الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 464 الرجوع إلى "الثقافة"

معلومات جديدة، عن ابن قزمان (٥), (١) الوضع الحالي

Share

إذا نظرنا إلي عدد المؤلفات المنشورة في الأعوام العشرة الأخيرة، تحس بتقدم دراسة ابن قزمان تقدما كبيرا. وإن ظهر لنا خلاف ذلك فإن السبب اتجاه العلماء إلي دراسة اللغات المتفرعة عن اللاتينية وانحرافهم عن اللغة العربية لكثرة العراقيل في طريقهم إليها.

وظن مستشرقان عالمان من نفسهما القدرة على دراسة ابن قزمان بعد دراساتهما التمهيدية في العربية، مستعينين بالمخطوطة الوحيدة التي تم نسخها في الشرق في منتصف القرن الثالث الهجري، ثم حصل عليها المتحف الآسيوي في لينتجراد في بداية القرن التاسع عشر. ووصف روزن تلك المخطوطة في عام ١٨٨١، كما نشر دى جونزبرج صورة فوتوغرافية لها عام ١٨٩٦. وفي عام ١٩٣٣ نشر نيكل في أسبانيا نتائج دراساته في كتاب كبير يسمي "محاضرة عن ابن قزمان"(١) ضمنه مقدمة وترجمة شعرية لبعض أشعاره وتحقيقا للأصل. ولكن الكتاب لم يصادف نجاحا كبيرا. وبين كولن الذي كان يعد أقدر من يستطيع تناول لغة ابن قزمان، بمناقشاته الغنية أن مقال الأستاذ التشيكي أخفق تماما على الرغم من الجهد الذي بذله فيه، وأنه لا يمكن الوثوق بتحقيقه وترجمته، بل يذهب إلى أبعد من ذلك فيظهرنا على غلطتين كبيرتين فيه. ويختم مقاله قائلا: "لايزال ابن قزمان ينتظر محققا ومترجما".

أما كتاب توليو فلم يظهر إلا في عام ١٩٤١، ولذلك

لم يوجد الوقت الذي يسمح بدرسه والكتابة عنه. ويدل عنوانه على أنه نسخة "ناقصة مؤقتة" لسبعة أزجال تظهر فيها خصائص ابن قزمان، مع ترجمة فرنسية. ويبدو أن هذا الكتاب ليس بأحسن من كتاب نيكل وإن زخر باللغويات الدقيقة. فكلا الدارسين ينقصه بعض الأشياء الضرورية لفهم الديوان الذي يعرقل أبحاثنا فيه وجود نسخة واحدة منه، وأعني بتلك الأشياء معرفة قواعد الكتابة العربية القديمة، والتحقق من الأوزان التي يستخدمها الشاعر، وخاصة الإلمام باختلافات اللغة العربية الأسبانية وأخواتها من لهجات مراكش العربية. كما لاشك أنه تنقصهما للمعرفة الوثيقة بالمجتمع الإسلامي في الغرب، تلك المعرفة التي لا يستطاع الإلمام بها إلا بالمخالطة اليومية لمدني الغرب وفلاحية. وذلك هو نفس العذر الذي اعتذر به دوزي في عام ١٨٨١ عن عدم نشر ديوان ابن قزمان حين كان يطبع معجمه. فكتب إلي روزن: "يجب على الإنسان أن يطيل الإقامة في الشرق ويتعمق في دراسة اللهجات الحالية، وخاصة لهجات مراكش، كي ينجح في مثل هذا العمل".

وعلي الرغم من عدم جدوي جهود نيكل وتوليو، فقد بدأ العمل تبعا لفكرة واحدة، هي شرح المقطوعات الكثيرة في الديوان التي تستخدم اللغة الأسبانية بدلا من العامية الدارجة، كما اعتاد ذلك بعض طبقات الأندلسيين في ذلك الحين. وأعطيا، بحق، هذه المقطوعات قيمة لغوية كبيرة، وأرادا أن يزيحا عنها كل ظمة. وليسا أول من حاول شرح هذه العبارات الأسبانية المكتوبة بالخط العربي في المخطوط. فقد بذل سيمونت وربيرا قبل ذلك بوقت طويل مجهودا صادفه بعض النجاح لفك طلاسم هذه المقطوعات التي لا يستطاع تخليصها من النص العربي عادة. وأثار ربيرا عام ١٩١٢ شيئا من الجدال بمقاله الذي رأي فيه للمرة الأولى أن التشابه بين صور المقطوعات

