الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الثقافة"

مع الزمان:, " الغمرات ثم ينجلينا "

Share

تطلع معاوية بن أبي سفيان إلي البحر، بحر الروم، بعد أن استقر للعرب ملك الشام، وامتد فيها الفتح إلي أطراف الجبل من آسيا الصغري؛ وتأمل ذلك الطريق السوي الأزرق الذي لا تقوم فيه عوائق الصخر، ولا تسد سبيله المعاقل والحصون؛ فذهب خياله إلي قسطنطينية العظمي، ورآها دونه لا يقف شيء في سبيلها إلا ذلك الموج الأزرق المتلاطم.

كان هذا البحر مطية للروم، يحملهم في السفائن الشامخة ذات الصواري العالية، فيهبطون منه إلي سواحل الشام، فإذا ما أصابوا من تلك السواحل ما شاءوا من إغارة، وأحسوا العرب يسارعون نحوهم للدفاع عن فتوحهم عادوا إلي السفائن فامتطوها، وغابوا في غمار البحر، فلا يستطيع فرسان العرب أن يلحقوا بهم، ويقفون علي الشاطئ ينظرون في آثارهم وقد ملأ الغبط قلوبهم، يتحرقون على إفلات عدوهم وهم لا يستطيعون أن يقتحموا تلك اللجة الزرقاء وراءه .

وقال معاوية في نفسه: " ماذا يمنع العرب أن تكون لهم مثل تلك السفائن العالية ؟ وماذا يعجزهم من أمر ذلك البحر أليس لهم بالشام مثل ما للروم من غابات ذات أشجار باسقة وجذوع مديدة ؟ أليس لهم في مصر والشام من الصناع من يقدر على بناء مثلها ؟ وهل يعجز القلب العربي أن يجرؤ على تلك الأمواج كما يتجرأ على الجبال والوديان ؟ "

وأرسل إلى الخليفة عمر يبسط له رأيه، ويستأذنه في الإقدام علي اقتحام البحر في أثر العدو الممتنع وراءه .

ولكن عمر كان لا يعرف البحر، ولا ما يخبئه من مخاطر. وكان يسن بالغرب أن يضربوا في مجاهله خوفا عليهم أن يطويهم في بطنه قبل أن يصلوا على ظهره إلى عدوهم. فأبي أن يجيب معاوية، وقال له في عبسة من عبساته: " لا أخاطر بالمسلمين، فأمسك عن ذلك القول .

ولكن معاوية كان شابا ممتلئا بالأمل، فكتب إلي الخليفة مرة أخري يلح عليه في الاستئذان أن يقتحم البحر، وجعل يهون أمره ويستخف بخطره ويصور سهولة مناله؛ فقال له في بعض رسائله: إن بعض قري حمص ليسمع أهلها نباح كلاب الروم وصياح دجاجهم يزقو مع الريح إذا هبت من صوب الغرب من فوق أمواج ذلك البحر المخوف .

وتردد عمر قليلا، وكاد بهم بالأذن له، فقد كان معاوية لوذعيا أربيا، يعرف كيف يصور سداد حجته. وكيف يبين وجوه الحق في عزمته. ولكنه لم يرد أن يقطع في الأمر حتى يستشير، ويتبين الحق بغير لبس ولا شك؛ فأرسل إلي عمرو بن العاص يستطلع رأيه في اقتراح معاوية، فقد عرف من قبل أن عمرا رجل جمع بين الشجاعة والحذر، وضم في قلبه طرفي الأقدام وحسن الرأي. فقال في سؤاله لعمرو : " صف لي البحر وراكبه فان نفسى تنازعنى إليه "، ثم بين له مقصده من سؤاله، وأنه يهم بأن يأذن المسلمين أن يذهبوا فيه إلي الروم في عقر ديارهم وقلب دولتهم .

وفكر عمرو في الأمر طويلا قبل أن يجيب، وقامت في نفسه شكوك وثارت به آمال، ولعله رأي أن معاوية إن انصرف إلي البحر طالت يده، وبسطت كلمته، فلم يكن سواء لفتح الثغور ، ولم يكن غيره لقيادة العرب في وجه الروم. فكتب رده إلى الخليفة يصف له البحر: " إني رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير، إن ركن خرق القلوب، وإن تحرك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين قلة، والشك كثرة. هم فيه كدود علي عود، إن مال غرق، وإن نجا برق " .

