كنت أريد أن أخصص هذا الحديث لكتاب آخر من كتب الاستاذ العقاد لم يظفر بما هو اهل له من النقد ولم يستقبل بما هو اهل له من الاحتفاء وهو قصة " سارة ".
وكنت أتأهب لقراءة هذه القصة للمرة الثانية لأحدد العهد بها واتذكر ما سنح لي من الخواطر أثناء قراءتها الأولى ، وإذا البريد يحمل إلي من الأستاذ العقاد كتابه " رجعة ابى العلاء " هدية مشكورة . فأعرضت عن فائنة القاهرة إلي حكيم المعرة ، وهذا ايسر ما يستحقه مني الحكيم الشيخ ، ثم أعرضت عن نقد تلك القصة الغرامية إلي
نقد هذه الصورة الفلسفية ، وهذا ايسر ما ينبغي لمثلي من إيثار الجد المر علي الدعابة الحلوة .
وقد رغبتي في نقد هذا الكتاب أمران : الأول أنه كتاب جديد لم يقرأه أكثر الناس وإن كان بعض القراء قد ألموا بهذا الفصل او ذاك من فصوله حين كانت تنشر في البلاغ . ومن الخير ان نعرف إلي القراء كتابا جديدا لا يعرفونه أو لا يكادون يعرفونه ، فنجمع بذلك بين النقد الذي نقصد إليه وبين التعريف الذي قد يدفع إلي القراءة ويرغب فيها . والثاني اني قد أمليت كتابين في أبي العلاء ظهر أحدهما منذ خمسة وعشرين عاما وأرجو أن يظهر الثاني في الأسابيع المقبلة إن شاء الله . فأنا احب ابا العلاء وأكلف به وأحب التحدث عنه والتحدث إليه والاستماع للذين يتخذونه موضوعا للحديث ومناقشتهم حين يخوضون من حياته وأدبه وفلسفته في هذا الباب او ذاك . ولم أكن قد قرأت ما نشر الأستاذ العقاد من فصول كتابه هذا في البلاغ ، أو لم أكن قرأت إلا فصلا واحدا من هذه الفصول ، ثم صرفتني عنها شواغل الحياة وانتظار أن يظهر الكتاب جملة بعد ان ظهر تفاريق . وقد جلست
إلي الكتاب جلستين في ليلتين فجنيت منه ثمرا حلوا وظفرت منه بمتاع قيم ، ووجدت فيه لنفسي غذاء كما وجدت فيه لنفسي فكاهة ، وكما وجدت فيه عن نفسي ترويحا وعليها ترفيها . ورأيي في الأستاذ العقاد وفي آثاره الأدبية والفلسفية معروف ، فهو من هؤلاء الأدباء القليلين الذين لا يقرؤون لقطع الوقت ، ولا يستعان بهم على احتمال الفراغ ، وإنما يقرؤون لالتماس الفائدة ، واكتساب العلم ، واجتلاب المتعة . وهو من هؤلاء الأدباء القليلين الذين لا تقرأ آثارهم اليوم لننساها غدا وإنما تقرؤها ثم نستبقي الكثير منها في أنفسنا ولا نخلص منها حتى ولو بذلنا الجهد في ذلك ، لأن صاحبها لم يكتبها عن سهولة ولم ينتجها في يسر ، ولم يتناولها من قريب ، وإنما جد فيها واجتهد ، وكد فيها واحتمل المشقة ، فكان ما حصله منها خليقا أن يثبت ويستقر ، وأن تتصل به الأيام . وهو أيضا من هؤلاء الأدباء القليلين الذين لا نقرؤهم في سهولة ويسر ، ولا نفهمهم في غير جهد وكد ، وإنما نقرؤهم في أناة وروية ، ونفهمهم بعد نظر وتفكير ، لأنهم يكتبون عن أناة وروية ، وينتجون بعد نظر وتفكير وقد أنفق الأستاذ العقاد في تأليف هذا الكتاب نوعين من الجهد هما خليقان بالرضي كله وبالإعجاب كله وبالثناء كله : فأما أول هذين الجهدين فهو جهد البحث والدرس والمراجعة والاستقصاء وسؤال اللزوميات عما أضمرت وما أظهرت ، واستخبارها عما أسرت وما أعلنت ، يجد معها في هذا السؤال حينا ويمزح معها حينا آخر ، يرفق بها في هذا الاستخبار مرة ويعنف بها مرة أخرى ، يستخلص منها ما عندها أحيانا ويفرض عليها ما عنده أحيانا أخري .
