الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 14الرجوع إلى "الثقافة"

مع أدبائنا المعاصرين, براكسا ، أو مشكلة الحكم، للأستاذ توفيق الحكيم

Share

قصة صغيرة جدا ، قصيرة جدا لا تكاد تتجاوز فصلا من فصول الصحف والمجلات إلا قليلا ، ولكنها مع ذلك تحتاج إلى كلام كثير . وأخشى إن جاريت حاجتها إلى الكلام أن يكون النقد مساوياً للقصة في الطول ولكني مع ذلك سأجتهد في الايجاز رفقاً بالقارى" ، ورفقاً بالكاتب ، واحتراماً للتقليد الذي يريد أن يكون الأستاذ توفيق الحكيم قد نشر كتاباً ، وأن أكون أنا قد نقدته في مقال لا في كتاب .

وقصة الأستاذ توفيق الحكيم لها قصة كما يقال منذ أعوام، فهى لم تهبط على الكاتب من سماء الوحى الأدبى الخالص، ولم يفض بها فى نفسه ينبوع الابتكار الفني الصرف ، ولم يسع بها إليه أبولون أو هرميس أو غيرهما من هؤلاء الآلهة الذين يحبون الفن والأدب ويسعون به إلى الكتاب والشعراء ، فيلقونه في روعهم إلقاء ويكرهون ألسنتهم على أن تنطلق به كلاما ، وأقلامهم على أن تجرى به كتابة . وإنما نشأت هذه القصة في حجرة من حجرات الاستقبال ، وأثير موضوعها في حديث من هذه الأحاديث الأدبية التى يتنازعها المثقفون إذا ضمهم مجلس من المجالس أو ندى من الأندية. وربما كانت محنة الأستاذ توفيق الحكيم، التي لم ينسها القراء بعد ، هي التي أثارت هذا الحديث ، فان كل شيء يمس حرية الرأى من قريب أو بعيد

قد تسكت عنه الصحف في هذه الأيام ، ويعرض عنه الذين يجب عليهم أن يقبلوا عليه في هذه الظروف القاسية ، ولكن للأدباء والمثقفين قلوباً تشعر ، وعقولا تفكر . وضمائر تألم ، ونفوساً تريد على أقل تقدير أن تأبى الضيم وإن لم تستطع أن تجهر بهذا الاباء. والعقل ممتحن في هذه الأيام، وممتحن فى كثير من أقطار الأرض ؛ وسنرى كيف يخرج من هذه المحنة ، فان لم نر نحن ذلك فسيراه أبناؤنا أو أحفادنا في يوم قريب أو بعيد

كانت محنة الأستاذ توفيق الحكيم إذا هي التي أثارت هذا الحديث حول حرية الرأى ، وحول ما كان القدماء يستمتعون به منها ، وحول المقارنة بين حرية الديمقراطية الأتينية القديمة في القرن الخامس والرابع قبل المسيح ، والديمقراطية المصرية الحديثة في القرن العشرين . وتحدث المثقفون الذين تنازعوا هذا الموضوع عن عبث أرستوفان بالديمقراطية منذ أربعة وعشرين قرناً ، وعن ظفره بتلهية الدمقراطية على حساب الديمقراطية ، وبتسلية الأتينيين على حساب الأتينيين ، وبالضحاك الممثلين لسلطان الشعب على حساب سلطان الشعب ، وبهذه الحرية السمحة التي عرفها القدماء قبل أن يبلغ العقل من الرقى هذا الطور العظيم الذى بلغه في هذا العصر. وقد ذكر المثقفون فيما ذكروا قصصاً مضحكة خالدة لأرستوفان من

بينها قصة مجلس النساء ، أو جماعة النساء ، التي مثلت في أوائل القرن الرابع قبل المسيح ، حين كانت الديمقراطية الأتينية شديدة التحرج، شديدة الضيق بخصومها ومعارضيها الفلاسفة والساسة .

