كم من مرة اثيرت مشكلة الحجاب ودارت المناقشة حولها ويلاحظ البعض انه فقد معناه الخلقي ساخطا على انحطاط الاخلاق في جميع انحاء الدنيا ، ويتحدث الآخر عن الضرر الذي يلحق الفتاة منه معتبرا الناحية النفسانية او التقدم البشري ناقما على الحجاب كما ينقم على كل ما يذكره بالتقاليد التي قضت على بلادنا متعطشا للحرية التي تأتينا بنفع ، ويتبين من حديث الاول ان الحجاب لم يزل محترما ويمكنه ان يسترجع معناه ويتبين من حديث الثاني ان قيمة المرأة لم تكن في ارتداء حجاب لم تفهم معناه بل في القيم التى تفهمها وتحياها وتدافع عنها .
فيختار العقل ويأخذ في تصور ما يمكن ان تكون حياة امرأة تحترم معاني الحجاب كلها كما تراها الاغلبية فهي منعزلة لا تعرف الا بعض اقارب بها ولا يراها رجل غيرهم فيترتب على ذلك انهم يسدون كل حاجاتها المادية - لا المعنوية - من تلقاء انفسهم ولا يظلمونها في معاملتهم إياها معصومين من التعدي لانها غير قادرة على فرض إرادتها عليهم الا بالتي هي احسن .
ويمدنا التاريخ بمثال الخصيان الذين كانوا يكلفون في القصور بالقيام بشؤون المنزل وذلك لئلا تتصل النساء بعامة الرجال فليتصلن بالنساء إذن وليكن لهن عالم خاص ! لكن ما دام الرجال ارباب المنازل وكل الاماكن وارباب وسائل النقل كيف يمكن ان تقع هذه الاتصالات ؟
المرأة اذن منعزلة كالحيوان المتوحش وقد حيت بعض النساء هذه الحياة لكنها حياة الاغنياء والنبلاء واصحاب الجنات ، وبما ان التاريخ لم يتحدث عن سائر الناس فقد بقينا جاهلين بحالتهم إلا ان كل انسان يقلد النبلاء ! فالرجل العاجز على تشغيل الخدم يتكبد زيادة على اشغال الخاصة مشقة تزويد المنزل . بما يلزمه لتبقى المرأة محتجبة في غرفتها وكلنا سمعنا خرافات تحدثنا عن عجوو تجاسرت على مقابلة امراة في بيتها مدعية انها خالة لها . أليس من الغريب ان تكون السيدة جاهلة بوجود خالتها ؟؟
وتحدثنا جداتنا عن شبابهن وكيف كن " يحتجبن " كلما طرق الباب طارق ؟ ان لكل امرأة ابنا او أخا ويمكنها ان تتحدث عن البنت وعن صفاتها . أما البنت فمن واجبها ان تؤثر حياتها في دار ابويها على الحياة الزوجية !!!
دعنا الآن من كل ذلك ولنطرد تلك الاشباح حتى ندرس وضعية المرأة التونسية اليوم : نجد درجات كثيرة بين المرأة المحتجبة المنعزلة عن الحياة والمرأة السافرة التي لم ترتد الحجاب قط ، وهذا دليل على تضارب الافكار وعلى عدم استقرار وضعية المرأة وعلى اننا نعيش فترة انتقال لا يثق احد فيها بموقفه إزاء المشكلة فلنتساءل من تحتجب ومن لا تحتجب وما هو معنى الحجاب عندهما ؟
ففي الطبقات الفقيرة اغلبية النساء يحتجبن إما تقليدا " للبلديات " وإما لانهن لا يتقن في انفسهن حتى يكن قدوة لبقية النسوة ، لكن يلاحظ - خاصة في المدن - ان حجاب الفقيرة لا معنى له فهي اجيرة او عاملة او خادمة تقتضي مهنتها ترك الحجاب في مناسبات عدة ، واذا كانت ثيابها رثة اكتفت بالكشف عن وجهها اذا دخلت منزلا واحتفظت بحجابها الذي صارت وظيفته ستر العار ذلك ان كل امرأة مهما كانت حالتها المادية تستطيع ان تشترى " سفساري " منخفض السعر سهل التنظيف يلبس في الشتاء والصيف . يلتقي الانسان بهذه المرأة في كل مكان ويجدها في معترك الحياة تكد ولا تحصل على قوتها وقوت عائلتها .
