الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الثقافة"

مع أدبائنا المعاصرين، " رجعة أبى العلاء "

Share

كنت أريد أن أخصص هذا الحديث لكتاب آخر من كتب الاستاذ العقاد لم يظفر بما هو اهل له من النقد ولم يستقبل بما هو اهل له من الاحتفاء وهو قصة " سارة ".

وكنت أتأهب لقراءة هذه القصة للمرة الثانية لأحدد العهد بها واتذكر ما سنح لي من الخواطر أثناء قراءتها الأولى ، وإذا البريد يحمل إلي من الأستاذ العقاد كتابه " رجعة ابى العلاء " هدية مشكورة . فأعرضت عن فائنة القاهرة إلي حكيم المعرة ، وهذا ايسر ما يستحقه مني الحكيم الشيخ ، ثم أعرضت عن نقد تلك القصة الغرامية إلي

نقد هذه الصورة الفلسفية ، وهذا ايسر ما ينبغي لمثلي من إيثار الجد المر علي الدعابة الحلوة .

وقد رغبتي في نقد هذا الكتاب أمران : الأول أنه كتاب جديد لم يقرأه أكثر الناس وإن كان بعض القراء قد ألموا بهذا الفصل او ذاك من فصوله حين كانت تنشر في البلاغ . ومن الخير ان نعرف إلي القراء كتابا جديدا لا يعرفونه أو لا يكادون يعرفونه ، فنجمع بذلك بين النقد الذي نقصد إليه وبين التعريف الذي قد يدفع إلي القراءة ويرغب فيها . والثاني اني قد أمليت كتابين في أبي العلاء ظهر أحدهما منذ خمسة وعشرين عاما وأرجو أن يظهر الثاني في الأسابيع المقبلة إن شاء الله . فأنا احب ابا العلاء وأكلف به وأحب التحدث عنه والتحدث إليه والاستماع للذين يتخذونه موضوعا للحديث ومناقشتهم حين يخوضون من حياته وأدبه وفلسفته في هذا الباب او ذاك . ولم أكن قد قرأت ما نشر الأستاذ العقاد من فصول كتابه هذا في البلاغ ، أو لم أكن قرأت إلا فصلا واحدا من هذه الفصول ، ثم صرفتني عنها شواغل الحياة وانتظار أن يظهر الكتاب جملة بعد ان ظهر تفاريق . وقد جلست

إلي الكتاب جلستين في ليلتين فجنيت منه ثمرا حلوا وظفرت منه بمتاع قيم ، ووجدت فيه لنفسي غذاء كما وجدت فيه لنفسي فكاهة ، وكما وجدت فيه عن نفسي ترويحا وعليها ترفيها . ورأيي في الأستاذ العقاد وفي آثاره الأدبية والفلسفية معروف ، فهو من هؤلاء الأدباء القليلين الذين لا يقرؤون لقطع الوقت ، ولا يستعان بهم على احتمال الفراغ ، وإنما يقرؤون لالتماس الفائدة ، واكتساب العلم ، واجتلاب المتعة . وهو من هؤلاء الأدباء القليلين الذين لا تقرأ آثارهم اليوم لننساها غدا وإنما تقرؤها ثم نستبقي الكثير منها في أنفسنا ولا نخلص منها حتى ولو بذلنا الجهد في ذلك ، لأن صاحبها لم يكتبها عن سهولة ولم ينتجها في يسر ، ولم يتناولها من قريب ، وإنما جد فيها واجتهد ، وكد فيها واحتمل المشقة ، فكان ما حصله منها خليقا أن يثبت ويستقر ، وأن تتصل به الأيام . وهو أيضا من هؤلاء الأدباء القليلين الذين لا نقرؤهم في سهولة ويسر ، ولا نفهمهم في غير جهد وكد ، وإنما نقرؤهم في أناة وروية ، ونفهمهم بعد نظر وتفكير ، لأنهم يكتبون عن أناة وروية ، وينتجون بعد نظر وتفكير وقد أنفق الأستاذ العقاد في تأليف هذا الكتاب نوعين من الجهد هما خليقان بالرضي كله وبالإعجاب كله وبالثناء كله : فأما أول هذين الجهدين فهو جهد البحث والدرس والمراجعة والاستقصاء وسؤال اللزوميات عما أضمرت وما أظهرت ، واستخبارها عما أسرت وما أعلنت ، يجد معها في هذا السؤال حينا ويمزح معها حينا آخر ، يرفق بها في هذا الاستخبار مرة ويعنف بها مرة أخرى ، يستخلص منها ما عندها أحيانا ويفرض عليها ما عنده أحيانا أخري .

