن الأبار . ويسمى ابن خاقان وابن بسام وعماد الدين وزير المتوكل أبا بكر بن قزمان . ويشير المخطوط إلى أن مؤلفه " الشيخ الوزير الأجل أعجوبة الزمان " أبو بكر بن عبد الملك بن قزمان . أما ابن الأبار وابن الخطيب فيذكران اسم " محمد " الذى يتفق مع " أبى بكر " ويدخلان اسم " عيسى " فى النسب فيصير الاسم عندهما كما يلى : " أبو بكر محمد بن عيسى بن عبد الملك بن قزمان " .

وتذكر التراجم الأسبانية محمد بن قزمان واحدا ، ولكنه ليس ذلك الشاعر لأنه توفى عام ٥٠٨ ه ، وإنما أبو بكر محمد بن عبد الملك بن قزمان ( الصلة نمرة ١١٣٩ ) ، ذو المواهب العقلية الكثيرة المعروف بالكاتب . وقد توفى ف ٦ رجب ٥٠٨ ( السادس من ديسمبر ١١١٤ ) فى قرطبة ، ودفن فى مقابر أم سلمة (٢) . ولا نشك فى أن هذا الأديب هو كاتب المتوكل ، ولا يذكر ذلك المترجم ، ولكن تشابه الاسم وملاءمة التاريخ يرجحان ذلك .

وتكثر الإشارات إلى أولاد ذلك الرجل . فتوجد قصتان ( الصلة نمرة ٥٧٢ ، والبقية نمرة ٩٨٩ ) تشيران إلى

ابنه أبى مروان عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن قزمان المعروف بفقيه قرطبة ، ولد عام ٦/٤٧٩-١٠٨٧ ، وتوفى فى أشونة ١١٦٩/٥٦٤ . وخلف عبد الرحمن ابنا يسمى أبا الحسين عبيدالله ( التكملة نمرة ١٥١٧ ) . وقد ولد عبيدالله هذا فى قرطبة حوالى عام ١١٢٤/٥١٨ ، وأقام فى أشونة إذ كان أبوه قاضيها . وتولى قضاء عدة نواح من منطقة قرطبة ، وكان تلقى العلم بها وبمالقة . ومات فى أشونة فى عام ٥٩٣ أو ٥٩٤ ( ٦ - ١١٩٨ ) . وكذلك تذكر القصة نسبه كاملا : " عبيدالله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك ابن عبيد الله بن عيسىى بن عبد الملك بن قزمان . إذا يسمى جد عبيد الله ، وأظنه كاتب المتوكل ، أبا بكر محمدين الملك ابن عبيد الله ، وليس محمد بن عيسى ، كما جاء فى " تحفة القادم " و " الإحاطة " . يلزم عن هذا أن " عيسى " الذى أدخل فى النسب ليس إلا أخا الأديب محمد بن عبد الملك ، وأبا الزجال محمد بن عيسى بن عبد الملك ؛ وليس الزجال إلا ابن عم سميه . وإشارة " البقية " ( رقم ١٤٩ ) لذلك الرجل لأنه ليس من المحتمل أن يشير المقال إلى جد جد جد الشاعر . والإشارة موجزة جدا ، ولا تحتوى على تواريخ ، وتتحدث عن أبى الأصبغ عيسى بن عبد الملك بن قزمان الكاتب الشاعر .

وتذكر مخطوطة " كتاب الذيل والتكملة " لابن عبد الملك المرا كشى ابنه الشاعر ، وهو أحمد بن محمد بن عيسى  ابن قزمان الزهرى القرطبى المكنى أبا القاسم المقيم فى مالقة ، وهو ابن أبى بكر بن قزمان الذى اشتهر ببراعته فى نظم الشعر الخفيف باللغة الأسبانية الدارجة . ثم ردد بعض الأحاديث عن أبى بكر بن سمجون النحوى ، وقد رواها عنه أبو القاسم بن محمد بن الطيلسان . وتوفى بعد عام ١٢٠٤/٦٠٠ بوقت قصير .

إذا انحدر من عبد الملك بن عبيد الله فرعان من بنى قزمان القرطبيين : أحدهما انتقل إلى أشونة ، والآخر إلى مالقة . وهاك شجرة النسب .

