الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 680الرجوع إلى "الثقافة"

مع, الايحائية والواقعية :, في مسرحية دنشواى الحمراء

Share

فيما يجريه قلم الأستاذ عبد الفتاح البارودى  نقدا لنتاج المسرح المصري في هذه الآونة  لمسات لطيقة وجسات حادقة وتاملات تبنى بان مجريها يحاول أن يسير بالنقد السرحي إلى مرحلة غير التي كان عليها في أكثر ، ولاسيما ما هو خاص بموضوع السرية وأسلوب مصالحته وسياقته

وقد أخذ علي في نقده رواية ) دنشواى الحمراء ( ، وله الشكر ، مأخذين جديرين بالاعتبار وهما :

١- أنني أخرجت المشهد الأول من الرواية ، وهو عين المشهد الأخير . إخراجا واقعيا ، مع أنني أحمل لواء الإخراج الإيحائى  في مصر وأشير بمزاياه دون غيره .

٢ - انني استعملت الميكروفون في مشهد كامل وهو مشهد المشنقة مع أن الميكروفون ليس من أدوات مسرح الأساسية .

وعاء أن يكون الناقد ودمتا كعادته في نقده - ولا أقول مجاملا - فنسب ما أخذ ، على إلى ) ضرورات بما تكون خافية عليه ( وطالبنا بشيء من التفسير والإيضاح وإني أبادر بتحقيق مطلبه ليفيد القارئ وخلص تسعير النفوذ.

الايحائية والواقعية

لست أزيع أن أحاضر في هذه أو تلك فالمقام بضيق يا . ولكنني ساورد من جوهريهما ما أخذه تكأة أستند بها في معالجة ما يسأله الناقد

أخذت بالإيحائية وناديت بها وأجريت تطبيق قيمها الأكثرية الغالية من المسرحيات التي قدمتها بين ) الفرقة

المصرية ( و ) فرقة المسرح المصري الحديث ( لأنها تماشى زوج العصر الذي نعيشي فيه ونحو عصر يتسم نتاجه الأدبي والفني بالبساطة في التعبير ، وينشد الانتهاء إلي تقديم اكبر الأثر بأبسط الوسائل وأسرعها كما يميل إلى الأخذ بالتركيب والإجمال synihese بعد أن سأم التحليل والتفصيل analyse وامضه الزخرف والفضول .

ومرجع هذا تغير المزاج العام ، بفعل التقدم الآلي . وإفلاس الذهب الواقي بعد أن عجز ) المعدل ( عن الانتهاء إلى جوهر الأشياء بتحليلها وتفصيلها ، ثم جنوح ايقاع الحياة إلى السرعة في كل شئ . ونشاط المخيلة بفعل ارتقاء النشاط الفني والثقافي بوجه عام

وتطبيقي الإيحائية علي الإخراج المسرحي من ناحية المناظر والأمتار تجري عن طريق استعمال أمتار عملية ذات لون واحد ) محايد ( أي لون غير صارخ ، وليست له قيمة لونية مجتذب نظر المشاهد إليها ولا تؤثر على غيره من الألوان التي تتجلي في لباس المثلين والآناث وغيره من المهمات ، أقول استعمال هذه الآستار بدلا من المناظر المرسومة طبقا القواعد المنظور والملونة تلوينا بنسخ الواقع في رزقه وفي تصيله . خدران الحجر وأسوار الحسون وغيرها ، لدي الإعاثين . هي تلك الآستار ذات اللون السائد الواحد ، وقد يستعان على تنشيط عيلة الجمهور لتحسن مخيل ما يوحى ، هذه الآستار ، قد يستعان بعض إطارات مرسومة وملونة بحيث كمثل كائنات من الواقع ، ولكن في غير إسراف ولا تفصيل في الرسم والتلوين .

فالبهو الفرعوني مثلا لدي المخرج الإيحائي إنما هو امتار

محلية ، ثم بعض أعمدة أو مدخل باب ، وقد رسمت هذه أو ذاك رسما إجماليا طبقا لطراز الفرعوني ، وقد يختلف الطراز باختلاف الصبغة المحلية المسرحية .

والحديقة كذلك أستار في المؤخرة وعلى الجانبين . وهنا وهناك قامت إطاراث ملونة تمثل جذوع أشجار سامقة مجردة من كل تفصيل ، وهكذا دواليك .

وهكذا يتضح أن الإيحائية تعمد إلى التركيز ، إلى تركيز الواقع وليس إلى إيراده مفصلا ، ولعل ما جعل رجال المسرح يأخذون بالإيحائية في الإخراج هو ان المناظر التي تشاد طبقا لنظريتها لا تأخذ انتباه الجمهور ، هذا الانتباه الذي يجب أن يحظى به المثل وحده ، باعتبار أنه الوحدة الرئيسية التي يجب أن تحظى بكل انتباء من جانب الجمهور ؛ فالأخذ بالإيحائية في الإخراج ليست ضرورة ) اسطبقية ( ولكنها ضرورة مسرحية أيضا .

يبد أن هذه الإيحائية لم تبرز إلينا من غير أصل تستند إليه ، إذ أن بينها وبين الواقعية ونتائج قربي ونسب ، بحيث يصح أن نقول إن الايحائية إنما هى واقعية متواضعة مبسطة خلت من الدقائق والتفاصيل . وهذه الإيحائية تؤثر في الجمهور باعتبار أن الجزء يوحي بالكل ، والجزء كما هو معلوم شئ من الواقع ؛ فلا ضير والحالة هذه عند تطبيقي هذا المذهب على فن تصوير المناظر المسرحية وإنشائها أن تكون بين ) جزء ( يوحي ) بكل ( وبين ) كل ( يقدم الجز ، ما دمنا نعمل بمبدأ توخي البساطة في التعبير واجتناب التفصيل الممل ، وأخذنا بالجوهر دون الحواشي ومساوقة روح العصر في جنوحه إلى السرعة .