وأما الجهد الثاني فهو جهد التروية والتفكير ، وجهد القياس والاستنتاج . فالأستاذ العقاد ليس مؤرخا في هذا الكتاب ، ولكنه مؤرخ ومتنبيء إن صح هذا التعبير .

بل قل بأنه مؤرخ ومتنبيء وواصف محقق أيضا ، يتحدث إلينا عما كان ، ويتحدث إلينا عما هو كائن ، ويتحدث إلينا عما سيكون ، أو عما يقدر أنه سيكون . لم يرد أن يصور إلينا أبا العلاء فحسب ، أو قل لم يرد أن يصور إلينا أبا العلاء كما كان ، وإنما أراد أن يصوره كما يمكن أن يكون لو أن الله أنشره ورده إلي الحياة . والله وحده هو القادر على أن ينشر أبا العلاء ، وهو القادر على أن يعطينا من أبي العلاء الصورة الصادقة ، لو أن أبا العلاء عاش في هذا الزمن الذي نعيش فيه . فأما نحن فمتكلفون حين تحاول ما لا طاقة لنا به ، ونطلب مالا سبيل لنا إليه ، ومن التكلف ما ينتهي بأصحابه إلي الإخفاق ، ويضطرهم إلي الإحالة ، ويدفعهم إلي ألوان من السخف ، ومن التكلف أيضا ما يخطئ بأصحابه ما أرادوا ، ولكنه ينتهي بهم إلي خير مما أرادوا ، ويتيح لهم إمتاع قرائهم بلون من ألوان الأدب طريف ، وهذا هو الذي كتب للأستاذ العقاد . فقد أراد أن يعطينا صورة من أبى العلاء لو عاش في هذا العصر ، فأعطانا صورة من الأستاذ العقاد الذي يعيش في هذا العصر ، وما أحسبنا قد خسرنا شيئا بل اعتقد أننا قد ربحنا كثيرا . فمن أعسر الأشياء وأبعدها عن متناول الأدب مهما يكن ذكي القلب نافذ البصيرة أن يبلغ الغاية من تصوير الحقيقة التاريخية ، فكيف بإختراع الصورة لشئ لم يكن وليس من الممكن أن يكون ؟ أريد أن أقول إن من أصعب الأشياء على الأدب أن يعطينا صورة صادقة من أبي العلاء نفسه كما عرفته المعرة ، وكما عرفه معاصروه ، فكيف السبيل إلي أن يعطينا الأديب صورة من أبي العلاء العصري الذي لا يعرفه أحد ولا يمكن أن يعرفه أحد ، لأنه لم يوجد وليس يمكن أن يوجد ؟ وأقل الناس علما بالتاريخ الأدبى وممارسة لصناعته يعرفون أن كثيرا من المؤرخين ربما خيل إليهم أنهم يصورون هذا

الكاتب او ذاك وهذا الفكر او ذاك ، ولكنهم في حقيقة الأمر لا يصورون إلا أنفسهم ، يعكسون أنفسهم على رجال التاريخ ويصفون أنفسهم حين يصفون رجال التاريخ . يفهمون النصوص الأدبية كما يستطيعون ، وكما تريد طبائعهم وأمزجتهم ، لا كما اراد الادباء والمفكرون الذين املوا هذه النصوص أو كتبوها . فكيف بالمؤرخ الأدبى إذا أراد ان يبعث شخصا من اشخاص التاريخ ويمنحه حياة جديدة معاصرة لا يكاد يعتمد فيها إلا علي الشواهد والقرائن ، ولا يكاد يستمدها إلا من الوهم والخيال ؟