عيسى بن عبد الملك بن قزمان الزهرى                    عبيد الله                   عبد الملك        النصف الأول من القرن الحادى عشر

أبو الأصبغ عيسى            ( توفى بعد ٤٧٩ ه ١٠٦٨ م )                    أبو بكر محمد ( ولد بعد ٤٧٩ = ١٠٨٦ وتوفى ٥٥٥ = ١١٦٠)                   أبو القاسم أحمد              (توفى بعد ٦٠٠ = ١٢٠٤)

أبو بكر محمد                ( توفى ٥٠٨ ه = ١١١٤ م)                    أبو مروان عبد الرحمن        ( ولد ٤٧٩ = ٦ - ١٠٨٧ وتوفى ٥٦٤ = ١١٦٨)                     أبو الحسين عبيد الله ( ولد ٥١٨ = ١١٢٤ وتوفى ٣ - ٥٩٤ = ٦ -١١٩٨ )

( ٤ ) الرجلان فى " مغرب " ابن سعيد

إن لم يكن القراء قد اقتنعوا بالمناقشات السابقة ، فها كم ما سيهزم ترددكم الأخير :

تحتوى دار الكتب المصرية على نسخة من " الغرب " لابن سعيد بخط المؤلف ، وقد صورت المجلدات التى تتناول أسبانيا الإسلامية ، وآمل أن أنشرها قريبا بمعاونة الأستاذ جارسيا جومز (١) . ويوجد فى الجزء الذى يعالج مملكة قرطبة مقالان متجاوران يتكلمان عن الرجلين المسميين باسم ابن قزمان : فميز الأول كاتب المتوكل بالأكبر ، والثانى ابن عمه الزجال بالأصغر ، فماذا تريد بعد ذلك ؟ وها كم النص :

بيت بنى قزمان

أثنى على هذا البيت الحجارى فى بيوت قرطبة ، وأنهم لم يزالوا ما بين وزير ، وعالم ، ورئيس .

أبو بكر محمد الأ كبر بن عبد الملك    ابن عيسى بن قزمان القرطبى

ذكر ابن بسام أن المتوكل صاحب بطليوس أول من اتخذه كاتبا ، وأثنى على بيته وذاته ، وأثبت له رسالة من غير طائل ، وشعرا تركه أولى من إيراده . وأثنى عليه صاحب " القلائد " وذكر أنه تكدر فيئه فى آخر عمره ، وأساء فى حقه القاضى أبو عبد الله بن حمدين ، وأن أخلاقه كانت صعبة ، فقلت من غربه ، وكانت سببا لطول كربه ، ولم يورد له إلا قوله (١) :

ركبوا السيول من الخيول ور كبوا

          فوق الموالى السمر زرق نطاف

وتجللوا الغدران من ماذيهم

             مرتجة إلا على الأ كتاف

أبو بكر محمد بن عيسى بن عبد الملك      ابن عيسى بن قزمان الأصغر

إمام الزجالين بالأندلس ، وسير من عجائبه فى "الأهداب"

والفنون ، ما عوضت به  عما استلبته منها من عيش ومال وتصبر .

وأخيرا دفعتها الحاجة الملحة . بعد أن كظمها الحزن وآسفها الغيظ ، فاهتدى بها تفكيرها إلى عمل حر ، وهو أن تخبز الخبز وتبيعه على البيوت . والزائد منه ترسله إلى السوق . . . وكذلك شأن الأحرار الذين يحملون بين جوانحهم وفى حنايا ضلوعهم قلبا مؤمنا كبيرا ، ونفسا عزيزة عالية ، وطباعا أبية شماء . لا تثير فيهم الطمع أموال الأغنياء ، ولا بهرجة أولاد الذوات .

وبدأت الفتاة فى عملها  وباشرته بصدر رحب وروح مسرورة راضية وخاطر طروب .  وعينت لها زبائن ممن يجاورها من البيوتات . وراحت تعطى كل بيت ما يطلبه من الخبز يوميا بعد أن تطرق الباب طرقا محترما حييا ، لا يجلب ريبة ولا يثير شكا . ثم تقف منزوية بوصيد الباب حتى يخرج إليها من يأخذه من يدها فتذهب حيث تعطى البيت الثانى ، فالثالث ، فالرابع ، وهكذا .