وكان في ذلك الكتاب فصل الخطاب. فأرسل عمر إلي معاوية يأمره بالكف عن عزيمته، وكان رده يحمل صورة من عبسته التي ما كان في العرب من يستطيع مراجعتها .

قال عمر : " أما والذي بعث محمدا بالحق لا أحمل فيه مسلما أبدا " .

فصبر معاوية علي مضض وسكت على قلق ، ولم ترده السنون إلا وثوقا بسداد رأيه

ثم تولي الخلافة عثمان؛ فرأي معاوية أن الفرصة قد سنحت له بعد لأي. فأقبل علي الشيخ يحرك عزيمته، ويوضح له خطته حتى تردد ولان، ثم ما زال به حتى رضي وأذن، وكان عمرو بن العاص عند ذلك منبوذا من عثمان مصروفا عن ولايته في مصر؛ فأهمل رأيه وفاز معاوية بما كان يصبو إليه.

غير أن عثمان أباح ركوب البحر إباحة الضنين المترقب، فشرط على معاوية ألا يرغم أحدا على السير فيه، وإلا يختار من العرب أحدا بذاته، ولا يقرع في الأمر بينهم بل يخير الناس ، فمن شاء طائعا حمله وأعانه .

وما كان العرب لينكصوا عن اقتحام المخاطر ، وما كانوا إذا خيروا أن يختاروا إلا خوض المجاهل ، فما أسرع ما تزاحم الفرسان عند الشاطئ ، وما كان أشد حماستهم وهم يعتلون السفن الشامخة ، ويتأرجحون بها فوق أمواج البحر المضطرب ؛ وكان قائدهم الأول شابا من بني الحارث وهو عبد الله بن قيس حليف بني فزارة.

واستعدت السفن للسير في يوم سافر هادي الريح ، واجتمع الفرسان قبل الركوب علي الشاطئ ليقيموا الصلاة قبل الرحيل ، وسجد عبد الله بن قيس سجدة طويلة يدعو الله فيها أن يوفق حملته ويعزز غزوته ، وكانت دعوته لله أن يرزقه العافية في جنده لا في نفسه ، وأن يكتب له الاستشهاد فداء لإخوانه ، وأن لا يبتليه بمصاب أحد منهم . وسارت السفن بعد ذلك تحمل الكتيبة الرائدة ، وغابت

عن أنظار المشيعين وراء الأفق الفسيح الأزرق .

كان عبد الله ينظر إلي السماء الصافية وهي تنطبق على صفحة الماء عند الأفق، ويري السفن في اليم تسير بسم الله مجريها، فيمتلي قلبه نشوة، ويحس ما يحسه الرائد الأول من بهجة المنظر الجديد، ولذة التجربة الأولى، ثم يذكر مخاوف العرب من البحر، ويقول في نفسه: ما كان المسلمين أن يضيعوا كل تلك السنين في التردد عن هذا السبيل الممهد الصافي. ولكنه لا يلبث أن يري في الأفق سحابة تتهادي، ثم تخطر نحوه، ثم يري السماء قد تلبدت، واضطرب الهواء، وتجعد وجه الماء، ثم اختلج وثارت ثائرته، فإذا بالسفن تتطاير مع الرشاش وتتقاذفها الأمواج المتلاطمة، وتكتنفها من جوانبها كأنها الجبال الشامخة فيناجي نفسه أن الشهادة في الماء كالشهادة في البر، تؤدي إلي الجنة التي يطلبها المسلم في جهاده، وينظر إلي أصحابه وهو صامت، فيري علي وجوههم ذلك الثبات الذي ينبى بما يملأ قلوبهم من الإيمان والإقدام ، والحرص علي طلب الشهادة التي يتطلع المسلمون إليها .

وتمضي علي تلك العاصفة ساعات ثم ينجلي الأفق رويدا وتعود إليه زرقته، فإذا الهواء رهو ، وإذا الماء ساكن صاف ، وإذا السفن تعود إلي سيرها الوديع المطمئن بسم الله مجريها . فيسفر وجهه ويتهلل ، ثم يشير بيده في الهواء ويصيح بصوت فيه رنة الفوز والبطولة : " الغمرات ثم ينجلينا " . فيهتف أصحابه وراءه وقد علاهم البشر ، وأضاءت وجوههم كما أضاء وجه قائدهم الباسل ، ويصيحون بعده قائلين : " الغمرات ثم ينجلينا " . وأصبحت تلك الصيحة رمزا لهم واصطلاحا بينهم ، يعرفون بها صاحبهم ، ويعرفهم بها صاحبهم . ونزل العرب بعد حين إلي بر الروم ، وغزوا ريفهم وحاضرتهم ، وعادوا بالغنائم والنصر سالمين ، وأرست سفنهم عائدة إلي الشام ، تبشر المسلمين بأن البحر أيسر السبل إلي الانتصار ، وأفسحها لمن أراد الهجوم أو الفرار .