وكذلك أراد الأستاذ العقاد أن يرد أبا العلاء إلي الحياة فلم يصنع شيئا ، وإنما أحيا لنا من أبي العلاء ذلك الشخص المعروف أو الذي لا نعرف من أمره كل شئ ، ولعلنا نجهل من أمره اكثر مما نعرف ، وليس علي الأستاذ العقاد يأس من ذلك ، فقد حاول شيئا لا سبيل إليه ، وحاوله وهو يعلم أن لا سبيل إليه . أراد الدعابة والمزاح فلا ينبغي أن يحمل عليه الجد والتحقيق . وأظرف من هذا أن الأستاذ العقاد أراد ان يرتحل يأبي العلاء بعد أن بعثه بعثا جديدا ، وان يطوف به في أقطار الأرض فلم يصنع شيئا ، وإنما ارتحل به في طائفة من الكتب التي قرأها ، وفي الوان من العلم الذي أحاط به ، وفي فنون من الآراء التي أتقنها واستقصاها ، ذلك لأن الأستاذ العقاد نفسه لم يرتحل ولم يطوف في أقطار الأرض ، وإنما ارتحل وهو مقيم وطوف وهو مستقر ، وعرف الدنيا وهو لم يتجاوز حدود مصر . وهذه مزية من مزايا الأستاذ وفضيلة من فضائله ، ولكن الله لا يكلف الناس فوق ما يطبقون ، وبائعة السجاير مهما تكن جميلة لا تستطيع ان تعطيك إلا ما عندها كما يقول الفرنسيون . وعند الأستاذ العقاد أدب وعلم وفلسفة ، فقد ملأ يديك أدبا وعلما وفلسفة ، ولكنه لم يرحل إلي أوربا ولا أمريكا فلا يستطيع أن يرحل بك ولا يأبي العلاء إلي أوربا ولا إلي

أمريكا . ينزل بك ويأبي العلاء في ألمانيا وفي الروسيا وفي السويد والنورويج والدانمراك ، وفي بلاد الانجليز وفي اسبانيا وفي أمريكا ، ولكنه لا يريك من هذه البلاد شيئا ، ولا يظهرك ولا يظهر أبا العلاء إلا على بعض ما عنده من اراء اصحابها وبعض سيرهم ، وينتهي بك إلي مصر ، فيظهرك منها على طبيعتها الرائعة وتهرها الجميل . ذلك لانه يعرف مصر ، قد رأها رأي العين ، فهو قادر على ان يعطيك منها شيئا . وهو امين كل الأمانة ، ولا يستطيع ان يعطيك من أروبا ولا من أمريكا شيئا لأنه لا يعرفهما . أستغفر الله واستغفر الأستاذ العقاد ، بل لأنه لم يرهما رأي العين ، ولم يلمم بهما إلا من طريق الكتب

وأظرف من هذا وذاك أن الأستاذ العقاد أراد أن يغلب خياله على عقله فلم يصنع شيئا ، لأن عقله كان في هذه المرة اقوي من خياله . وماذا تريد أن يصنع وهو يعرض للمشكلات الفلسفية والسياسية والاجتماعية العليا ، وله في كل هذه المشكلات أراؤه ومذاهبه ؟ أتراه يعرض عن هذه الآراء والمذاهب ويرسل خياله القوي على سجيته ؟ ولكن في هذا خطرا شديدا ، فقد يجمح الخيال وقد يمضي إلى غير غاية ، وقد يؤيد من الرأي ما لا يري العقل . والاستاذ العقاد ديمقراطي مخلص يبغض الشيوعية كل البغض ، ويبغض الفاشية كل البغض ، ويؤثر ما في الديمقراطية من الاعتدال والقصد ، فلا بد من أن يفرض هذا كله على أبي العلاء ، ولا بد من أن يظهر لنا أبا العلاء ديمقراطيا معتدلا عدوا لسلطان موسوليني وهتلر وستالين ، بل للأستاذ العقاد ميل إلي بعض الديمقراطيات دون بعضها الآخر ، فهو يؤثر ديمقراطية أهل الشمال ، فلا بد من أن يفرض هذا علي أبي العلاء ، فأبو العلاء إذن يؤثر أهل السويد والنورويج والدانمرك على شعوب أوربا كلها . والأستاذ العقاد يعجب بما في حياة الإنجليز من توازن ، فلابد من أن يعجب أبو العلاء من هذا