أما المتوسطة فتقلد بنت " العائلات " التي تحتجب لانها لا تفكر ابدا في تغيير حياتها ولا تشعر بتغيير في الحياة اذ اسباب العيش متوفرة عندها فهي تفكر في مرور الفصول وفي المواسم للقيام بكل ما يجب القيام به في الاوان ، تكرر اقوالها وحركاتها والزمان يمر خارج منزلها ولا يتجاسر احد امامها على مخالفتها وتفتخر باسم ابيها وباسم زوجها كما تفتخر بحجابها راضية عن حياتها ، لا يمكن لها ان تستنكر عادة من عاداتها وإلا فحياتها تحطمت وقيمتها زالت ، والحجاب عندها يتبدل حسب الموكب الذي تحضره وتنافس النساء في ثمنه كما يتنافسن في ثمن ثيابهن فيصير هذا الحجاب عند البعض قطعة من الثياب .
اما البدوية فلا تحتحب أي لا تخفي وجهها ويديها ورجليها إلا اذا استقرت في ضواحي المدن بعد ان تركت الخيمة وسكنت الغرف واستؤجرت في المدينة ، فترتدي في بعض الاحيان السفساري فوق " الملية " لكن لا تتجمل وتبقى بسيطة
فى مظهرها لا تخاف انظار الرجال لانها لا تلفت الانظار وتتدرج في بعض الاحيان الشابات الاجيرات الى ترك الحجاب تماما وارتداء الثياب الاروبية اذا كانت الاماكن التي يعملن فيها مختلطة .
ومن الفتيات من قلدن الاوروبيات في سفورهن إذ عرفنهن في المدرسة او في مناسبات اخرى وسادت الفكرة في تونس بان الثياب الارويية كلها انقة ، ثمنها مرتفع ، اذ الاوروببون الذين حلوا بتونس معظمهم اصحاب مناصب عليا وفلاحون كبار وذوو امتيازات ، ودخلت الغنية معركة " الاموضة " واحتلت المغازات المشهورة ومحلات الخياطات البارعات باذلة فيها اموالا لا تحصى وهذه فرصة مكنتها في ان تمتاز عن سائر " البلديات " اللائي لم يحسن التصرف في ثيابهن واختيار الالوان وذاقت هذه الغنية بجانب زوجها ملذات الحياة في الشرق والغرب مسلمة بحسن كل ما تراه ناقمة على العبودية والعادات البالية غير قادرة على فهم وضعية بقية النساء تنظر لهن بعين الشفقة والكبرياء والسخرية .
وتقلد المتوسطة في ارتداء الثياب الاوربية محتفظة بالحجاب في غالب الاحيان تتردد بين " المتمدنة والبلدية " ولعل اقاربها من الصنفين .
وتحتجب الان بعض النساء لانهن لا يجدن داعيا للسفور آملات ان تتغير الاحوال وان يسمح لهن يوما من الايام بالتمتع بكل ما يسمعن به ولا يشاهدنه فهن يعرفن ان كل شىء في تغير وتطور مستمرين ! ولا يحتجب البعض الاخر لانهن نشأن على السفور وتعودن به .