وقد كان هذا شأننا  في إيراد المنظر الأول من السرحة وهو نفس المنظر الذي جاء في ختامها ، فقد جاء مؤلفا من اطارات تمثل جدرانا رمادية اللون عارية من كل زخرف أو تفصيل ، صريعة في تفردها بالإيحاء إلى الجمور بأنه يشاهد حجرة متوسطة الحالة ، كما خلت من الرئيسات ما يشغل ذهن الجمهور ومجمله ينصرف عن شخوص السرحية وما يجري على السنتهم من حوار .

ومثل هذا المنظر سواء أكان من أستار مخملية موحدة اللون ، أم من إطارات من قماش ذات لون واحد بسودها ، يتفق ولاشك مع الإيحائية التي تقوم على التركيب والإجمال ،

أي أنها تسير من الشئ الصغير إلي الكبير وتوحي بالجزء عن الكل .

وقد كان يصح أن تستبدل هذه الإطارات باستار من المحتمل كما يجري عادة اليحائيين في الإخراج المسرحي ، وكما أخذنا بها في المشهد الأول من الفصل الثالث لولا أن حال دون هذا ضيق امكانيات مسرح حديقة الأزبكية وعدم توافر هذه الآستار عبث تؤلف منظرين متتالين من غير فاصل زمني بينهما .

ولو أننا جرينا في إخراج هذه المسرحية على الآستار المخملية دون الاستمانة بالآستار الملونة فحسب ، لكان الماخذ علينا صار ما ، إذ نكون قد أخلدا ) بالوحدة ( الفنية التي يجب أن تسود جميع مناظر الرواية . ولكن الأستاذ البارودي يذكر أن بقية فصول الرواية كانت تقدم في مناظر تجسم بين الآستار المخملية وبين الإطارات المسورة بالألوان . كما يذكر أنى دائما في إخراجي مسرحياتي ، أجعل الأستار الجانبية القائمة في المستوي الأول من المسرح مصنوعة من المخمل او من أى قماش ذي لون واحد ، إرادة أن أذكر الجمهور بأن ما يراه على المسرح من المناظر ، ليس نسخا للواقع ولا صورة فوتوغرافية منه ، وإنما هو شئ يوحي بالواقع ، إذ لا سبيل إلى إحياء الواقع بحذافيره فوق المسرح مهما بلغ تأنفنا في إيراده . ويكفي أن تنقلت حركة من يد أحد الممثلين وترتطم بأحد الآستار المرسومة رسما واقعيا ، فإذا هذا الستار الذي رسم عليه جدار حصن منبع ، يهتز ويترع وتنهار واقعية هذه الناظر دفعة واحدة .

الميكرفون عامل مصير

والملاحظة الثانية التي أبداها الأستاذ الناقد أنني استعملت الميكرفون في مشهد كامل . ومعلوم أن الميكرفون ليس من أدوات السرح الأساسية .

حق أن الميكرفون ليس بين أدوات السرح الأساسية ، وإن شئت فقل ليس الميكرفون عاملا ) ايجابيا في التعبير فوق المسرح ، باعتبار أنه لا يبادل الحوار مع سواء - وسواء هو الممثل . ولكنه على الرغم من هذا قد يكون عاملا مؤثرا في التعبير ، تبعا للمناسبة التي يستعمل فيها

وفي المشهد الذي أبرزت فيه المشنقة برواية ) دنشواي الحمراء ( كان كل شئ يتراءي فوق المسرح يعتبر تعبيرا

) سلبيا ( أو هو يعبر بذاته لانعدام تبادل الحوار بينه وبين ما هو قائم فوق المسرح .

فالمشنقة منصوبة ، ولكنها جامدة لا تحمل ، وجنود الإنجليز جمود حواليها لا يتكلمون . وليس فوق المسرح شخص من شخوص السرحية . . صمت سارع وظلام دامس ، فالتميز هنا يدخل في باب ) النصبة ( أو الحال التي هو عنها من غير كلام . وقد نظمت الإضادة عبث أضفت على هذا للشهد صحة اللوحة الحية ، بما توجيه في غير همس ولا نبي فهو والحالة هذه ، معنوي خالص ، وذلك باعتبار أن الكلام الذي يجري على لسان المثل فوق المسرح يعتبر تعبيرا ماديا في هذا الصدد .

وكان لابد لتحقيق الاستثارة التي يفشدها للؤلف من صوت يرتفع بذكر المصريين بدنشواي وبما ارتكبه الإنجليز في دنشواي ، حتى تنسج هذه اللوحة أثرها البالغ على

الجمهور . فلم يكن هناك مندوحة عن أمرين ، إنما أن دخل تمثل فوق المسرح ، بلحمه وعظامه ، ورفع صوته بالكلام وسط عناصر تعبر عن نفسها بغير الكلام ، وفي هذا إقحام ألفادي في المعنوي ، وإنما أن يرتفع صوت من جهة غير مرئية وكأنه صادر من أعماق الزمن ، هذا الزمن الذي توحي بنسوته تلك المشنقة المنصوبة في ساحة القرية العربية وأولئك الجنود الإنجليز الذين قاموا حولها يعدون لها ضحاياها من المصريين .

فآثرنا أن نأخذ بالأمر الأخير حتى نبقى على هذه اللوحة مسحتها المؤثرة من التعبير المعنوي في حدود الاستثارة التاريخية

هذه هي وجهة نظري قد شرحتها ، وقبل هذا أوجزت رأيي عن ) الايحائية ( وأرجو أن أكون قد أفدت القارئ في شئ .

اشترك في نشرتنا البريدية