وقد كانت البيوت التى تبيع لها كلها بيوت أغنياء ، وذوات ، وموسرين . ينم مظهرهم عما هم فيه من جاه محسود ، وسعادة محضة ، وعيش لذيذ .

واتفق أن طرقت باب أحد زبائنها . فبدل أن تخرج إليها الخادم - لأنها كانت مشغولة - خرج الابن الأ كبر لصاحب الدار ، ولأنه كان على مقربة من الباب . فتناول الخبز من يدها ، وكان شابا ساذجا يركن إلى العزلة والسكون أ كثر أوقاته . فلا ترراه إلا منزويا عن أهله ، منعزلا عن إخوانه وأصدقائه ، كأنه برئ من العالم ، والعالم منه براء . بل كان يتردد على بين حين وآخر ، وأنا فى مكتبى فيجلس طويلا ، ولكن كأنه السجين لا يتحرك بحركة تحس فيها شيئا من النشاط . وكل ما بالأمر أنه كان يقضى أ كثر وقته عندى فى تقليب صفحات كتاب لا تقع عينه على صفحة إلا طفرت منها إلى الأخرى . فلم

تكن له نزعة معينة أو ميل خاص لشئ مما يقرأ أو يطالع .

وانقطع عنى مدة طويلة ، ورأيته بعدها وإذا هو شاب غرانق . تقتله اللحظة وتأسره الإيماءة ، مرهف الحس ، طلق اللسان نشيط الحركة ، من الطراز الأنيق الخفيف ، يعرف الأصول ويجيد (الاتيكيت) .

فأدركت أن فى الأمر شيئا ، وأن هذا التغير الفجائى الذى جعل من هذا الشاب الأشعث المنزوى الأخرس ، شابا نظيفا ، اجتماعيا ، طلق اللسان . لا بد أن يكون دافعا نفسانيا قويا ألح عليه وحمله على تغير أحواله وأطواره .

وماكدت أسأله عن سبب هذا . حتى كاد ينفجر كأنه بركان ينفث من جوفه رهجا وشواظا قل أن يصيب أحدا ولا يرديه . ثم تنهد وقال بعد آهة وزفرة طويلتين ، وبنبرة شجية قاتلة :

أخى : كف عن لومى فإنك لا تدرى

          بما فعل الحب المبرح فى صدرى

أخى أنت تلحانى وقلبك فارغ

            وقلبى مشغول الجوانح بالفكر

دوائى ودائى عند من لو نظرتها

         تحرك جفنيها لأقصرت عن زجرى

وبعد كلام طويل قال : وما كدت أتناول الخبز من يدها .حتى رأيت جمالا فارطا ، وأنوثه كاملة ناضجة ، ودما شفافا ينم عن كنز مصون ما رأت العيون مثله إلا نادرا . وما كدت - يا أخى - أختلى بنفسى بعد ذلك حتى تأليت على الفكر وأخذت تنازعنى الهواجس . وأحسست دبيب الحب فى قلبى ورسيس الهوى ، ودوافع الغرام . . ومن أين هذا الملاك الذى تزيا فى زى خبازة يأتى ليقدم لنا الخبز تنشغل الخادم فأخرج أنا لأتناوله عن غير قصد ولا تأميل ، فتصمينى ؟ ومن تلك التي فاجأتنى فى ذلك الصباح الباكر ؟ فليت شعرى أ كان فاتحة لخير عميم أم لشر مستطير ؟ .

ثم ماذا تكون هذه الخبازة وأنا فلان بن فلان ؟ وقال : ثم عدت إلى الخبز أقلبه بين يدى ، وأتأمل تلك الحركة الخفرة التى ناولتنى بها إنتاجها بتلك اليد الرخصة الكريمة .

وطفق الفتى يستيقظ مبكرا ، فيغسل وجهه ، ويمشط شعره ويرتدى ملابسه كاملة بعد أن يتعطر . فيطل من الشرفة أو يتخطى فى البهو ، أو عند وصيد الدار ، حتى يتناول من يدها الخبز عندما تطرق الباب .  وكثيرا ما كان يود أن لو فاجأها بتحية الصباح . ولكنه لم يفلح في ذلك ، ثم يتوارى فى البيت - من سوء مامنى به - وهو كظيم .

