الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 608 الرجوع إلى "الثقافة"

معنى الحضارة

Share

الحضارة اسم يطلق على جميع نماذج السلوك التي يكتسبها الإنسان من حياته في المجتمع ، والتي يتبادلها الأفراد فيها بينهم ويورثونها لما يليهم من الأجيال ، معتمدين في هذا النقل والتوريث على عدد من الرموز والمصطلحات الجمعية ، من أهمها اللغة والكتابة . ومن ثم فهي تشتمل على كل ما أنتجته الجماعات البشرية على طول التاريخ ، وهي بهذا لا تقتصر على اللغة ، أو الصناعة ، أو الفن ، أو العلم ، أو القانون . أو الحكومة ، أو الأخلاق ، أو الدين فحسب ؛ وإنما تتضمن أيضا جميع المظاهر المادية من منشآت ومؤسسات وغيرها مما تتجسم فيه المنتجات الحضارية ، وتستطيع الحضارة العقلية أن تؤثر تأثيرها العملي عن طريقه ، وبهذا يعتبر من مظاهر الحضارة مختلف الأبنية ، والأدوات ، والآلات ، ووسائل المواصلات والأدوات الفنية . . الخ

ومن هذا يتضح لنا أن الدلالة العلمية لكلمة " الحضارة " مختلف تماما عن معناها الدارج ؛ لأنها - كما رأينا - تشتمل على كل ما يمكن أن يعلم عن طريق اتصال الأفراد في المجتمع ، واتصال المجتمعات بعضها ببعض ، وواضح من هذا أنها تضم جميع اللغات ، والتقاليد ، والعادات ، والمؤسسات ، والنظم الاجتماعية . ولما كنا لا نعرف جماعة إنسانية إلا ولها لغة وتقاليد وعادات ونظم ومؤسسات ، فإن الحضارة تكون هي الخاصية العامة التي تتميز بها المجتمعات الإنسانية . .

على أن من الجائز أن يكون هناك ظل من الحضارة في عالم الحيوان ، أو على الأقل في مرائيه القريبة من الإنسان ؛ ولكن لما تكن ثمة جماعة حيوانية ذات لغة منطوقة ، فإن الوسيلة الأساسية لنشر وتوريث حضارة مثل هذه الجماعة - إن كان لمثلها حضارة - تكون قد انعدمت ، وبالتالي يحق لنا أن ننفي معنى الحضارة عن عالم الحيوان . . وأصل الحضارة باعتبارها مميزا من مميزات الإنسانية ،

إنما يكمن في هذه القدرة السامية التي يتمتع بها الإنسان . وهي القدرة على التعلم من تحاربه وخبراته ، وعلى نقل ما يتعلمه بواسطة رموز أهمها اللغة . والكشف والابتكار عما تمنينا التعلم لدى الإنسان . ونقل ما يكتشف وما يبتكر وتوريثه بواسطة عمليتي التعليم والتعلم يؤدي إلى نمو الحضارة وازدهارها لدى الجماعات ،

ولما كانت الحضارة تنتقل بواسطة التعليم والتعلم - سواء كانا مقصودين أو غير مقصودين - فإن الجانب الأساسي من الحضارة إنما يكمن في نماذج السلوك التي تتمثل في تقاليد الجماعة ، أي في معارفها وأفكارها ، ومعتقداتها وقيمها ، ومعاييرها ، والعواطف التي تسود فيها ، وبالجملة في كل ما يتعلق بالجانب العقلي والوجداني فيها . .

. أما الجانب الحسي من الحضارة ، فهو عبارة عن سلوك الجماعة الفعلي ، أي في كل ما تقوم به وما تنتجه وفقا لمستواها العقلي والوجداني ، فيتمثل هذا الجانب في عاداتها ، وفي نظمها ، ومؤسساتها . الخ ولكن العادات ، والنظم ، والمؤسسات ، تكون في معظم الأحيان تعبيرا عن أفكار الجماعة ، ومعتقداتها ، وقيمها ، وما يغلب عليها من مشاعر وعواطف . ومن ثم يكون صميم الحضارة في جماعة من الجماعات هو المزاوجة بين أفكار هذه الجماعة وبين ما يكتنفها من ظروف الحياة

وبهذا يكون تعريف الحضارة تعريفا سلوكيا ، ) أي يحسب ما يتمثل منها في السلوك الظاهري للجماعات ( تعريفا ناقصا ؛ لأن التعريف الجامع للحضارة يجب أن يتناول كلا من مظهر بها الذاتي والموضوعي . فالواقع أن حضارة جماعة من الجماعات الإنسانية ، إنما تتمثل في كل من تقاليدها ، ) وهي أفكارها ، ومعتقداتها . . الخ ( وعاداتها ، ) وهي التطبيق العملي لهذه الأفكار ، والمعتقدات . والح ( ، مع مراعاة أن التقاليد - وهي الجانب الذاتي من الحضارة - تعتبر هي العنصر الأساسي فيها .

اشترك في نشرتنا البريدية