وأما الجهد الثاني فهو جهد التروية والتفكير ، وجهد القياس والاستنتاج . فالأستاذ العقاد ليس مؤرخا في هذا الكتاب ، ولكنه مؤرخ ومتنبيء إن صح هذا التعبير .
بل قل بأنه مؤرخ ومتنبيء وواصف محقق أيضا ، يتحدث إلينا عما كان ، ويتحدث إلينا عما هو كائن ، ويتحدث إلينا عما سيكون ، أو عما يقدر أنه سيكون . لم يرد أن يصور إلينا أبا العلاء فحسب ، أو قل لم يرد أن يصور إلينا أبا العلاء كما كان ، وإنما أراد أن يصوره كما يمكن أن يكون لو أن الله أنشره ورده إلي الحياة . والله وحده هو القادر على أن ينشر أبا العلاء ، وهو القادر على أن يعطينا من أبي العلاء الصورة الصادقة ، لو أن أبا العلاء عاش في هذا الزمن الذي نعيش فيه . فأما نحن فمتكلفون حين تحاول ما لا طاقة لنا به ، ونطلب مالا سبيل لنا إليه ، ومن التكلف ما ينتهي بأصحابه إلي الإخفاق ، ويضطرهم إلي الإحالة ، ويدفعهم إلي ألوان من السخف ، ومن التكلف أيضا ما يخطئ بأصحابه ما أرادوا ، ولكنه ينتهي بهم إلي خير مما أرادوا ، ويتيح لهم إمتاع قرائهم بلون من ألوان الأدب طريف ، وهذا هو الذي كتب للأستاذ العقاد . فقد أراد أن يعطينا صورة من أبى العلاء لو عاش في هذا العصر ، فأعطانا صورة من الأستاذ العقاد الذي يعيش في هذا العصر ، وما أحسبنا قد خسرنا شيئا بل اعتقد أننا قد ربحنا كثيرا . فمن أعسر الأشياء وأبعدها عن متناول الأدب مهما يكن ذكي القلب نافذ البصيرة أن يبلغ الغاية من تصوير الحقيقة التاريخية ، فكيف بإختراع الصورة لشئ لم يكن وليس من الممكن أن يكون ؟ أريد أن أقول إن من أصعب الأشياء على الأدب أن يعطينا صورة صادقة من أبي العلاء نفسه كما عرفته المعرة ، وكما عرفه معاصروه ، فكيف السبيل إلي أن يعطينا الأديب صورة من أبي العلاء العصري الذي لا يعرفه أحد ولا يمكن أن يعرفه أحد ، لأنه لم يوجد وليس يمكن أن يوجد ؟ وأقل الناس علما بالتاريخ الأدبى وممارسة لصناعته يعرفون أن كثيرا من المؤرخين ربما خيل إليهم أنهم يصورون هذا
الكاتب او ذاك وهذا الفكر او ذاك ، ولكنهم في حقيقة الأمر لا يصورون إلا أنفسهم ، يعكسون أنفسهم على رجال التاريخ ويصفون أنفسهم حين يصفون رجال التاريخ . يفهمون النصوص الأدبية كما يستطيعون ، وكما تريد طبائعهم وأمزجتهم ، لا كما اراد الادباء والمفكرون الذين املوا هذه النصوص أو كتبوها . فكيف بالمؤرخ الأدبى إذا أراد ان يبعث شخصا من اشخاص التاريخ ويمنحه حياة جديدة معاصرة لا يكاد يعتمد فيها إلا علي الشواهد والقرائن ، ولا يكاد يستمدها إلا من الوهم والخيال ؟
وكذلك أراد الأستاذ العقاد أن يرد أبا العلاء إلي الحياة فلم يصنع شيئا ، وإنما أحيا لنا من أبي العلاء ذلك الشخص المعروف أو الذي لا نعرف من أمره كل شئ ، ولعلنا نجهل من أمره اكثر مما نعرف ، وليس علي الأستاذ العقاد يأس من ذلك ، فقد حاول شيئا لا سبيل إليه ، وحاوله وهو يعلم أن لا سبيل إليه . أراد الدعابة والمزاح فلا ينبغي أن يحمل عليه الجد والتحقيق . وأظرف من هذا أن الأستاذ العقاد أراد ان يرتحل يأبي العلاء بعد أن بعثه بعثا جديدا ، وان يطوف به في أقطار الأرض فلم يصنع شيئا ، وإنما ارتحل به في طائفة من الكتب التي قرأها ، وفي الوان من العلم الذي أحاط به ، وفي فنون من الآراء التي أتقنها واستقصاها ، ذلك لأن الأستاذ العقاد نفسه لم يرتحل ولم يطوف في أقطار الأرض ، وإنما ارتحل وهو مقيم وطوف وهو مستقر ، وعرف الدنيا وهو لم يتجاوز حدود مصر . وهذه مزية من مزايا الأستاذ وفضيلة من فضائله ، ولكن الله لا يكلف الناس فوق ما يطبقون ، وبائعة السجاير مهما تكن جميلة لا تستطيع ان تعطيك إلا ما عندها كما يقول الفرنسيون . وعند الأستاذ العقاد أدب وعلم وفلسفة ، فقد ملأ يديك أدبا وعلما وفلسفة ، ولكنه لم يرحل إلي أوربا ولا أمريكا فلا يستطيع أن يرحل بك ولا يأبي العلاء إلي أوربا ولا إلي
أمريكا . ينزل بك ويأبي العلاء في ألمانيا وفي الروسيا وفي السويد والنورويج والدانمراك ، وفي بلاد الانجليز وفي اسبانيا وفي أمريكا ، ولكنه لا يريك من هذه البلاد شيئا ، ولا يظهرك ولا يظهر أبا العلاء إلا على بعض ما عنده من اراء اصحابها وبعض سيرهم ، وينتهي بك إلي مصر ، فيظهرك منها على طبيعتها الرائعة وتهرها الجميل . ذلك لانه يعرف مصر ، قد رأها رأي العين ، فهو قادر على ان يعطيك منها شيئا . وهو امين كل الأمانة ، ولا يستطيع ان يعطيك من أروبا ولا من أمريكا شيئا لأنه لا يعرفهما . أستغفر الله واستغفر الأستاذ العقاد ، بل لأنه لم يرهما رأي العين ، ولم يلمم بهما إلا من طريق الكتب
وأظرف من هذا وذاك أن الأستاذ العقاد أراد أن يغلب خياله على عقله فلم يصنع شيئا ، لأن عقله كان في هذه المرة اقوي من خياله . وماذا تريد أن يصنع وهو يعرض للمشكلات الفلسفية والسياسية والاجتماعية العليا ، وله في كل هذه المشكلات أراؤه ومذاهبه ؟ أتراه يعرض عن هذه الآراء والمذاهب ويرسل خياله القوي على سجيته ؟ ولكن في هذا خطرا شديدا ، فقد يجمح الخيال وقد يمضي إلى غير غاية ، وقد يؤيد من الرأي ما لا يري العقل . والاستاذ العقاد ديمقراطي مخلص يبغض الشيوعية كل البغض ، ويبغض الفاشية كل البغض ، ويؤثر ما في الديمقراطية من الاعتدال والقصد ، فلا بد من أن يفرض هذا كله على أبي العلاء ، ولا بد من أن يظهر لنا أبا العلاء ديمقراطيا معتدلا عدوا لسلطان موسوليني وهتلر وستالين ، بل للأستاذ العقاد ميل إلي بعض الديمقراطيات دون بعضها الآخر ، فهو يؤثر ديمقراطية أهل الشمال ، فلا بد من أن يفرض هذا علي أبي العلاء ، فأبو العلاء إذن يؤثر أهل السويد والنورويج والدانمرك على شعوب أوربا كلها . والأستاذ العقاد يعجب بما في حياة الإنجليز من توازن ، فلابد من أن يعجب أبو العلاء من هذا
