الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 459 الرجوع إلى "الثقافة"

مع ادباء القصة من البشاب

Share

(١) تمهيد

بدت طلائع النهضة في أفق الأدب العربي كنتيجة لازمة لأعمال نابليون ، والحركات محمد على الإصلاحية في الديار العربية ، وللارساليات التبشيرية في سوريا ولبنان . تلك الحركات التي مهدت الطريق ، وعبأت الجهود ، وصرفت النظر إلي العمل المنتج المثمر ، وإلى الإطلاع الواسع العريض ، وإلى النهج نهجا جديدا في طريقة الآداء . والتفكير والنظر إلى الحياة . فتلك الحركات نبهت الأذهان إلي شئ من الأدب جديد ، وإلى لون من الثقافة ممتع ، وإلى اساليب ومذاهب في التفكير لم يكن للأدباء عهد بممارستها .

فالبعوث إلي البلاد الأوربية رجعت مزودة بالثقافة الواسعة ، والأطلاع العميق ، متأثرة بمظاهر الحياة الأوربية ، وبمذاهب التفكير ، وبالأدب الأوربي الغزير بالمادة ، العميق بالفكرة ، المشرق بالأسلوب وقارنت بين حال بلادها القائة الساربة في ليل الجهل وبين حال البلاد الأوربية المشرقة بنور العلم والمعرفة ، ورأت الأدب العربي تجتر اجترارا ، ويصفد بأصفاد الجناس والتورية والطباق وسائر الصناعة اللفظية ، ويحمل اوزار التكلف والسرقة وإعادةة الجمل المتقطعة . ورأت واجبا عليها أن توجه الأذهان إلي مقايبس الأدب الصحيحة ، وتعرض للجمهور الزيف من المصرف ، وتظهر الأدب الغربي الجديد إلي الملأ مترجما بلغة عربية سلسة ، وتشرك القراء بالإستمتاع بما قرات من روائع الفكر والبيان

وواكبت هذه الحركة - حركة الإتجاه نحو الأدب الغربي - حركة بعث الأدب العربي القديم ، ونشر ما أندثر منه ، وضاع من نفيسه بين الأفلاط

والتحريف ، وتقديمه تقديما جميلا في طبعة انيقة صحيحة إلي الشباب الظمآن إلي الدراسة والتحصيل . وسهلت المطابع الحديثة هذه الهمة ، فأخذت أسفار الأدب العربي القديم تنشر مع الكتب المخرجة عن اللغات الغربية . كان القرن الماضيا مشهودا لبلوغ القصة الغربية اشدها ، ولاكتمال أساليبها الفنية ، ولتعدد طرائقها ومذاهبها ، وشيوعها بين الأوساط الشعبية ، فكان طبيعيا أن يبصر المظلمون إلي الغرب - في أول وهلة - هذا اللون الممتع من الأدب الذي يحفله الغربون ويستتمتعون به. وينصرفون إليه بلذة وشوق ، فيحاولون إدخاله في ادبهم العربي ، فظهرت محاولات كثيرة في مصر والبلاد العربية .

في مصر اخرجت المطابع أول مجموعة قصص( لمحمد عثمان جلال ) و ( الشيخ نجيب الحداد ) ، ومن ثم ظهرت محاولات آل البستاني في القصة التاريخية التي جعلوها وسيلة من وسائل التثقيف ( ١ ) ، ومحاولات جرجي زيدان في قصصه التاريخية المستوحاة من التاريخ الإسلامي ، المسايرة له منذ بدايته حتى أواخر الفتح العثماني ، فخلف سيمة عشر جزءا ؛ وتابعه بعد ذلك عبد الحميد الزهراوي في قصته " خديجة أم المؤمنين " . وإزاء الروايات التاريخية والتهذيبية ظهر ميل إلي أسلوب المقامات كنتهجة لشيوع أسفار الأدب القديم ، وبعث روائعه ، اتخذه بعض الأدباء المتأثرين بروائع الأدب العربي القديم ، الواقفين على أساليب بلغائه ، المعجبين بالأسلوب الجزل ، والتراكيب المتينة ، والصناعة اللفظية ، كأحمد فارس الشدياق ، والشيخ ناصيف البازجي ، وتبعهما محمد الويلحي في كتابه حديث عيسى بن هشام " وحافظ إبراهيم في كتابه ليالي سطيح " والمطالع لحديث عيسى بن هشام يري المويلحى " يهتم بالجانب الاستعراضي ، فأخذ يسعرض المناظر ، وينقد

الأخلاق في فكاهة مستحبة ، وأسلوب جزل ، يفسده بعض الفساد قليل من السجع(١)

وقد ساعد انتشار المطابع ، وقيام المجلات ، والصحف الأدبية في رواج القصة ، وحفز كثيرا من الأدباء على كتابها أستمالة للقراء وتشويقا لقراءة نتاجهم . وقد خصصت كل مجلة بعضا منها للقصة ، وفتحت الباب للأدباء القصصين من الشباب لتقديم قصصيهم للقراء ، إظهارا لمواهبهم ، وتشجيعا لهم وكان ال دكتور يعقوب عسروف يواصل كتابة قصته المتلسلة فناءالفيوم " في المقتطف ، وكان سليم اليستاني يواصل كتابة قصصه الطوال في مجلة " الجنان " مجلة والده ( بطرس البستاني ) ، فأخرج عددا من القصص منها : " الهيام في جنان الشام " و زنوبيا " و " بنت العصر " وكانت عجلة الضياء تحمل بين دفتيها قصص نسبب مشملاني ، ولبيبة هاشم ، وميشيل مرشاق .