وتغيرات القافية في الشعر الأسباني العربي  (الموشح والزجل) وبين أغاني التروبادور في اكويتين وبروفنس ليس وليد المصادفة، فأثار هذا الفرض الجريء مناقشات حادة ولكنه ثبت لها وصمد أمامها. ثم تعرض للمسألة ثانية الدكتور رامون منديز الذي يعتبر إمام الدراسات اللاتينية الأصل في أسبانيا، وبحثها بكل دقته العلمية التي لا نظير لها، فحاول في كتاب صغير يسمي "الشعر العربي والشعر الأوربي" (١) أن يحل مسألة الصور الشعرية التى آثارها ربيرا، ومسألة الأصل العام للموضوعات التى عالجها التروبادور والشعراء العرب الأسبانيون في القرون الوسطى. ويعتقد الآن العلماء الباحثون في اللاتينيات بأن أصل "الحب العذري" أو الروحي الذي تغني به المغنون في جانبي جبال البرانس كليهما موجود في الشعر العربي الأسباني.

ولعل ذلك الرأي صحيح، ولكن لم يوجد الدليل القاطع على صحته. أما الشئ المحقق فهو أن ذلك الأصل لا يوجد في شعر ابن قزمان. ويقول كولن: "لم يوفق الذين يبحثون في أسبانيا العربية عن أصل الحب العذري عندما اختاروا ابن قزمان" ، فقلما يكبح هذا الشاعر من جماح خشونته وشهواته ليفسح المجال أمام مثله العليا لتظهر في المقطوعات اللاذعة التي تسبق مدائحه. ويصرح ابن قزمان نفسه بأنه يحتقر ما بسميه "حب المروة" ومن الظاهر أنه لم يتأثر بنظريات الحب العذري التي نادى بها مواطنه ابن حزم في "طوق الحمامة" قبل ذلك التاريخ بقرن من الزمان. ولو انغمس ابن قزمان في العلاقات الغرامية العفيفة التي صورها شعراء الشرق الأقدمون أجل تصوير، وكان هو نفسه يعرفها معرفة جيدة، لفقد شخصيته، ولم يصبح ابن قزمان الذي نعرفه.

ولكن ما الرأي في المشاكل التي يعني بها علماء اللاتينيات؟ الإجابة عن هذا السؤال غير متيسرة إلا بعد

حصولنا على نسخة صحيحة من ديوان ابن قزمان تنطبق عليها شروط دوزي، وعلى ترجمة يستطيع أن يعتمد عليها علماء اللغة والتاريخ الأدبي. ولعل هذا اليوم قريب.

فمنذ بضعة أعوام ترجم كولن جميع أزجال المخطوط ترجمة شعرية علمية. وأزالت هذه الترجمة معظم العقبات التي تعترض المستعربين في دراسة ابن قزمان لقيامها على الميزة التي تتحلى بها اللغة العربية الأسبانية والعروض القديم (المقاطع الطويلة والقصيرة وعددها) وسار عليها الزجل، تلك هي الميزة التي اقتضاها استعمال حروف المد. فبين كولن بذلك أن الأشعار سليمة وموزونة، ووضح كثير من المواطن الغامضة التي ترجع إلي التقسيم السيء للألفاظ من تلقاء نفسها. وانحلت طلاسم ابن قزمان اللغوية وإن بقيت بعض المقطوعات غير واضحة المعني أو مستعصية علي الفهم. فيستطيع القارئ اليوم أن يفهم شعره مادام ملما باللهجة المراكشية وأمامه معجم شبايرلي. وأخذ العمل على ترجمة الديوان وشرحه يتقدم تقدما محسوسا. إذ تفضل كولن بطلب معاونتي، ولولا بعض الأعمال الآخرى وصعوبات الوقت الحاضر لفرغنا من هذه الترجمة. ولكنني لست منتظرا نشر هذه الترجمة، بل أقدم لكم بعض الحقائق عن الشاعر.

(له بقية)

اشترك في نشرتنا البريدية