وعاد عبد الله وأصحابه إلي الغزو ، وقد زاد عديدهم ، وقويت همتهم ، فكانوا عند ذلك أجرأ على البحر ، وأكثر اطمئنانا إليه ، وخبرة بسبله . وكان عبد الله كلما اصطدم بالروم في ملحمة ، واشتد عليه وعلي أصحابه وقع النضال ، وأحس الخطر يحيط به ، تطلع إلي الأفق ، وتمتم بصوت خافت ، يدعو الله أن يحفظ عليه ما عوده من العافية في أصحابه ، وأن يجعله لهم فداء ، إذا كان القضاء قد جري بمصيبة تحل بأحد منهم . ثم يقبل على أصحابه وهم في معمعة النزال فيصيح بهم صيحته : " الغمرات ثم ينجلينا " فسرعان ما يستجيبون له ، ويهتفون معه ، فإذا العدو مأخوذ مضطرب ، وإذا سفنه منهزمة مشتتة ، وإذا أبطالهم يولون الأدبار بين أيديهم .

وقضي عبد الله في تلك الغزوات سنين ، وعد من غزواته خمسين غزوة بين شاتية في صبارة الشتاء ، وبين صائفة في جمارة القيظ ، وهو في كل غزوة يعود مع أصحابه مبشرا بالفوز والنصر ، محرضا علي التقدم إلي الغرب نحو عاصمة الروم عن طريق اللجة المأمونة . ولم يرزأ في كل تلك الغزوات بكارثة في أصحابه ، واستجيبت دعوته بالعافية في أتباعه .

ثم عزم على انتهاج خطة أجرأ وأخطر ، وأراد أن ينزل في مرفأ الساحل ، لعله يفتح للعرب أول فتح ، ويضع أقدامهم في ثغر من ثغور الروم . ولكنه تردد وأشفق أن يخاطر بقومه في خطته ، وعول علي أن يستوثق من خطوته قبل أن يخطوها ، فتقدم القوم ليكون طليعتهم ، حتى إذا لقي بأسا كان لهم فداء ، فلبس دروعه ، وتزيي بزي التاجر ونزل خفية في سفينة صغيرة مع ملاح فرد ، ليتحسس الساحل ، ويستطلع ما فيه من رجال وحصون .

ونزل في المرفا ، ثم صعد إلي الساحل ، وأخذ يجوس خلاله ، وهو ثابت الجنان ، مطمئن السير ، مرفوع الرأس ، تبدو عليه مهابة القائد الظافر ، والأمير المطاع ،

فتكذب ما يدل عليه زيه البسيط ، الذي اتخذه لكي يخفي عن الأنظار حقيقته .

وكان في المرفأ جماعة من الفقراء ، اعتادوا أن يجوبوا بقاع الساحل ، يعرضون علي القادمين سلعهم ، أو يتطوعون لخدمتهم ، لقاء أجر يقيدونه ، وكان من بينهم نساء فقيرات جئن يلتمسن من النازلين شيئا من البر ، شكرا علي سلامتهم من غوائل البحر .

وكان من بين هؤلاء امرأة طال ترددها على سواحل البحر ، وشهدت من قبل سفن العرب تهبط وتغزو وتنتصر ، وسمعت صيحتهم العجيبة ، التي كانت تفزع فرسان قومها ، وكان قائد العرب يسترعي نظرها بحسن قوامه ، وصلابة عوده ، وارتفاع رأسه ، وهيبة منظره ، وبرئة صوته الجهوري ، إذ يصيح في قومه بلغة لا تفهمها ، ولكنها تدرك ما فيها من روعة وقوة .

وتقدمت مع النساء يطلبن الصدقة من القادم الغريب ، الذي نزل في زي التجار ، وسار على الساحل سير الأمير المهيب . وما كدن يسألنه حتى بذل ، وكان بذله بذل من تعود العطاء من الملوك ، لا صدقة من اعتاد المساومة والمراجعة من التجار .

