الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الثقافة"

مع ادبائنا المعاصرين، " فيض الخاطر "

Share

أنفق صباه وأول شبابه تلميذا وطالبا كما اتفقناهما جميعا ، ولكنه ذهب إلي الكتاب فجلس علي الحصير ، وشارك في حياة الكتاب كلها ، إلا ما كان من غمس الأيدي إلي المرافق في ماجور القول الثابت ، وفي ماجور المخلل ، فقد كان الكتاب قريبا من داره، وكان يتغدي مع أسرته . ثم تحول عن الكتاب إلي المدرسة المدنية ، فشارك في حياتها المنظمة المتأثرة بتقليد الفرنجة عصرا ، ثم تحول إلي الأزهر الشريف ، فعاد إلي الحياة المحافظة الخالصة التي تأثرت بها أسرته تأثرا شديدا ، فقد كان أبوه من علماء الأزهر . ثم اتصل بمدرسة القضاء ، فانتقل من المحافظة الخالصة التي كان يلطفها تأثير الشيخ محمد عبده ، إلي محافظة معتدلة كان ينظمها ويشرف عليها عاطف بركات في مدرسة القضاء. ثم خرج من هذه المدرسة، وجعل يبحث عن نفسه فلا يهتدى إليها ، أو لا يكاد يهتدي إليها . وجعل أصدقاؤه والمتصلون به يبحثون عن نفسه أيضا فلا يهتدون إليها ، أو لا يكادون يهتدون إليها . بحث عن نفسه بين الفقهاء الذين يفرغون للفقه درسا وبحثا، وبين الفقهاء الذين يفرغون للفقه تنفيذا وتطبيقا، فكان معلما، وكان قاضيا شرعيا. وبحث عن نفسه بين الفلاسفة الذين ينظرون ويقرءون ويفلسفون ما ينظرون وما يقرءون ، فحاول الترجمة في الفلسفة ، والكتابة في الأخلاق ، ولكنه لم يرض عن نفسه فقيها ولا قاضيا ولا مفلسفا . وما أظن

أن أصدقاءه، والمتصلين به قد رضوا عنه في هذه الأطوار كلها ، فقد كانوا يرونه أرفع منها منزلة ، وأبعد أمدا ، وأوسع أفقا . علي أنهم اهتدوا إلي ناحية مشرفة من نواحيه حين ألفوا لجنتهم هذه التي ملأت الدنيا علما وأدبا ، وكلاما وكتبا ، والتي لم يكفها ذلك كله ، حتى أرادت أن تشق علي الناس بهذه الصحيفة التي تفرضها عليهم كل أسبوع ؛ فاختاروه رئيسا للجنتهم هذه ، وجعلوا يحددون انتخابه لرياسة هذه اللجنة كل عام منذ أنشئت إلي الآن ، وقد نيف عمرها على العشرين ، وأحسها قد بلغت عيدها القضي ، كما يقول الفرنجة ، أو كادت تبلغه . فقد عرف منه أصدقة إذن جدا وحزما ، وصدقا وإخلاصا ، ونصحا للمتصلين به والعاملين معه ، فآثرؤه بخير ما يؤثر به الصديق الصديق من الحب والثقة . ولكنهم ظلوا حائرين في أمره ، كما كان هو حائرا في أمر نفسه ، لا يعرفون أين يضعونه أيضعونه بين الفقهاء ؟ أيضعونه بين القضاة ؛ أيضعونه بين المفلسفين ؛ وأذكر أنى رأيته منذ اثني عشر عاما أو نحو ذلك ، فإذا هو ضيق بكل شئ ، منصرف عن كل شئ ، يريد أن يفرغ لنفسه ، أو يريد أن يفرغ من نفسه لشئ يشغله عنها وعن الناس ، ويشعره بأن لحياته خطرا وأثرا . ثم اتصل بالجامعة وفرغ لها ، ونهض بتكاليفها ، وما هي إلا أشهر حتي أخذ يلمح نفسه من بعيد كما يلمح المسافر في الصحراء علما من هذه الأعلام التي تهدي الناس وتعصمهم من الجور عن قصد السبيل ، وجعل يدنو من نفسه قليلا ، وكلما دنا منها شيئا ظهرت له واضحة مشرقة ، حتى إذا كان منها غير بعيد أخذه شيء من الذهول ، مصدره الرضي والأمن والطمأنينة ، بعد السخط والخوف والقلق ، فكان أشبه شيء بأولئك اليونان الذين لقوا ما لقوا ، وشقوا ما شقوا ، في سفرهم البعيد ورحلتهم الشاقة ، إلي بلاد الفرس وفي عودتهم منها ، حتى

