لا قلب له ، أو بأن له قلبا ولكنه لا يخفق ، ووارحمناه للأستاذ الصديق القوي العنيف ، الذي لا يحب أدب الضعف ، وإنما يجب أدب القوة ، لقد رمته الآنسة فأصمته ، وإذا هو يكتب فصلا من أروع فصوله عنوانه " القلب " . وإذا هو يصور لنا في هذا الفصل أدبا قويا ضعيفا ، خشنا ناعما ، عنيفا لينا ، مصدر قوته غضب صاحبه لقلبه ، ومصدر ضعفه حرص صاحبه على أن يكون له قلب حساس ، واستمتاع صاحبه برقة الشعور ودقة الحس ، وتأثر صاحبه بما يتأثر به الأدباء ، فيدفعون إلي الضعف حين يحتاجون إلي الضعف ، وإلي القوة حين يحتاجون إلي القوة ، وأظرف من هذا كله أن الأستاذ أحمد أمين نفسه لا يؤمن بأن الأدب العربي كله أدب ضعف ، وإنما خطر له هذا الخاطر ذات يوم أو ذات لحظة ، فسيطر عليه كدأب غيره من الأدباء ، فكتب هذا الفصل ، وأنت واحد في هذا الكتاب نفسه دفاعه عن الأدب العربي ، والحاجه بالنقد العنيف على الدين يعرضون عن هذا الأدب ويزهدون فيه ، ويصورونه أو يتصورونه على غير وجهه . والأستاذ صادق في الحالين ، لأنه أدب يتأثر بالخاطر الطاري والفكرة العارضة ، فيكتب وينشر ، وما دام أثره الأدبي قطعة من نفسه ، وهو يحرص عليه حرصه على الحياة ، ويسجله إجابة لغريزة حب البقاء ، فهو يثبت كل ما كتب وينشره مجتمعا ، لا يحفل بما يكون فيه من تناقض أو اختلاف ، وليس عليه من ذلك بأس ، فهو أدب ، ونفس الأديب معرضة لهذا التناقض وهذا الاختلاف ، ومن حق الناس عليه أن يروا نفسه في جميع أطوارها ، وأن يظهروا علي ما تضطر إليه من الاضطراب والاختلاف
وأريد أن أقف مع الأستاذ أحمد أمين عند فكاهة طريقة في كتابه ، وهو هذا المقال الذي أشرت إليه ، والذي عنوانه " من غير عنوان . فهل لهذا المقال عنوان ؟ أم هو خلو من العنوان ؟ فإن تكن الأولى فكيف يكون المقال بغير عنوان ؟ وإن تكن الثانية فما موضع هذه الكلمات الثلاث التي نجدها في الفهرس ، ونجدها على رأس المقال ؟ كيف يتصور الأستاذ مقالا له عنوان وهو من غير عنوان ؟ أما أنا فأتصور هذا تصورا واضحا كل الوضوح ؛ فهو لون من ألوان التناقض الذي يبيحه الأدباء لأنفسهم ، والذي شاع وذاع في هذه الأيام ، واصطنعته الصحف السياسية فيها يكون من معارضتها للحكومات القائمة . فنراها تنشر الفصول أو أشياء الفصول بهذا العنوان من غير تعليق لانها تري في نشر ما تنشر من الأخبار غني عن الشرح والتفصيل . ولكني أعترف بأن " من غير عنوان " هذه أبرع وأبدع من هذه الكلمة التي ذاعت في الصحف السياسية .