ونظرت إلي قوامه وصلابة عوده ، ثم دققت النظر في وجهه وارتفاع رأسه ، ثم وقعت عينها على عينه البراقة الخاطفة ، ورأته يبسم في رفق تمازجه كبرياء ، ويتكلم بصوت عذب فيه رنة الأمر والاعتداد بالنفس . فتذكرت منظرا أخذ مرة يليها ، ووقع فيما سبق في أعماق قلبها ، وقالت في نفسها بصوت خافت : هذا هو : هذا قائد العرب صاحب الصيحة الرهيبة ، والسطوة الصارمة ، هذا هو الذي هتف قومي بإسمه مرارا ، وهم يتميزون من الغيظ ، ويتحرقون من عجزهم عنه . هذا ابن قيس . ثم ولت عنه وتركته يسير عند الساحل ، وينظر حوله إلي الحصون ومواقع القري .

وأسرعت إلي قومها في المدينة ، فصاحت وهي ثائرة النفس مروعة : هذا هو عدوكم الذي طالما كاد لكم وسطا بكم هذا قائد العرب في زي التجار يجوس خلال أرضكم :

سخر منها الناس وانصرفوا وقال قائلهم إنها تهذى؛ واين لهذه أن تعرف ابن قيس حتي تدلنا عليه . وتسامع أهل القرية عما قالت المرأة ، وتضاحكوا وتغامزوا وأقبلوا عليها يبالغون في السخرية والتسفية .

فضجرت المرأة من تكذيبهم ، وقالت لهم في صرخة حانقة : " وهل مثل المرأة في النفوذ إلي كنه الرجال ؟ لقد رأيه وهو يوقع الرعب في صفوفكم ، ولكم تمنيت أن اكون من قومه أو يكون من قومي . قامة مديدة ، ويد قوية ، وعين نافذة ، ورأس عال ، ومهابة آخذة ، وكرم مثل كرم الملوك ، وصوت فيه رقة الناسك ، وقوة البطل ، وهو عندي أجدر بالإجلال منكم ، وأحري بالإعجاب من أمثلكم ، لولا أنه من العرب الذين ألبسوا قومي الذل ، وأوقعوا بهم الهزيمة

فاسترعي قولها سمع رجل مجرب منهم ، وقال لها : اين تركته أيتها المرأة ؟ فقالت له متهجمة غاضبة : ها هو ذا في المرفأ ، إذا استطعتم لقاءه ، وتجرأتم على نزاله ، وهو وحيد ليس معه من يشد أزره . ونظر الرجل إلي قومه وقال : إني لأظن المرأة لا تفتري ، فهلم إليه فانها فرصة وهو وحيد ، وأقبل الرجال يجدون بعد الهزل ، ويستثير بعضهم بعضا بعد التضاحك والسخرية ، وأسرعوا إلى المرفأ يبحثون عنه ، حتى لاح لهم عن بعد بين المنازل ، يفحصها وينظر ثغورها .

ولمحهم عبد الله فوقف ، ورأهم يقصدونه فوضع يده على سيفه ، وذهب نحوهم رابط الجأش ، مطمئن الخطو ، وعلت وجهه عبسة الحد ، وامتلأ قلبه بالحفيفلة ، واستعد للقتال وأحاطوا به مترددين ، ثم صاح أحدهم : حقا هو ابن قيس إنه هو الذي طالا غزانا في أطراف هذا الساحل ، وأوقع بنا الهزيمة بعد الهزيمة . واندفع عليه الجمع الصاخب من كل

مكان ، وأصبح في وسطهم كالأسد الصائل ، لا يعتمد إلا على سيفه ، ولا يستمد إلا جراءة قلبه . وصاح صيحته المروعة ، وجعل يهوي بسيفه علي من يقدم عليه ، فيجدل الرجل منهم بعد الآخرة ، وهو يثاورهم ويحاورهم ، حتى أتاه جماعة من خلفه ، فأصابوه بجراحة ، ثم ضيقوا عليه الحلقة وجعلوا ينهشونه بسلاحهم ، وهم في حذر أن يقربوا منه ، حتى أنهك النضال قوته ، ونزفت دماؤه ، وخر صريعا وهو باسم الثغر . وكانت آخر كلماته أن تمتم بصوت خافت يشكر الله على أن جعله لقومه فداء، وانه استجاب دعوته بالعافية في أصحابه . ولكن دماءه التي سالت علي المرفأ كانت أول الفتح . وبقي جسده في تلك الأرض مستقرا ، فكان طليعة للعرب فيها ، وهي اليوم أمنع معاقل الإسلام وإحدي مفاخره

اشترك في نشرتنا البريدية