وكما أثرت المجلات في رواج القصة ، كذلك أثرت في قيمتها الفنية والأدبية ، فكانت قصص ذلك الطور لا يخلو من خطأ في النحو أو في التراكيب اللغوية ، ولا تسمو علي أوهام القصصيين ، وحوادثهم المثيرة الخارقة التي حشروها في قصصهم تشويقا للقراء ، وحشروا فيها وعظهم وإرشاداتهم ، وحكمهم المملة التي ناءت قصصهم بحملها ، وكان أشبه شئ بالحكاية الحكمية .

وعندما نقف إجلالا لحركة جليلة الأثر ، عظيمة الأهمية ، تلك الحركة ذات التاثير العميق في تكوين الأدب العربي ، وتوجيهه إلي جهة جديدة . فقد هاجر كثير من إخواننا السوريين واللبنانيين إلى امريكا ، تحت ضغط حكومة الآستانة ، وسوء إدارتها ، وتعسف حكامها ، وضيق سبل العيش في وطنهم . وهناك في امريكا فتحوا

عيونهم على بلاد جديدة فسجوا في سمائها المظللة بظلل الحرية احلامهم الذهبية ، وعلى ادب جديد ممتع ، وعلى قيم جديدة للعدالة والحرية ، ما كانوا يسمعون بها في بلادهم ؛ فامتلأتهم محبة لها ، ولادبها الجديد ، وشغفا بالحرية التي ظلتهم ، واسبغت عليهم برد الأمان . ولكن استقرارهم هذا لم يكن يصرفهم عن وطنهم العزيز الذي اضطروا إلي هجره كرها . فظلوا يتغنون به ، ويتلهفون لرؤيته ، ويباركونه ، فانصبغ ادبهم بالصبغة الصوفية الروحية المتلهفة إلى المثل العليا : العدالة والحرية والحق والمساواة ، في نبرة حزينة هامسة ، واسلوب رشيق شقاف ، ولغة سامية ممتعة ، ونزعة روماتيكية تخيلية ؟ وظهر أدبهم على صفحات ( السائح ) لسان حال )(رابطتهم القلمية ) في نيويورك ، وعلى صفحات بعض مجلات الشرق العربي .

فلفت انظار الشرق العربي ، وسرعان ما تألف نجم جبران خليل جبران وميخائيل نميمة ، وأمين الريحاني ، وانتبه الشباب إلي هذا اللون الطالع الرقيق ، فتأثروا به ، وكان جبران قد أخرج ( الأجنحة المتكسرة ) و ( العواصف ) " ) عرائس الزوج ( و ) الأرواح المتمردة ( ، وأخرج نسيمة مسرحيته ( الاباء والبنون ) ، ثم مجومة قصصه ) كان ما كان ( ، وأخرج أمين الريحاني قصتيه ) زنبقة الفور ( و ) خارج الحريم ( . وذاعت هذه القصص بأسلوبها الرشيق ، ومذهبها الروماتيكي بين شباب العالم العربي ، والشباب بطبيعته ميال إلي الأسلوب الروماتيكي العاطفي العاصف ؛ وكسبت المدرسة الهجرية مكانا رفيعا في قلوب القراء وحاول بعض الشباب تقليدهم في طريقتهم ونزعتهم ، فخلفهم التوفيق كثيرا ، لتباين النفسيات ، وفقدانهم الروحية الحارة المتعطشة التي سيرت الأدب الهجري ، وطبعته بطابعها الخاص . ولعل ) مى ( في كتابها ) الخيال على الصخرة ( اقرب المحتذين شبها بأسلوب جبران ،

وقربا من روحه الروماتيكية العذبة ؛ وذلك لروح ) مى ( الشاعرة ، ولتأثرها بالأدب الفرنسي ، ولحياتها الخاصة . وطلع المنفلوطي بأقاصيصه الروماتيكية ، وأسلوبه المتين ، عملا أكثر مما نستطيع حمله من الآهات والزفرات وسكب الدموع ، وطول التفجع ، وجعلها منيرا للوعظ والإرشاد ، واستطاع أن يستحوذ بها على نفوس الشباب المحبة لهذه النزعة الوجدانية ، ولإقاصيص المشتق والعاطفة المتأججة . ولكن الجمهور المثقف مل أقاصيص المنقلوطي الكئيبة القائمة ، وشنت المدرسة الواقعية التحليلية حملاتها النقدية عليها ، فأعرض المنفوطي عن كتابة الأقاصيص ، وانصرفت المدرسة التحليلية الواقعية ، وعلى رأسها أحمد لطفي السيد إلي إخراج القصص الواقعية التحليلية ، فأخرج الدكتور محمد حسين هيكل قصته ) زينب ( مصورا بها حياة الفلاح المصري ، وأخرج الدكتور طه حسين ( الأيام )ومن ثم ( أديب ) و ( دعاء الكروان ).