التوازن أيضا . وكذلك أصبح أبو العلاء صورة للأستاذ العقاد ، ولم يصبح الأستاذ العقاد صورة لأبي العلاء. والمسألة التي تحتاج إلي جواب، ولكنا لم نظفر بهذا الجواب هي هذه : أيرضي أبو العلاء عن هذه الصورة التي فرضها عليه الأستاذ العقاد لو أنه عرفها أم يسخط عليها ؟ أما الأستاذ العقاد نفسه فيجينا بأن أبا العلاء لا يرضي عن هذه الصورة ، لأن أبا العلاء لا يريد أن يكون شيئا غير أبي العلاء . فقيم إعطاؤنا هذه الصورة ؟ وقيم عرضها علينا ؟ وقيم إزعاج الشيخ عن مرقده ؟ وقيم تكليفه السفر في الطائرات والقطارات والسفن وتكليفه ما لا يطيق وما لا يحب ؟ في شيء واحد هو هذا العبث الخصب ، وهذا اللعب الممتع ، الذي يعمد إليه الأديب ليعطيك ما عنده ، وليظهرك على ما في نفسه . وما ينبغي لك أن ترسم للأديب طريقه أو تفرض عليه هذه الخطة أو تلك في الإنتاج ، وإنما ينبغي أن تقبل منه ما يعطيك راضيا عنه أو ساخطا عليه . قابلا له أو نافرا منه وأن تحمد له ما يبذل من الجهد والمحاولة لامتاعك وإرضاء نفسك ، سواء أوفق إلي ما يريد وإلي ما تريد من ذلك أم لم يوفق . فلتحمد للأستاذ العقاد جهده ولنشكر له محاولته ولنسجل له كثيرا من التوفيق في تصوير أبي العلاء القديم ، وإن كنا نظن أنه قد أخطأ من صورة الشيخ بعض ملامحها ، وذهب في تفسير بعض شعره مذاهب ما أظنه كان يرضاها وما أظنها تلائم الحق من أمره . فقد روي(١) الأستاذ العقاد من حديث أبي العلاء عن الخمر مثلا شعرا كثيرا ، وهو يري أن الشيخ لعله قد ذاق الخمر في الأديرة التي ألم بها ، وهذا جائز ، وجائز أيضا أنه ذاقها في غير الأديرة حين كان يعيش عيشة الشعراء في الطور الأول من حياته ، بل جائز أيضا أنه قد ذاقها في بغداد حين كان يعيش عيشة الفلاسفة
والعلماء ، ولكني لا أحسبه شرب الخمر أو هم يشربها بعد العزلة كما يظن الأستاذ ، وما أحسبه اشتاق إليها ، وما أري أن في شعره ما يصور هذا الشوق ، وإنما هي مذاهب الرجل في التعبير والتصوير ، لا ينبغي أن تؤخذ على ظاهرها . ويجري الأستاذ العقاد بين أبي العلاء وتلميذه حوارا يكثر فيه الاستشهاد بالقرآن الكريم . وأكبر الظن أن هذا النوع من الحوار وهذا النحو من الاستدلال لا يلائم روح أبي العلاء ، وإنك لتقرأ " الفصول والغايات " ، وهو كتاب وعظ وتمجيد لله فيما يقول صاحبه ، فتعجب لقدار استشهاد أبي العلاء بالقرآن والحديث . وقد لاحظت أن الرجل لا يستشهد بهما إلا على اللغة ، وهي اللغة وحدها . ثم إن الأستاذ يحمل أبا العلاء من هذا الاستدلال ما لا يطيق ، فهو يجري علي لسان أبي العلاء(١) أن الكثرة لا رأي لها ، وهو يحمل أبا العلاء على أن يستشهد لذلك بآيات من القرآن الكريم كقول الله تعالى : " ولكن أكثرهم لا يعقلون " وكقوله : " وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله " وما أظن إلا أن الأستاذ يوافقني على أن هذا النحو من الاستدلال شديد الخطر ، بل هو قد نبه على ذلك بالنص ، فأجري علي لسان التلميذ أن الله يأمر بالشوري ، ثم أجري على لسان أبي العلاء أن الله يامر بسؤال أهل الذكر ، ويفضل العلماء علي غير العلماء . وواضح جدا أن كل هذه الآيات ملائمة أشد الملاءمة لمواضعها التي جاءت فيها ولأغراضها التي سبقت إليها ، وإننا نتكلف شططا من الأمر حين نسوقها للاستدلال على أن للكثرة رأيا في الحكم أو على أن الكثرة لا رأي لها فيه . وقد أراد الأستاذ أن يجعل لأبي العلاء منزلة بين أبي نواس وبين عمر الخيام ؛ وما أدري أموفق ( البقية على صفحة ٤٦ )