لكن الأمر تعدى هذا الطور الذى كان فيه ، وأصبح الفتى هلوعا وإلى لقياها نزوعا . وكان كثير الذهاب والإياب من أمام بيتها . وربما استوقف أحد المارة عند الدار أو على مقربة منها لسؤال تافه ، أو حديث عقيم .

ويأخذ معه فى الحديث ، ثم يعمد إلى إرسال نظره وتصويبه إليها بنظرات حادة نافذة ، كأنه يريد أن يخرق بها الجدران ليشاهد من فى الدار من أناس .

حتى أصبح وكأنه مسئول عن مراقبة ذلك الطريق وتلك الدار . على أنه يعترف بأنها ما كلمته كلمة واحدة ولا عطفت عليه بنظرة واحدة .

واتخذ لنفسه دفترا صغيرا كالمفكرة ، يكتب فيه ملاحظاته اليومية . وقد ملأه بألفاظ آه . . . وواه . وإيه . وقد كتب فى أول صفحة من صفحاته اسمها بالخط الثلث ، والرقعة ، والفارسى ، والكوفى ، والديوانى ، وكل أنواع الخطوط . ثم صفحة ثانية وثالثة فيها نماذج من الأشكال الهندسية مكونا منها اسمها ، فمنها المربع والمثلث والمستطيل ، وخرج حروفها وحسب أرقامها على حساب الرمل والنجم ؛ فالناظر إلى تلك المذكرة السفيهة وما فيها من حسابات وعبارات وأشكال لا يشك فى أن كاتبها إنسان فى عقله مس ، أوهوس ، أو جنون .

وكنت كلما عذلته على هذا الحب السلبى الذى لا فائدة

من ورائه ، ازداد فى عناده ولج فى هواه ، وربما كان يتمثل :

رأوها بعين غير عينى فأصبحت

                 قلوبهم  فيها  مخالفة  قلبى

وأخيرا . . . !

وأخيرا أراد مواجهتها فى دارها ومفاتحتها بكل شئ ، وصمم على ذلك . وإلا فما معنى كل هذا !

وتمرضت الخادمة ذات يوم . فرأى أن الفرصة سانحة للذهاب بنفسه إلى بيت الخبازة وجلب الخبز بنفسه للبيت بحجة أن الوقت قد تأخر . وقام لتوه دون أن يهتم بتقاليد أسرته ومكانة والده ، وذهب إليها فى صباح ذلك النهار . واتجه نحو الدار فوجد الباب مفتوحا ، فمرق فى الدار كأنه السهم وألفى فتاته الفتانة أمام تنورها ، وقد أضرمت حرارة النار وجنتيها فتوردتا . وكان العرق يقطر من جبينها كخرزات من اللؤلؤ الفريد انفرطت من سمطها ، فهى مبعثرة هناك وهنا .

تلك القطرات من العرق فوق ذلك الجبين العالى الأبى ، وتلك النفس الحرة العالية مما جعل للموقف جلالته ، وللجمال روعته .

تقدم ووقف على بضع خطوات منها وحياها . فالتفتت وكأنها الطفل الخائف ، أو الغزال الشارد النافر ، ثم اقترب منها يحدثها فرأت فيه شابا عرما ذا أخلاق دنيئة وآداب سافلة رذيلة وتربية منحطة ذليلة . فتناست فيها مركز والده ، وشرف أهله ، وعظيم مكانهم فى البلد ، وتحفزت فيها فضيلة العفة المهانة ، وفضيلة العزة الجريحة ، والحرمة المهيضة ، وتصاغر عندها ذلك الجاه المغشوش ، وتلك العزة الكاذبة الرعناء .

ورأت من الحكمة أن تقذفه بشئ لتطرده بعيدا عنها ، ولكنها لم تجد لديها آنذاك ما ترميه به سوى تفلة لتذبه عنها ، كأنها تنهر كلبا ، أو تطرد ذبابة من بعيد . وأجابته على سؤاله ( ما اسمك ) ؟ قائلة له بعد البصقة : أنا (أم السعود) ... !!!

اشترك في نشرتنا البريدية