ويمل الفكر في تحليل موقف هذه وتلك اذ يعتقد ان الحجاب في الصورة التي هو عليها اليوم سيصبح من غير شك موضوعا تاريخيا لكن لو فرض السفور على النساء كما يتمناه البعض لما غير من حياة المرأة شيئا وكيف يمكن ان يغير شيئا و " المدينة " قدت على قد الرجل في ساحاتها ودورها العمومية ومقاهيها .. والمرأة نفسها تجهل في غالب الاحيان الحساب وتعجز عن صرف المال واشتراء البضائع ؟؟ اما ثيابها فلا تليق بالسير والحولان اذ هي فضفاضة سريعة السقوط تشبه الى حد بعيد ثياب نساء عهد التبرج في فرنسا قال العهد الذي صار فيه النساء والرجال يتباهون بكل ما هو خارق للعادة !!
ويصعب على المرأة ترك الحجاب في احياء كثيرة لان عقلية التحجب سادت وتسيطرت على العقول وعلى الاوضاع حتى على هندسة البناءات فبناء المنزل وشكله يدلان على الانانية : تقام الجدران عالية لا نافذة فيها من غير مراعاة لجمال الموضع ولا المصلحة العامة ، المهم هو الفصل بين الحياة المنزلية والحياة العامة ! وهذه العقلية
لا تزال سائدة اليوم فبعد ما تبنى " الفيلا " يأخذ صاحبها في بناء اربع جدران لحفظ شرفه وصون حرمة .
وفي فكر المرأة يختلط ما هو خارق للعادة وما لا يليق ارتداؤه . نحن نتحدث عن الحجاب كأنه امر يهم النساء بمفردهن وفي الحقيقة يتمثل في الحجاب نوع العلاقة بين الرجل والمرأة ولذا فهو يهمهما معا : فالرجل هو الذي فرضه ولا يزال يفرضه على المرأة فمن حق المرأة أن تشك في صلاحيته وكلنا يعلم ان بعض النساء يدافعن عن الحجاب ويعتبرنه برهانا على وفاء العروس لزوجها وعلامة طاعة واخلاص ويؤمن بأهمية وظيفتها الجديدة التي ستملأ حياتها وتزيل قلقها .
وكلما اراد الزوج ان يسمح لزوجته بالخروج سافرة فعلت من دون تردد فرحة لانها ستكون " معبودة " من دون ان تخشى العبودية .
لكن تتعاقل المرأة التي ترضى العبودية انها خانت جنسها وتتغافل المرأة التي تعتق السفور عندما تصبح قادرة على ارتداء ثياب " الموضة " انها خانت الفقيرة والجاهلة ونغصت عليها عيشها بينما كان يجب ان تكون قدوة لها ، وفي تونس وشمال افريقيا كله لا يمكن للمتمدنة ان تتغافل عن عواقب اعمالها عندما صارت اعمالها تؤثر في مستقبل بلادها تأثيرا عميقا .
ويمكننا ان نقول الآن ان الحجاب لا يكتسب معنى الا اذا اعطته المرأة معنى ولا يكون له قيمة اذن الا اذا فهمت معناه النساء لكن لو حاولن ان يفهمن معناه لادركن اما انه لا معنى له واما ان معناه غير المعنى الذي يعتقدنه .
فلا يمكن ان يكون الحجاب حاجزا بين المرأة والحياة العامة . الحق ان معنى الحجاب الحياء في اللباس والادب في السلوك والحياء والادب من الاخلاق الفاضلة التي ليست واجبا على المرأه وحدها بل هي مفروضة على الجنسين ومحمودة في الجنسين لذلك ليس من العدل ولا من المعقول ان يفرض الاب والزوج الحجاب كما يشاءان .
على المرأة اذن ان تدرك مفهومه وان تحصر معناه في ثيابها وحسن سيرتها وعلى الرجل ان يحسن معاملة النساء عوض ان يحرص على شرفها من جهة ويستغل ضعفها من جهة اخرى وبهذه الصورة لا يبقى الحجاب عرضة لتطور المرأة وعرقلة لمشاركتها في الحياة العامة تلك المشاركة التي هي الضمان الوحيد لتساهم المرأة في التطور عوض ان تخضع له .

