الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 464 الرجوع إلى "الثقافة"

معنى الهجرة فى الاسلام

Share

كانت فكرة عبقرية تلك التى أوحت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يتخذوا هجرته من ( مكة ) إلى ( المدينة ) مبدأ للتاريخ الإسلامى .

ولو أن الصحابة عمدوا إلى ميلاد الرسول ، أو بعثته ، أو انتصاره على المشركين فى أولى ملاحمه ( بدر ) ، أو فتح مكة ، أو الخروج لغزو الروم أول مرة ، لسكان لهم فى أى مناسبة من هذه عيد سنوى رائع الذكر جليل الأثر .

ولكنهم رضوان الله عليهم لاحظوا فى الهجرة معنى لا يتحقق بتمامه فى واحدة من المناسبات الأخرى ؛ فكتب التاريخ نروى أن ( أبا موسى ) كتب إلى الخليفة (عمر بن الخطاب) : أنه يأتينا منك كتب ليس لها تأريخ ! - وكانت العرب تؤرخ بعام الفيل - فجمع ( عمر ) الناس للمشورة ، فقال بعضهم : أرخ بمبعث النبى . وقال بعضهم : بمهاجره ؛ فقال عمر : " لا ، بل بمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن مهاجره فرق بين الحق والباطل ) ؛ وكان ذلك فى سنة سبع عشرة أو ثمانى عشرة من الهجرة ، وقبل بل كان ذلك بعد مضى سنتين ونصف من خلافة عمر .

وسواء أكان المشير بهذه الفكرة ( عمر ) أم (عليا)

أم غيرهما من الصحابة ، فإن الاختيار كان لخصوصية فى الهجرة أدركها النفر الذين لازموا رسول الله فى منازل الوحى ، وشهدوا مراحل جهاده ، وخبروا أثر كل مرحلة فى تطور الدعوة ورسوخ أصولها . وقد عبر رائدهم من هذه الخصوصية إجمالا ، فذكر أن هجرة رسول الله فرقت بين الحق والباطل ؛ ولو شاء أن يتوسع فى تفسير تلك الخصوصية لقال : إن هجرة ( محمد ) لم تكن هربا من  من دار خوف إلى دار أمان ، ولا نبذا لوطن ضاقت مذاهب العيش فيه ، ولا جريا وراء مغنم من مغانم الدنيا ، ولا حرصا على توسع فى فتح أو استعمار ؛ ولكنها كانت انتقالا للمرحلة الثانية والأخيرة من تبليغ الرسالة ، وإعلاء كلمة الله فى الأرض ، وإقامة بناء الإصلاح الدينى والاجتماعى  الشامل على أساس ثابت الدعائم والأركان ؛ فقد لبث الرسول  فى مكة ثلاث عشرة سنة ، يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة  والموعظة الحسنة ، ويجادل بالتى هى أحسن ، ويحتمل هو  وأتباعه القليلون من صنوف الأذى والعنت ما لا يقوى على مثله إلا أولو العزم ؛ وقد انبعثت من مكة فى تلك المدة أضواء أنارت أنحاء ( يثرب ) وبعض البقاع المجاورة ، ونقلت إلى قلوب السابقين الأولين من المؤمنين ، وهيأت للدعوة الجديدة أنصارا يفدونها وصاحبها بالنفس والنفيس .

فأذن الله للذين ظلموا أن يخرجوا من القرية الظالم أهلها ، وأن يردوا الأذى عن أنفسهم ، وأن يعدوا العدة لجهاد منظم مستعينين بالأصول الحربية والسياسية والاقتصادية والعمرانية التى يتطلبها إنشاء دولة باقية إلى يوم الدين .

وإذا فقد شهدت السنوات العشر - التى قضاها ( محمد ) بالمدينة قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى - أول انتصار فى تاريخ الأديان المقلة المؤمنة على الكثرة الضالة ، وأول معرض للبطولة التى تستمد إلهامها من حرارة اليقين ، وأول سوق تباع فيها الأنفس والأموال ، ومشتريها الله .

