الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 110 الرجوع إلى "الثقافة"

معهد الأدب الاغريقى :, أزهار من أكاليل (١) إغريقيه

Share

محاضرة ألقاها الأستاذ W. G. Waddell أستاذ الدراسات القديمة بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول فى جماعة الدراسات اللاتينية واليونانية

ما أشبه قارئ الأدب الاغريقى بسائح يجوب أرضا تتخللها التلال والوهاد ، وتكتنفها الأحراش والسهول الخصبة - أرضا أشبه ببلاد الاغريق مهد هذا الأدب - فهو حين يقرأ «آيسخيلوس Aeschylus(٢) » و « بندار Pindaros(٣) » ، إنما يقف على قمة الجبل ، على ذروة كتلك التى بسط عليها أيسخيلوس مشهد مسرحيته « بروسيتيوس فى الأغلال » ، حيث مدى البصر بعيد والهواء ضنين - أو قد يدخل هذا السائح ، هذا القارئ . جنات « هومر Homerus » العبقرى الخالد ويستمتع بالهواء نقيا عليلا صافيا ، كما استطاع « كيتس Keats » بفضل ملكته الشعرية أن يستمتع به ، عندما أرهف السمع إلى صوت « شابمان (٤) Chapman » القوى الواضح النبرات ، فاذا بلغ  المطاف مملكة أفلاطون الذهبية اجتاز أحراش

« الأكاديمية (١) » وسط أشجار الزيتون الوارفة الظلال حيث ينساب نهر كفيسوس Chephissus فى هوادة ولين ؛ ولئن نال منه الجهد فى هذا المكان البهيج ففى مكنته أن يتلمس راحته بين الخمائل والرياض ، وكان له فيها فناء أيما فناء .

إلى هذه الخمائل ، إلى هذه الرياض ، إلى حدائق الشعر الاغريقى أدعوكم الآن ، وأحب أول الأمر أن أقف لألقى نظرة على ( بعض أزهار مبكرة من البنفسج الأبيض ) فهذا هو الوصف الذى خلعه « ميلياجر Meleager » على قصائده التى أثبتها فى مؤلفه الذى ضمنه مختارات من الشعر اليونانى القصير التى جادت به فرائح شعراء الاغريق القدماء وأطلق عليه اسم « الاكليل » . قدم ميلياجر لهذا الاكليل من أزهار الشعر بمقدمة شعرية خص فيها كل شاعر من الشعراء الذين حوى « الأكليل » أشعارهم بزهرة خاصة اختيرت بعناية فائقة لتمثل أدق تمثيل أسلوب الشاعر أو الشاعرة . وهذا الاختيار ، اختيار الزهرة لكل شاعر ، على الرغم من أنه يبدو غريبا لأول وهلة ، إلا أنه أشد ما يكون انسجاما وطبيعة هذه الأشعار . ويرى الأستاذ « ما كايل Mackail » ( أن اختيار الزهرة الرمزية لكل شاعر قد تم على يدى ناقد صادق الحس وشاعر فى نفس الوقت ) .

لقد ضمن « ميلياجر » « إكليله » - كما يقول - : ( زهرات عديدة من السوسن  <> (٢)،

و « مويرو Moero » (١) ، وزهرات قليلة « لسافو » Sappho (٢) إلا أنها ورود كلها ) . لم يحفظ لنا الزمن من أشعار « سافو » إلا القليل جدا ، مع أنه قد انحسرت رمال مصر فى السنين الأخيرة من عدد من أشعارها مخطوطة على أوراق البردى ، كما اكتشفت منذ عهد قريب جدا قصيدة كتبت على قطعة من الفخار . وإنى لأرجو أن يوفق الأستاذ سامى جبرة إلى اكتشاف جديد لهذه الشاعرة فى حفائره « بنونه الجبل » . هذه الحفائر التى أثارت الإعجاب والتقدير . لقد ضمن « ميلياجر » « إكليله » كذلك كروما وأزهارا متعددة الأنواع مختلفة الألوان لشعراء آخرين أمثال    « سيمونيدس Simonides » (٣) ، و « الكايوس Alcaeus (٤) » ، و « كاليماخوس (٥) Callimachus » ، و « أنا كريون (٦) Anacreon » ، كذلك حوى إكليله ( غصن أفلاطون الذهبى الذى يضىء ببريقه البديع وسنائه الأخاذ هنا وهناك ) .