إذا استيأسوا من الأمن ، وأشرفوا على المكروه ، بدا لهم البحر ، فعاد إليهم الأمل ، وأمتلأت قلوبهم رجاء وصاحوا في صوت رجل واحد : البحر البحر . وكان بحر صاحبنا الأدب العربي ، وكانت الصيحة الأولى لصاحبنا " فجر الإسلام" وما هي إلا أن يبلغ الساحل ويندفع في هذا البحر الذي انتهي إليه ، حتى يعرف نفسه حق المعرفة ، ويصاحبها مصاحبة العالم بها المستقصي لأسرارها ، البصير بدخائلها ، المستغل لكنوزها ؛ وإذا هو يظهر ما أظهر من " ضحي الإسلام " ، ويخرج من خرج من الشباب ، وينشر ما نشر من الفصول والمقالات ، ويؤلف ما ألف من الكتب في صميم الأدب ، أو علي هامشه ؛ وإذا أصدقاؤه يهتدون إلي نفسه أيضا ، فيرضون ويطمئنون ، ثم يقبلون على ما جعل يقدم إليهم من ثمرات فينعمون ويستمتعون . وإذا هذه النفس التي كانت غامضة حتي علي صاحبها ، تظهر وتبهر وتشرق ، حتى يعرفها القريب والبعيد ، وحتي تنشر من ضوئها الهادي المشرق رداء رفيقا شفافا ، ولكن فيه حرارة تبعث الحياة . وإذا هذا الرداء يغمر الشرق العربي كله ، ثم يتجاوزه إلي الشرق الإسلامي ، ثم تمتد أطراف منه حتي تبلغ الغرب المسيحي فتعجب وتروق . والظريف أنى كنت أسأله اليوم عن نفسه ، أيعرفها ؛ فإذا هو لا يعرف منها شيئا ، أو لا يعلم أنه يعرف منها شيئا . هو يعرف نفسه ولا يعرفها ! يعرفها معرفة لا شعورية ، يضبطها ويملكها ويستغلها ويصرف أمورها كما يريد ، أو كما يسر لتصريفها ، فإذا سألته عن ذلك لم يعرف منه شيئا ، أو لم يحسن أن يصور لك منه شيئا ، وأظن أني قد وصلت الآن إلي الصورة الدقيقة التي تمثل صديقنا أحمد أمين فهو رجل قد جمع هاتين الخصلتين المحببتين إلي النفوس : خصلة الذكاء النافذ البعيد العميق ، وخصلة البساطة الهادئة الظريفة التي تثير على شفتيك - وقد تدفعك أحيانا - إلي

أن تغرق في الضحك إغراقآ . ضعه أمام مسألة من مسائل العلم الأدبى ، او امام مشكلة من مشكلات الحياة العملية ، وثق بأنك سترى رجلا نافذ البصيرة صادق الرأي ، نافذا من المشكلات إلي أعماقها . ثم تحدث إليه عن نفسه ، أو تحدث إليه في ايسر ما يتحدث فيه الناس ، أو راقبه في ايسر حياة اليومية ، في ذهابه  إلي الجامعة ، وحودتة إلي داره ، في ذهابه إلي لجنة النشر وزيارتة لاصدقائه ، فستري منه طرائف الاعاجيب ، ستري منه الوان السهو وفنون النسيان ، والإقدام على ما كان يحب ان ينصرف عنه . والإنصراف عما كان يحب ان يقدم عليه ، والتنبه لذلك كله بعد وقوعه ، واختلاط الأمر عليه بعد ان يتنبه لما نورط فيه

وهناك صورة اخري دقيقة لصديقنا أحمد أمين ، تأتلف من متناقضين ، وأنا أعلم أن الناس قد زعموا منذ فكروا أن النقائض لا تجتمع ، ولكنها تجتمع في صديقنا أحمد أمين ، ولن يعدم الفلاسفة تعليلا لاجتماع النقائض هذه فهم قادرون علي كل تعليل .