وجاء محمد تيمور على رأس مدرسة تحفل الموازين الفنية الحديثة في القصة ، وتعمل على رفع مستواها ، واكتمال أسبابها الفنية ، فأخرج محمد تيمور ( ما تراء العيون ) وأحمد خيري سعيد قصته (الدسائس والدماء وخرج محمود تيمور بقصصه ( الشيخ جمعة ( و ) الحاج شلبي ) و ( الشيخ عفا الله ) و ( أبو على عامل ارتست ). ويعد محمود تيمور رائد القصة المصرية الفنية والعامل على تبلورها الفني . وتيمور مملك يلكة تصويرية يسيرها في قصصه الهادئة ، بروح رقيق صاف لا يشوبه صخب المدنية ، وعواصف الحضارة المادية

وظهر المازني الطروب بقصصه الواقعية التصويرية . وبروحه التهكمى السمح الأريحي ، وأسلوبه التحليلي الرقيق ، يعرض قصصه الحافلة بتجاربه اليومية وذكرياته ، فأخرج ( صندوق الدنيا ) و ( خيوط العنكبوت ) ونشر

عام ١٩٢٩ قصته الخالدة ( إبراهيم الكاتب ) وظل في جو هذه القصة يدرس النفسيات ، وبعض أفكاره ، ويسترسل في هواجسه وخواطره . وجاء محمود كامل المحامي مجموعته القصصية ( أنا وانت ) و ( المجنون ) . والدكتور إبراهيم ناجي مجموعته القصصية ( مدينة الاحلام ) . وانظم إلى هذه الفئة العقاد بقصته القيمة ( سارة ) ، وإبراهيم المصري بأقاصيصه الشعبية الواقعية ، وكرم ملحم كرم بقصته التحليلية ( المصدور ) ، وتوفيق الحكيم عام ١٩٣٣ بقصته الواقعية ( عودة الروح ) .

ونشطت حركة القصة في السنين العشر الأخيرة ، واخذت مدارس القصة الحديثة تتوضح ، وتتسم بسمتها الخاصة ، وأصبحت الكتب الحديثة في الأدب الغربي تنشر بعد مدة قليلة من صدورها ، وحركه ترجمة القصة الغربية أقوي حركات الترجمة ، وأوسعها انتشارا ، و اكثرها إقبالا من الجمهور . وقام الرعيل الناهض من الشباب النشطين يرمون محاولاتهم الموفقة إلى الجمهور ، والجمهور يتقبلها بالنقد والقبول الحسن ، والتشجيع المثمر ؛ وبقدر اتساع الطرائق الفنية ، والمذاهب الفكرية ، وتباين النظر في أمور الحياة أخذت مذاهب القصة تتسع ، وتتسع دائرتها ، وتتشعب إلى مدارس ، وبعض القاص وفق ما يرسم له فكره وعاطفته وميوله ؛ ونزعته الشخصية .

ونشأت دور النشر يملك زمامها ادباء الشباب ، فنشطت نشاطا عاظيما ، وشجعت الأدباء الناهضين على النشر لإظهار مواهبهم ، وراح كل واحد ينسج نسجه الخاص .

والجدير بالذكر من هذه الدور التي تهتم بالقصة دار النشر للجامعيين ، وعلى رئيسها القصاص المصري الناهض عبد الحميد جودة السحار ، ودار الكاتب المصري التي تهتم بترجمة القصص الغربية ، ودار المكشوف يديرها نخبة

من الشباب اللبناني المتحرر كتوفيق يوسف عواد وخليل تقي الدين ورئيف الخوري .

وهناك عدد كبير من القصاصين الشباب ينتجون نتاجا مثمرا طيبا ، ويخطون خطوات واسعة نحو الكمال الفني ، كل له شخصيته ومذهبه . من هؤلاء نجيب محفوظ وعادل كامل وصلاح الدين ذهني ، ووداد السكاكيتي ، وسهير القلماوي ، وبنت الشاطئ ، في قصصهم الواقعية ، وبئر فارس وعادل كامل في قصته ( ضباب ورماد ) والسيد الدالي في قصصهم الرمزي ، وإبراهيم المصري ، وامين يوسف غراب ، وإبراهيم الورداني في قصصهم الجنسية التي زوجتها القصص السيارة .

هذه لمحة موجزة عن تاريخ القصة سنتبعها بدراسة عن القصاص المصري الأستاذ نجيب محفوظ . بغداد

اشترك في نشرتنا البريدية