وقبل أن نقطف أية « بنفسجة مبكرة بيضاء » من بنفسجات « ميلياجر » ، نذكر شيئا يسيرا عن جامع هذه الزهرات نفسه :

ولد ميلياجر فى شمال فلسطين ببلدة « جادارا Gadara » ولا نكاد نعرف شيئا من سيرته وحياته أكثر مما أمدتنا به أشعاره التى لم تجد إلا بحقائق قليلة . كتب هذا الشاعر فى شيخوخته قطعتين من الشعر لتنقشا على قبره لا تخلوان من فكاهة مثيرة للعاطفة ، فهو يقول فى إحداهما : ( خفف الوطء ، أيها العابر ، ومر حثيثا ، فهنا أغمض الجفن بين الموتى الطاهرين ، شيخ غمره النوم الأبدى الذى هو

مآل الجميع ، « ميلياجر ولد بو كراتيس » الذى وثق روابط الألفة بين إله الحب حلو المدامع وبين مبدعات الفنون وإلهات الخير الطروبات . لقد شب وترعرع وبلغ الحلم فى « صور » المقدسة وأرض « جادارا » الطيبة ، وقضى شيخوخته فى حضانة « كوس » المحبوبة . أحييك تحية السوريين إن كنت سوريا ، أو تحية الفينيقيين إن كنت من أهل فينيقيا ، أو تحية الأغريقيين إن كنت إغريقيا . حينى يمثل ما أحييك به) .

لهذه التحية الثلاثية دلالتها وخطرها ، فقد ولد هذا الشاعر فى « جادارا » وقضى شبابه وشيخوحته فى « صور » و « كوس » . ومع أن هذا الشاعر سورى المولد إلا أنه إغريقى الأصل ، فوالده يدعى « بو كراتيس » ويحمل الشاعر نفسه اسم بطل أسطورة يونانية . وهو يكتب الاغريقية دون تعثر ، بل وببراعة فائقة ، وفقط كان للشرق الذى قضى الشاعر به حياته تأثير كبير عليه ، فقد طبع شعره بطابع جديد لم يألفه الشعر الاغريقى من قبل . إذ لا نلمح فيه هذه المميزات التى عرف بها الشعر الأغريقي فى عصور أوجه وازدهاره من رصانة وسهولة ، وإنما هو شعر رقيق بديع خيالى .

وغاية القول أن الحرارة العاطفية والحذق فى التعبير عن الانفعالات النفسية هما من خصائص نفحات هذا الشاعر العبقرى . وعدا قطعتى الشعر اللتين كتبهما هذا الشاعر لتنقشا على قبره تذكارا له ، فقد دمج ميلياجر أشعارا أخرى من النوع نفسه . إحداها مرئية لشاب يدعى « خاريكسينوس » قد اقتطفته يد المنون ولم يبلغ الثامنة عشرة من عمره . نقتبس منها هذين البيتين الذين يصوران فى جلاء حسرة الشاعر وفداحة المصاب :

( . . . وحتى أحجار البيت قد صرخت عند ما حمل الشباب من خلصائك جثمانك نائحين مولولين ) .

وقد رثى « كلياريستا » وهى عذراء قد تجرعت كأس

المنية المرير ، إذ استأثر بها الموت لنفسه دون عروسها ليلة عرسها فقال :

( . . . . . وفى الليل كانت تصدح الموسيقى شجية النغمات وقد دخلت العروس إلى خدرها وأوصد الباب من دونها ، فما إن لاحت تباشير الصباح حتى علا نحيب الموت ، فشقت الجيوب وخفتت ألحان الغناء ، وعلا صوت البكاء ، وسارت مع الركب هذه المشاعل التى أضاءت بالأمس مضجع العروس لتودع جثمانها مع المودعين )

كتب « ميلياجر » كذلك فى موت « آبسجينيس » صغير أحد معارفه هذين البيتين :

( حياك الله أيتها الأرض يا أم الجميع ، لم يكن « آبسجينيس » حملا ثقيلا عليك ، فهلا كنت رحيمة به فلا تكونى حملا ثقيلا عليه ؟ ) .

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية