محاضرة ألقاها الأستاذ W. G. Waddell أستاذ الدراسات القديمة بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول فى جماعة الدراسات اللاتينية واليونانية
ما أشبه قارئ الأدب الاغريقى بسائح يجوب أرضا تتخللها التلال والوهاد ، وتكتنفها الأحراش والسهول الخصبة - أرضا أشبه ببلاد الاغريق مهد هذا الأدب - فهو حين يقرأ «آيسخيلوس Aeschylus(٢) » و « بندار Pindaros(٣) » ، إنما يقف على قمة الجبل ، على ذروة كتلك التى بسط عليها أيسخيلوس مشهد مسرحيته « بروسيتيوس فى الأغلال » ، حيث مدى البصر بعيد والهواء ضنين - أو قد يدخل هذا السائح ، هذا القارئ . جنات « هومر Homerus » العبقرى الخالد ويستمتع بالهواء نقيا عليلا صافيا ، كما استطاع « كيتس Keats » بفضل ملكته الشعرية أن يستمتع به ، عندما أرهف السمع إلى صوت « شابمان (٤) Chapman » القوى الواضح النبرات ، فاذا بلغ المطاف مملكة أفلاطون الذهبية اجتاز أحراش
« الأكاديمية (١) » وسط أشجار الزيتون الوارفة الظلال حيث ينساب نهر كفيسوس Chephissus فى هوادة ولين ؛ ولئن نال منه الجهد فى هذا المكان البهيج ففى مكنته أن يتلمس راحته بين الخمائل والرياض ، وكان له فيها فناء أيما فناء .
إلى هذه الخمائل ، إلى هذه الرياض ، إلى حدائق الشعر الاغريقى أدعوكم الآن ، وأحب أول الأمر أن أقف لألقى نظرة على ( بعض أزهار مبكرة من البنفسج الأبيض ) فهذا هو الوصف الذى خلعه « ميلياجر Meleager » على قصائده التى أثبتها فى مؤلفه الذى ضمنه مختارات من الشعر اليونانى القصير التى جادت به فرائح شعراء الاغريق القدماء وأطلق عليه اسم « الاكليل » . قدم ميلياجر لهذا الاكليل من أزهار الشعر بمقدمة شعرية خص فيها كل شاعر من الشعراء الذين حوى « الأكليل » أشعارهم بزهرة خاصة اختيرت بعناية فائقة لتمثل أدق تمثيل أسلوب الشاعر أو الشاعرة . وهذا الاختيار ، اختيار الزهرة لكل شاعر ، على الرغم من أنه يبدو غريبا لأول وهلة ، إلا أنه أشد ما يكون انسجاما وطبيعة هذه الأشعار . ويرى الأستاذ « ما كايل Mackail » ( أن اختيار الزهرة الرمزية لكل شاعر قد تم على يدى ناقد صادق الحس وشاعر فى نفس الوقت ) .
لقد ضمن « ميلياجر » « إكليله » - كما يقول - : ( زهرات عديدة من السوسن <
و « مويرو Moero » (١) ، وزهرات قليلة « لسافو » Sappho (٢) إلا أنها ورود كلها ) . لم يحفظ لنا الزمن من أشعار « سافو » إلا القليل جدا ، مع أنه قد انحسرت رمال مصر فى السنين الأخيرة من عدد من أشعارها مخطوطة على أوراق البردى ، كما اكتشفت منذ عهد قريب جدا قصيدة كتبت على قطعة من الفخار . وإنى لأرجو أن يوفق الأستاذ سامى جبرة إلى اكتشاف جديد لهذه الشاعرة فى حفائره « بنونه الجبل » . هذه الحفائر التى أثارت الإعجاب والتقدير . لقد ضمن « ميلياجر » « إكليله » كذلك كروما وأزهارا متعددة الأنواع مختلفة الألوان لشعراء آخرين أمثال « سيمونيدس Simonides » (٣) ، و « الكايوس Alcaeus (٤) » ، و « كاليماخوس (٥) Callimachus » ، و « أنا كريون (٦) Anacreon » ، كذلك حوى إكليله ( غصن أفلاطون الذهبى الذى يضىء ببريقه البديع وسنائه الأخاذ هنا وهناك ) .