وبعد ، فقد كنت أريد أن أشق على الأستاذ ، وان اشتط على كتابه ، وأن أظهر بعض الأشياء التي لا يكون النقد اللاذع نقدا لاذعا بدونها ، وأنا بعد حريص على أن يكون نقدي لاذعا في هذه المقالات ، ولكني قد بلغت هذا الموضع من مقالي ، وإذا انا قد جاوزت القدر المقسوم لى من الثقافة " . ومع ذلك فهناك شيئان لا استطيع أن أختم هذا الفصل دون أن ألم بهما وأشير إليهما : فأما أولهما فهو أن الأستاذ أحمد أمين يسرف في حبه للمعانى وإعراضه عن جمال اللفظ ، وتناليه في ان يكون قريبا سهلا ، وسائغا مألوفا ، ومفهوما من العامة وأوساط الناس ، حتى يضطره ذلك إلي ان يصطنع بعض الاستعمالات العامية التي لا حاجة إليها ، ولا تدعو النكتة الفنية إلي استعمالها ، وإنما هو تعمد من الأستاذ وتكلف يفسد عليه
الجمال الأدبى أحيانا ، ويغري بعض نقاده بأن يزعموا أن إنشاءه ليس إنشاء أدبيا ، وهو مع ذلك من احسن ما يكون الأنشاء الأدبى ، لو لم ينظرف صاحبه - أحيانا بهلهلة فسحة ، متعمدا لذلك متكلفا له ، مسرفا فيه . وما اضرب لذلك إلا مثلا واحدا ، وهو قصة الخيار الذي يقدره الريفى بضخامته ويقدره المدنى بنجافته ويبيعه ذلك بالكوم ويبيعة هذا بالرطل . هنا كلام لا حاجة إليه ، إلا أن يتعمد الأستاذ التطرف به والتقرب إلي لغة العامة . وما إن أكره أن أهبط إلي العامة ، بل يجب أن أدنو منهم ، ويجب أن أرفعهم إلي حيث يذوقون الأدب الرفيع ، هذه هي الديمقراطية الصحيحة ، ولكن يجب أن تحتاط أشد الاحتياط فقد نسئ فهم الدمقراطية الأدبية ، فتفسد الأدب ونبتذله . والأستاذ بعد هذا قدوة لقرائه وطلابه والمعجبين به فليحذر أن يجيب إليهم الإسفاف والإبتذال.
هذا أحد الأمرين ، والأمر الآخر يتصل ببساطة الآستاذ التي أشرت إليها في أول هذا الفصل . فما أكثر ما يقف الأستاذ عند الأوليات التي لا تخفي على أحد فيبسطها بسطا ويفصلها تفصيلا ، ويطيل فيها كأنه يعالج بعض المشكلات الغامضة . ذلك عيب الأساتذة ، قد تعودوا ان يبسطوا لطلابهم ايسر الأمور وأهوئها ، فهم يلحظون الطلاب حي حين يكتبون . على أن بساطة الأستاذ لا تقف عند هذا الحد ، فهو مؤمن بالعالم وبالقوانين ، واريد قوانين المنطن والطبيعة ، إيمانا لا يخلو من البساطة التي تشبه أو تكاد نشبيه البراءة وانظر إليه يريد إصلاح الذوق وترقبته ، كما ينظم تعليم الطبيعة والرياضة والكيمياء . وانظر إليه في كل تقدم للحياة الاجتماعية ، فهو يأخذ هذه الأمور كلها بالحد ، ويعالجها كما يعالج فصلا من فصول " صحي الإسلام ،
وكيف استطيع أن ادع الأستاذ الصدين دون أن
اتنى أجمل اثناه وأخلصه ، على هذه الفصول الحلوة التي تصور الحياة المصرية تصويرا رائعا ماذجا أخاذا ، وكمقال " سيدنا " بل كيف ادع الأستاذ الصديق دون ان أعجب اشد الاعجاب بمقاله سلطة الآباء هذا الذي صور فيه تطورنا الاجتماعي ابرع تصوير واروعه واسرعه إلي القلوب ، وإن كان قد امتاز فيه بأخص مايمتاز " الأديب العنيف ، من الإسراف والأغراق والجموح ، وأظهر حياتنا الحديثة مظلة اكثر مما ينبغي ، سيئة اكثر مما هي . وانا علي ذلك أرحم هذا الأب البائس الشقى ، وأرنى له من هذا الذل الذي طرأ عليه ، بعد أن كان عزيزا كريما .