فلم يستقبلها الأثينيون إلا بالضحك والاعجاب، وهذه السماحة التي تلائم طبيعة الديمقراطية ، والتي قد تفارقها أحياناً ، فتسوق الديمقراطية الموت إلى سقراط ، وتضطر افلاطون إلى الهجرة . ثم ذكر هؤلاء المثقفون ما يكون في العصر الحديث من إقبال طائفة من الكتاب على تجويد التمثيل القديم، وما يبلغون في ذلك من توفيق رائع ، كالذى بلغه موریس دونیه ، وجيرودو ، و « جان کوکتو » حين جددوا بعض القصص اليونانية المحزنة أو المضحكة ، وقال قائل منهم : ما يمنعنا أن تحاول في أدبنا العربي بعض ما يحاول الأوربيون في آدابهم الأوربية ؟ ورضي السامعون عن هذا الاقتراح، ورسموا ، أو كادوا يرسمون له برنامجاً واضحاً، وتفرق المجلس ، والتام بعد أسبوع ، وأعيد الحديث ، وتقدم رسم البرنامج ، وتفرق المجلس مرة أخرى ، والتأم بعد ذلك ، ولكن الأستاذ توفيق الحكيم انقطع عنه وقتا ، ثم عاد إليه ذات يوم ، ومعه هذه القصة مطبوعة ، وعنوانها كما رأيت « يراكا أو مشكلة الحكم".

فلنحمد لمحنة الأستاذ توفيق الحكيم هذه اليسيرة ، فضلها على الأستاذ وعلى قرائه ، وعلى الأدب العربي الحديث الذي أخذ يتصل بالتمثيل اليوناني المضحك هذا النحو الخصب القيم من الاتصال ، ولنتمن على الله ان يزيد هذا الاتصال ويقوية ، وأن يكثر أمثال هذه القصة دون ان تدعو إلي ذلك محنة يسيرة أو عسيرة للأستاذ أو لغيره في حرية الرأي ، وإن كان كل شئ يدل على أن حرية الرأي لم تأمن بعد شر الامتحان ، وعلى ان هذا الامتحان

مهما يكن مؤلما تقيلا ، فهو ينتج خيرا ، لأنه يدفع الأديب إلى التفكير ، ثم إلى التعبير، ثم إلى النشر . والظاهر أن الأدب مخلوق تستقيم أموره على الشقاء والألم، أكثر مما تستقيم على السعادة واللذة .

فلنقف إذا عند هذه القصة الصغيرة ، بل لنقف قبل ذلك عند أصلها اليوناني . فقد طلب إلينا الأستاذ توفيق الحكيم أن نقرأ قصة أرستوفان قبل أن نقرأ قصته ، وقد عدت إلى قصة أرستوفان بعد طول عهدى بها ، ثم قرأت قصة الأستاذ توفيق الحكيم ، فحمدت للاستاذ تواضعه واعتداله ، وإيثاره القصد ، واعترافه بأنه لا يستطيع أن يقيس قامته إلى قامة أرستوفان. وهو صادق في هذا كل الصدق ، موفق فيه إلى الحق كل التوفيق ، فإن قامة أرستوفان لا تقاس إليها قامة أخرى إلا أن نستثنى بعض الممتازين الذين لا تستطيع الانسانية أن تبلغ بهم أصابع اليد الواحدة.

أراد أرستوفان أن يسخر من الديمقراطية والفلسفة معاً في قصته هذه، وأن يضحك الأتينيين من أحب الأشياء إليهم ، وآثرها عندهم من الفلسفة والسياسة ، فهجم بقصته هذه الصغيرة على موضوع خطير حقاً ، سخر من افلاطون وجمهوريته في هذه القصة ، كما سخر من سقراط في قصة السحاب ، وسخر من النظم الديمقراطية القائمة ، وأظهر للشعب الأتبني أن نظامه الديمقراطي لا خير فيه، ولكنه أظهر للشعب الأتينى أن ما يقترحه الفلاسفة من النظم السياسية ليس خيراً من النظام الديمقراطى ، ولعله أن يكون شراً منها ، بل هو شر منها ، ما فى ذلك شك . وتلخيص القصة يسير جداً فقد ائتمر النساء الأتينيات بأن يتخذن أزياء الرجال ويشهدن مجلس الشعب ويبلغن كثرته المطلقة ، ويقرون نقل السلطان من الرجال إلى النساء، وثم لهن ذلك ، فقلبن نظام الحكم