هذه الصورة الدقيقة الثانية تأتلف من الهدوء الهادي ومن الثورة الثائرة . فأحمد أمين هادئ قد عرف بذلك حتي ضربت به الأمثال فيه ، وهو ثائر قد عرف بذلك حتى أشقق الذين يحبونه منه وأشفقوا عليه . فهم يحذرون فيما يكون بينهم وبينه من صلة ان يؤذوه فيدفعه ذلك إلي الثورة ، وهم يشفقون عليه إن غضب ، لأنهم لا يعرفون أحدا يتأثر بالغضب كما يتأثر به .

وستقول إني قد اطبعت وأصهبت ، وبسطت في المقدمة ولم ابلغ كتاب " فيض الخاطر" بعد ولكن ترفق ايها القارئ الكريم ، فان كتاب "فيض الخاطر "ليس الإ خلاصة طريقة عذبة ممتعة لهاتين الصورتين ، ولهذه التناقضات التي تؤلف هاتين الصورتين ، في هذا الكتاب ذكاء أحمد أمين وبساطته ، وفي هذا الكتاب هدوء أحمد أمين وثورته

ولك أن تقرأ الكتاب من أوله إلي آخره ، وان تعرض ما فيه من الفصول والمقالات على هذه الخصال الأربع ، فستجدها ممثلة فيه أصدق تمثيل وأقواه . نراها تتمثل جملة وتتمثل تفاريق ، ثراه في فصل واحد ذكيا بسيطا ، وهادئا تأثرا ، وتراه في فصل آخر وقد غلبت خصلة أو خصلتان من هذه الخصال علي ما كتب ، فظهر الذكاء والهدوء وظهرت البساطة والثورة . وتستطيع ان تلائم بين هذه الخصال كما أحببت جمعا وتفريقا ، وحذفا وإثباتا ، فلن يفلت منها فصل من فصول الكتاب .

وفي الكتاب ستون وثلثمائة صفحة ، وفيه أربعة وسبعون فصلا ، وقد قسم لي أحمد بامين من صحف الثقافة قدرا معينا لا ينبغي أن أغدوه ، فلا تنتظر من أن أفضل تلك القول في الكتاب تفصيلا ، وما ادري اي الامرين خير لأحمد أمين نفسه ؛ هذا الايجاز الذي أضطر إليه اضطرارا ، ماخفي من محاسنه وعبويه ما كان في إطهاره بعض النفع ، أم هذا الاطناب الذي اطمع فيه ولا اظفر به والذي كان بتبح لي ان اظهر صديقنا على بعض اشكال نفسه ، فأرضيه حينا ، وقد اسخطه حينا آخر . ولكنى مع ذلك مضطر إلى ان اقف عند مواضع قليلة من هذا الكتاب لأبين ما وصفت من هذه التناقضات التي يأئلف منها صديقنا أحمد أمين .

وأول ما أقف عندما بالطبع هو مقدمة الكتاب ، لا لأنها أول ما اقراء من الكتاب ، فقد قرأنه كله مجتمعا ومتفرقا . ولكن لأنها تدعو إلى الوقوف . فأحمد أمين ينبئا بأنه إنما نشر هذه الفصول لأنها قطع من نفسه يحرص عليها حرصه علي الحياة ، ويجتهد في تسجيلها إجابة الغريزة حب البقاء - والطريف الذي لا أشك فيه أنه قد كتب هذا الكلام صادقا حين كتبه ، ولكنه صدق مصدره الاقتناع والإندفاع ، لا الهدوء والروية ، وأنا