التوازن أيضا . وكذلك أصبح أبو العلاء صورة للأستاذ العقاد ، ولم يصبح الأستاذ العقاد صورة لأبي العلاء. والمسألة التي تحتاج إلي جواب، ولكنا لم نظفر بهذا الجواب هي هذه : أيرضي أبو العلاء عن هذه الصورة التي فرضها عليه الأستاذ العقاد لو أنه عرفها أم يسخط عليها ؟ أما الأستاذ العقاد نفسه فيجينا بأن أبا العلاء لا يرضي عن هذه الصورة ، لأن أبا العلاء لا يريد أن يكون شيئا غير أبي العلاء . فقيم إعطاؤنا هذه الصورة ؟ وقيم عرضها علينا ؟ وقيم إزعاج الشيخ عن مرقده ؟ وقيم تكليفه السفر في الطائرات والقطارات والسفن وتكليفه ما لا يطيق وما لا يحب ؟ في شيء واحد هو هذا العبث الخصب ، وهذا اللعب الممتع ، الذي يعمد إليه الأديب ليعطيك ما عنده ، وليظهرك على ما في نفسه . وما ينبغي لك أن ترسم للأديب طريقه أو تفرض عليه هذه الخطة أو تلك في الإنتاج ، وإنما ينبغي أن تقبل منه ما يعطيك راضيا عنه أو ساخطا عليه . قابلا له أو نافرا منه وأن تحمد له ما يبذل من الجهد والمحاولة لامتاعك وإرضاء نفسك ، سواء أوفق إلي ما يريد وإلي ما تريد من ذلك أم لم يوفق . فلتحمد للأستاذ العقاد جهده ولنشكر له محاولته ولنسجل له كثيرا من التوفيق في تصوير أبي العلاء القديم ، وإن كنا نظن أنه قد أخطأ من صورة الشيخ بعض ملامحها ، وذهب في تفسير بعض شعره مذاهب ما أظنه كان يرضاها وما أظنها تلائم الحق من أمره . فقد روي(١) الأستاذ العقاد من حديث أبي العلاء عن الخمر مثلا شعرا كثيرا ، وهو يري أن الشيخ لعله قد ذاق الخمر في الأديرة التي ألم بها ، وهذا جائز ، وجائز أيضا أنه ذاقها في غير الأديرة حين كان يعيش عيشة الشعراء في الطور الأول من حياته ، بل جائز أيضا أنه قد ذاقها في بغداد حين كان يعيش عيشة الفلاسفة

والعلماء ، ولكني لا أحسبه شرب الخمر أو هم يشربها بعد العزلة كما يظن الأستاذ ، وما أحسبه اشتاق إليها ، وما أري أن في شعره ما يصور هذا الشوق ، وإنما هي مذاهب الرجل في التعبير والتصوير ، لا ينبغي أن تؤخذ على ظاهرها . ويجري الأستاذ العقاد بين أبي العلاء وتلميذه حوارا يكثر فيه الاستشهاد بالقرآن الكريم . وأكبر الظن أن هذا النوع من الحوار وهذا النحو من الاستدلال لا يلائم روح أبي العلاء ، وإنك لتقرأ " الفصول والغايات " ، وهو كتاب وعظ وتمجيد لله فيما يقول صاحبه ، فتعجب لقدار استشهاد أبي العلاء بالقرآن والحديث . وقد لاحظت أن الرجل لا يستشهد بهما إلا على اللغة ، وهي اللغة وحدها . ثم إن الأستاذ يحمل أبا العلاء من هذا الاستدلال ما لا يطيق ، فهو يجري علي لسان أبي العلاء(١) أن الكثرة لا رأي لها ، وهو يحمل أبا العلاء على أن يستشهد لذلك بآيات من القرآن الكريم كقول الله تعالى : " ولكن أكثرهم لا يعقلون " وكقوله : " وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله " وما أظن إلا أن الأستاذ يوافقني على أن هذا النحو من الاستدلال شديد الخطر ، بل هو قد نبه على ذلك بالنص ، فأجري علي لسان التلميذ أن الله يأمر بالشوري ، ثم أجري على لسان أبي العلاء أن الله يامر بسؤال أهل الذكر ، ويفضل العلماء علي غير العلماء . وواضح جدا أن كل هذه الآيات ملائمة أشد الملاءمة لمواضعها التي جاءت فيها ولأغراضها التي سبقت إليها ، وإننا نتكلف شططا من الأمر حين نسوقها للاستدلال على أن للكثرة رأيا في الحكم أو على أن الكثرة لا رأي لها فيه . وقد أراد الأستاذ أن يجعل لأبي العلاء منزلة بين أبي نواس وبين عمر الخيام ؛ وما أدري أموفق ( البقية على صفحة ٤٦ )

اشترك في نشرتنا البريدية