وأقمن الشيوعية ، كما كان يتصورها أفلاطون ، مقام الديمقراطية ، وأشرفن على تنفيذ هذا النظام الشيوعي ، فما هي إلا أن يمضي وقت قصير حتى يفسد الأمر في أثينا فسادا لا سبيل إلي وصفه ، فسادا يتناول السياسة والأخلاق والنظام الاجتماعي والحياة المادية نفسها ، ويقلب الأوضاع قلبا أقل ما يوصف به أنه يدفع إلي الإغراق في ضحك يتصل . ويجب أن تعلم أن أرستوفان ليس من أصدقاء الديمقراطية المخلصين وهو إلي الأرستقراطية المعتدلة أقرب منه إلي أي شيء آخر ، ولكن المهم أن الشاعر اليوناني العظيم قد دفع الشعب الأثيني إلي هذا الضحك الغليظ العريض ، فلم يمنعه ذلك من أن يعالج موضوعا على هذا الخطر الذي تراه ، وأن يعالجه على نحو جميل رائع حقا . ولابد من أن أضيف إلي هذا كله أن الشاعر اليوناني العظيم قد كان يصطنع في أدبه المضحك حرية في اللفظ والمعنى والخيال ، لا تحتملها أذواقنا ولا أخلاقنا ولا نظمنا الاجتماعية . وكثير جدا من قصصه لا يمكن أن تقرأ جهرا ، وإنما تقرؤها العين ويقرؤها الفرد وليس من اليسير أن يشترك في قراءتها الأفراد ، هذا كله يصور صعوبة العمل الذي أقدم عليه الأستاذ توفيق الحكيم ، فهو قبل كل شئ ممنوع بحكم حياتنا الجديدة ، وبحكم أذواقنا وأخلاقنا من أن يصطنع الحرية اللفظية والفنية التي اصطنعها الشاعر اليوناني . وهو عد هذا ممنوع بحكم نظامنا الاجتماعي والقانوني من أن يتعرض للشيوعية أو ما يشبهها ، فهو مقيد في حريته العقلية ، وهو مقيد في حريته الفنية ، فإذا أضفت هذا إلي بعد الآماد بين أرستوفان وبين الأستاذ توفيق الحكيم ، عرفت أنه قد كان من المستحيل لا أن يقيس الأستاذ توفيق الحكيم قامته إلي قامة أرستوفان فذلك شئ مفروغ منه ، بل أن يقيس قصته إلي قصة أرستوفان. فإن الأدب المقيد لا يقاس إلي الأدب الحر. وأنت توافقني على أن الكاتب

النابغة، أو الشاعر النابغ لا يستطيع أن يذعن للقيد أريد القيد الذي يمس العقل والفن ، وإن أكره على أن يذعن للقيود والأغلال التي تمس الأيدي والأرجل والأعناق ...؟

أما قصة الأستاذ توفيق الحكيم فقد ذهبت مذهب القصة اليونانية ، واحتفظت حتي ببعض ألفاظها التي يمكن الاحتفاظ بها . وهي على كل حال قد جرت في أثينا ، وأجراها الأشخاص الآثينيون الذين أجروا قصة أرستوفان ، فقد ائتمر النساء بقلب نظام الحكم فقلبته ، وقامت براكسا جورا مقام رئيس الدولة ، وهنا يظهر الفرق الهائل بين القصتين . فأما صاحبة الأستاذ توفيق الحكيم ، فقد أدركها الاضطراب الذي يدرك رؤساء الحكومات الحزبية في مصر ؛ كثر عليها الطلب ، وعجزت عن تحقيق المطالب ودفعت إلي أن تعد بما لا تستطيع ، وإلي أن تتورط في المتناقضات . ولكنها امرأة جميلة ، وفي نفسها ضعف لقائد الجيش ، وقائد الجيش فتي جميل ، فيقوم الحب والجمال بإتمام القصة ؛ يقبل قائد الجيش ليتحدث إلي رئيسة الدولة في تدبير حرب داهمة ، ولكنه يخلو إليها ، ويخلو إليها بهذه الحجة ، ويحتجبان حتي عن الفيلسوف الناصح الساخر ، وحتي عن الزوج ، ولا يعلم سر هذا الاحتجاب إلا كاتمة السر . ومن يدري ؟ لعل القوم جميعا يعلمونه ، فقد علمناه نحن أيضا .