وقبل أن نقطف أية « بنفسجة مبكرة بيضاء » من بنفسجات « ميلياجر » ، نذكر شيئا يسيرا عن جامع هذه الزهرات نفسه :
ولد ميلياجر فى شمال فلسطين ببلدة « جادارا Gadara » ولا نكاد نعرف شيئا من سيرته وحياته أكثر مما أمدتنا به أشعاره التى لم تجد إلا بحقائق قليلة . كتب هذا الشاعر فى شيخوخته قطعتين من الشعر لتنقشا على قبره لا تخلوان من فكاهة مثيرة للعاطفة ، فهو يقول فى إحداهما : ( خفف الوطء ، أيها العابر ، ومر حثيثا ، فهنا أغمض الجفن بين الموتى الطاهرين ، شيخ غمره النوم الأبدى الذى هو
مآل الجميع ، « ميلياجر ولد بو كراتيس » الذى وثق روابط الألفة بين إله الحب حلو المدامع وبين مبدعات الفنون وإلهات الخير الطروبات . لقد شب وترعرع وبلغ الحلم فى « صور » المقدسة وأرض « جادارا » الطيبة ، وقضى شيخوخته فى حضانة « كوس » المحبوبة . أحييك تحية السوريين إن كنت سوريا ، أو تحية الفينيقيين إن كنت من أهل فينيقيا ، أو تحية الأغريقيين إن كنت إغريقيا . حينى يمثل ما أحييك به) .
لهذه التحية الثلاثية دلالتها وخطرها ، فقد ولد هذا الشاعر فى « جادارا » وقضى شبابه وشيخوحته فى « صور » و « كوس » . ومع أن هذا الشاعر سورى المولد إلا أنه إغريقى الأصل ، فوالده يدعى « بو كراتيس » ويحمل الشاعر نفسه اسم بطل أسطورة يونانية . وهو يكتب الاغريقية دون تعثر ، بل وببراعة فائقة ، وفقط كان للشرق الذى قضى الشاعر به حياته تأثير كبير عليه ، فقد طبع شعره بطابع جديد لم يألفه الشعر الاغريقى من قبل . إذ لا نلمح فيه هذه المميزات التى عرف بها الشعر الأغريقي فى عصور أوجه وازدهاره من رصانة وسهولة ، وإنما هو شعر رقيق بديع خيالى .
وغاية القول أن الحرارة العاطفية والحذق فى التعبير عن الانفعالات النفسية هما من خصائص نفحات هذا الشاعر العبقرى . وعدا قطعتى الشعر اللتين كتبهما هذا الشاعر لتنقشا على قبره تذكارا له ، فقد دمج ميلياجر أشعارا أخرى من النوع نفسه . إحداها مرئية لشاب يدعى « خاريكسينوس » قد اقتطفته يد المنون ولم يبلغ الثامنة عشرة من عمره . نقتبس منها هذين البيتين الذين يصوران فى جلاء حسرة الشاعر وفداحة المصاب :
( . . . وحتى أحجار البيت قد صرخت عند ما حمل الشباب من خلصائك جثمانك نائحين مولولين ) .
وقد رثى « كلياريستا » وهى عذراء قد تجرعت كأس
المنية المرير ، إذ استأثر بها الموت لنفسه دون عروسها ليلة عرسها فقال :
( . . . . . وفى الليل كانت تصدح الموسيقى شجية النغمات وقد دخلت العروس إلى خدرها وأوصد الباب من دونها ، فما إن لاحت تباشير الصباح حتى علا نحيب الموت ، فشقت الجيوب وخفتت ألحان الغناء ، وعلا صوت البكاء ، وسارت مع الركب هذه المشاعل التى أضاءت بالأمس مضجع العروس لتودع جثمانها مع المودعين )
كتب « ميلياجر » كذلك فى موت « آبسجينيس » صغير أحد معارفه هذين البيتين :
( حياك الله أيتها الأرض يا أم الجميع ، لم يكن « آبسجينيس » حملا ثقيلا عليك ، فهلا كنت رحيمة به فلا تكونى حملا ثقيلا عليه ؟ ) .
( يتبع )