وقد شهدت تلك السنوات أول رسول ( وآخره ) يؤمر من السماء أن يقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله الله ، وأنه رسول ، فإذا قالوها عصموا منه دماءهم وأموالهم ؛ وشهدت أول مشرع ( وآخره ) يبنى على وحى السماء نظاما للدين والدنيا يحدد علاقة العبد بربه ، وعلاقة الإنسان بالإنسان ، وعلاقة الفرد بالمجتمع ، ويقيم حياة الأسرة ونظام الهيئات وبناء الدولة على أسس من التعاون والتعاطف والسلام والحرية والإخاء والمساواة والعمل لخيرى الدنيا والآخرة .

إن كل كارثة تصاب بها الإنسانية - عصرا بعد آخر - فى حروبها واستعمارها ونزاع طوائفها وانحلال أخلاقها ، برهان جديد على سلامة النظام الذى وضع أساسه ( محمد ) فى مهاجره ، وعلى ضرورة الرجوع إلى هذا النظام إذا أريد للإنسانية التقدم والسلام . وإن مقدار النجاح الذى يصيبه المسلمون فى مشارق الأرض ومغاربها فى حفاظهم بدينهم وحريتهم ، وكفاحهم ضد الغاصب ، ومحاولتهم أخذ مكانهم بين أمم العالم ، إنما يتوقف على مبلغ ما يدركون من أسرار دينهم وسيرة رسولهم ، ومبلغ ما يحافظون عليه من عناصر الحياة التى سنها لهم ( محمد ) فى كفاحه وجهاده .

لقد كان ( محمد ) نموذجا فى البطولة وصدق العزيمة

والصبر والوفاء والتسامح وقوة الإيمان . وقد وضع بهجرته فى سبيل الله ركنا من أركان الحياة الإسلامية الصحيحة التى فهمها السلف ، فآمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم . وقد كان المسلمون الصادقون - ولا يزالون - يعتبرون الهجرة فى سبيل الحق جزءا من دينهم ، يقرنونه بالتوفيق وبالعمل الصالح ؛ فكان منهم النازحون عن الأوطان إلى ثغور الإسلام النائية يقومون على حراستها ، وكان منهم المغتربون عن الأهل والولد فى طلب العلم ، وتحقيق روايته ، وكان منهم الفارون بدينهم من الفتن ، وكان منهم الزعماء المهاجرون من أوطانهم للجهاد فى سبيل حريتها واستقلالها ، وإصلاح دينها ، وكان منهم النابذون للدنيا ومطامعها والهاجرون لشهوات النفوس ورغائبها ولكل ما نهى الله عنه من إثم ومعصية ، وكان منهم المنخلعون عن أموالهم طلبا لمرضاة الله ، ينفقون مما آتاهم الله من فضله على الفقير والمسكين وابن السبيل ، وفى سبيل العمران القومى من صحة وتعليم وغيرهما ، والمساهمة فى تخفيف ضائقة المنكوبين والمشردين وذوى الحاجات .

إن الهجرة كما سنها الرسول وفهمها السلف الصالح من المسلمين ليست مجرد اغتراب عن الوطن ، وإنما هى أخذ النفس بحرمانها مما هو عزيز عليها من أعراض الحياة وأوضاعها ، بل من الحياة نفسها ، فى سبيل مثل أعلى ، وحياة أعز وأرفع وأخلق بالمسلمين - وهم يعدون عدتهم للجهاد فى سبيل أوطانهم وحريتهم وعقيدتهم ضد الغاصبين وضد المهاجرين من شذاذ الأمم ومجرميها - أن يقفوا فى مستهل عامهم الهجرى الجديد وقفة يستوحون فيها العظمة والإيمان والفداء من سيرة رسولهم أكرم من جاهد وهاجر وأصدق من صبر وصابر . وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم .

( الاسكندرية )

اشترك في نشرتنا البريدية