أعرف أن من الأدباء من يرون آثارهم الأدبية قطعا من نفوسهم يجهرون بذلك ويرددونه ، ولكنهم إذا سئوا عنه لم يحققوه ، وإذا امتحنوا فيه لم يثبتوا عليه . فما عسي أن تكون قطع النفس هذه ؟ وهل من الحق أن الكاتب - وإن كان أحمد أمين - يحرص على آثاره حرصه علي الحياة ؟ وهل لو امتحن صديقنا في ذلك يثبت للامتحان ويحرص على هذه المقالات حرصه علي الحياة ، ويدافع عنها كما يدافع عن حياته ، ويتأذي لما يصيبه فيها كما يتأذي لما يصيبه في حياته ؟ كلا . إنما هو كلام أدباء لا أكثر ولا أقل ، وإلا فويل لأصدقائه إذا نقدوه في هذه الفصول واشتدوا عليه في النقد ، وألحوا عليه في التحليل والتعليق والتأويل ، إنهم إذن يؤذونه في حياته ، ويثرحون نفسه تشريح الحقيقة ، لا تشريح المجاز ، وهم أرفق به وأحب له من ذلك . أفتراء إنما قال لهم هذا ليصرفهم عن نقد هذه الفصول ، ويرغبهم عما قد ينالونها به من التشريح والتحليل ؟ كلا . فأما أعرفه رحب الصدر سمح الخلق ، محتملا للنقد ، ولكنه أديب أحب أثرا من آثاره ، وعبر عن هذا الحب ، فغلا كما يغلو الأدباء ، وخرج عما هو معروف به من الأناة والرزانة والهدوء

وأخري في هذه المقدمة ، ليست أقل من هذه ظرفا ، وهي مذهبه الفني ، فهو من اصحاب المعاني لا من اصحاب الألفاظ ، وهو يؤثر الإيجاز ويكره الاطناب ، وهو يؤثر القصد ، ويكره الزينة . وكل هذا حسن ، وكل هذا يقبل من الأستاذ حين يقوله ، لانه بقوله صادفا فيه ، مؤمنا به . ولكن دع المقدمة وامض في قراءة الكتاب ، فستري فيه فصولا تروع بألفاظها أ كثر مما تروع معانيها ، وستري فيه فصولا تعجب بإطنايها أكثر مما تعجب بايجازها ، وسنري فيه فصولا تروق بزينتها أكثر عما تروق باشارها للقصد ، واكتفائها بلبسة المفضل . والأستاذ

صادق مخلص حين كتب هذه الفصول التي تروع باللفظ لا بالمعني ، ولعجب بالأطناب لا بالإيجاز ، وتروق بالزينة لا بالقصد ، وهو مناقض لنفسه في هذا المذهب الفني الذي صوره وقضي به على نفسه ، ولكنه أديب ، وليس علي الأديب بأس من التناقض ، فهو لا يتناقض في لحظة واحدة ، ولا في حال واحدة ، ولا في ظروف بعينها . ولكن ما يكتبه من الآثار بمثل لحظات مختلفة من حياته ، فيظهر مختلفا متبابتا كما اختلفت هذه اللحظات وتباينت ، وإلا فقرأ " من غير عنوان "  صفحة ٢١ ، وحدثني : أموجز هو أم مطنب ؛ أرائع هو بلفظه أم بمعناه ؟ قصة المقال يسيرة جدا ، فقد ساء هضم الأستاذ فساء رأيه في الحياة ، وحسن هضم الأستاذ فحسن رأيه في الحياة ، وليس في المقال أكثر من هذا ، إذا حصلت ما فيه . ولكنه أدى هذا المعنى اليسير القريب المألوف ، الذي لا يحتاج تصوره وأداؤه إلي ذكاء خارق ، ولا إلي علم عميق ، أداه في ثلاث صفحات ونصف صفحة من كتابه ، فراعك وراقك وأعجب لأنه أطنب وأصهب ، وافتن في اختيار اللفظ ونقض ما قال من أنه يؤثر الإيجاز على الأطناب ، والقصد على الزينة والحلية

وللأستاذ أحمد أمين قصة ظريفة ، فقد خطر له ذات يوم ان الأدب القوي خير من الأدب الضعيف ، وأكبر الظن أنه كان قد ضاق ببعض ما يكتب المحدثون ، وببعض ما قرأ من ادب القدماء ، فاندفع ، وما أكثر ما يندفع الأستاذ أحمد امين إذا اقتنع ، ومد ظل الضعف على الأدب العربي كله ، ووضعنا في قديما وحديثا وصمة مؤذية حقا . لم يتردد الكاتب التركي الأديب إسماعيل أدهم في قبولها وتسجيلها في " الرسالة " على أنها حقيقة لا جدال فيها . ولكن هذا الفصل الذي كتبه الأستاذ مندفعا عجلا ، أحفظ بعض الأنسات ، فكتبت إلي الأستاذ ترميه بأنه ( البقية علي صفحة ٤٣ )

اشترك في نشرتنا البريدية