وتنتهى قصة الأستاذ توفيق الحكيم انتهاء رقيقا مؤلما ، فقد انتصر حب السلطان على حب الجمال ، وانتصر قائد الجيش على رئيسة الدولة ؛ سجن الفيلسوف أولا ، وسجنت معه رئيسة الدولة آخر الأمر ، وقام النظام الديكتاتورى الصريح مقام النظام الديمقراطي، وسجنت الحرية بين أربعة جدران .

وقصة الأستاذ توفيق الحكيم لا تدعو إلي الضحك

القوي العريض ، وإنما تثير الابتسام أحيانا ، وقد تدعو إلي ضحك خفيف فاتر أحيانا أخري ، بل هي لا تدعو إلي الحزن القوي المؤلم ، وإنما تسبغ لونا شاحبا علي حياة الناس أقل شحوبا من هذا اللون الذي تسبغه عليها طبيعة الأشياء في هذه الأيام ، فالحرية معرضة للخطر في كثير من أقطار الأرض . والنظام الدكتاتوري منتصر في بعض هذه الأقطار . والناس يرون من ذلك ومن آثاره أكثر مما يريهم الأستاذ توفيق الحكيم . وهم يتأثرون بحقائق ذلك في تفكيرهم وسيرتهم ، وفي إحساسهم وشعورهم ، اكثر مما يتأثرون بقصة الأستاذ توفيق الحكيم . وهم أمام هذه الأحداث الخطيرة التي تحدق بهم وتأخذهم من كل وجه ، محتاجون إلي إحدي قصتين : فاما قصة عنيفة محزنة دافعة إلي العمل والنشاط ، مثيرة للنخوة والشجاعة ، ترد عنهم الخوف ، وتذود عنهم الفرق ، وتدفعهم إلي المقاومة ، ليحتفظوا بالحرية أو ليستردوها ، وهذه القصة لم يكتبها

الأستاذ توفيق الحكيم. وإما قصة قوية ، ولكنها قوية في التلهية والتسلية ، وتفريج الهم ، وإخراج الناس عن أنفسهم، لينسوا بعض ما يحيط بهم من خطر ، وبعض ما يسعى إليهم من مكروه. وهذه القصة لم يكتبها الأستاذ توفيق الحكيم ، وإنما كتبها أرستوفان ، ولكن قصة أرستوفان كتبت للأثينيين لا للشعوب الحديثة، وهى قد تعجب المثقفين من المحدثين

ولكنها تنبو عن أذواق الكثرة من الناس ، أو تنبو عنها أذواق الكثرة من الناس . وإذا فمازال الناس في حاجة إلي هذه القصة أو تلك . فأما قصة الأستاذ توفيق الحكيم فهي لا تضحك ولا تبكي ، وهي لا تسر ولا تحزن ، وكل ما تستطيع أن تفعله هو أنها تمكن من ان تنفق ساعة هينة لينة ، تقرأ فيها كلاما هينا لينا ، لا يخلو من لذة ، ولكنه لا يحدث في النفس شيئا ، ولا يدعو النفس إلي تفكير ، فضلا عن أن يدعوها إلي عمل ، وهي إلي ان تكون تصويرا لسخرية الأستاذ توفيق الحكيم من مشكلات الحكم ، أقرب منها إلي أي شيء آخر . فالأستاذ قد يحب الديمقراطية علي أنها مثل اعلي لا يستطيع الناس تحقيقه ، فأما الديمقراطية الواقعة فإيمانه بها مشكوك فيه . والأستاذ قد يحتمل النظام الدكتوري ، بشرط أن تتحقق في ظله الحرية والعدالة ، وليس إلي ذلك من سبيل ، لأن الحرية والعدالة تناقضان النظام الذي يقوم

على سلطان الفرد وتحكمه

وإذا فالأستاذ يسخر من هذا النظام ، كما يسخر من ذاك ، وأكبر الظن أنه يؤثر الفراغ لفنه ، والخير أن يفرغ لهذا الفن . وحسبه على كل حال أنه قد أضاف إلى آثاره القيمة أثراً جديداً وصل فيه أسباب أدبنا المصرى الحديث بأسباب الكوميديا اليونانية. وليس هذا بالشيء القليل.

اشترك في نشرتنا البريدية