الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 177 الرجوع إلى "الثقافة"

مع الطير

Share

من نعم الله علي أن غنيت حديقتي الصغيرة هذه الأيام بالطيور ؛ فهذه شجرة - لا أدري السر فيها - جذبت العصافير الكثيرة إليها ، فهي في حركة دائمة حولها وفيها ؛ وهذه بعض زوايا البيت عشش فيها اليمام يغرد من حين إلي حين بصوته الشجي الجميل . اوددت أن أتخير من الطيور أجملها وأظرفها وأضعها في ، أقفاص تحت سمعي وبصري ، أستمتع بجمال شكلها وجمال صوتها ، لولا ما يؤلمني من حبسها .

هي أحب الحيوان إلي وأقربه إلي قلبي ، وهي تقوم في عالم الحيوان مقام الأديب والفنان في عالم الانسان : مجال في شكلها ، جمال في هندامها ، جمال في غنائها ، مرح في حياتها ، ظرافة في بناء عشها ، حنان في حبها لأولادها .

أبرز شئ فيها عواطفها ، فهي تغني استجابة لعاطفة ، وتمرح لعاطفة ، وتتحبب لجنسها وأولادها لعاطفة . وبحق علمت الانسان الأول أن يواري سوأة أخيه بعد موته ، فقال : " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ، فأصبح من النادمين " - كما علمته درس الحرية ، ولقد كان حرا مثلها ثم أباح لنفسه أن يغل غلا بعد غل ، فلما استثقل حمل الأغلال أخذ يجاهد في فكها قيدا بعد قيد ولما ينجح وغار من الطير فأخذ يحبسه حبس نفسه ، يتحين الفرص لصيده وتكبيله ، فما يجد الطائر فرصة للفرار حتى يهرب ، ولو كان قفصه من ذهب وحبه أغلى حب وشرابه ماء الورد ، ضنا بحريته أن تباع بأي ثمن ، وأن

تسترق بأي جزاء . وحافظ علي حريته من مبدئه إلى منتهاه ، لا كالانسان الأبله يرضى بالقيود ، ثم يبذل في فكها الجهود ، وما كان أحواه ألا يقيد ولا يفك . وقديما حكوا أن رجلا كان يدعو : " ربنا أدخلنا بيوت الظالمين وأخرجنا منها سالمين " فأجابه آخر : " وما أدخلك وما أخرجك ! " .

حلوة الغناء ، تغني حبا ، وتغني سرورا ومرحا تغني سرورا في موسم الوصال ، وأجمل ما في ذلك عناء الذكران ، وتغني أسى وضنى وحزنا يوم الفراق - وكم وددت أن يسجل صوت الطيور وأغانيها على أسطوانات أو على شريط الراديو حتى أكررها على سمعي كلما شئت ، فهي أفعل في نفسي من كثير من أغاني الانسان ولكن - لا - لست أريد حبسها ولا حبس أصواتها ، فلتكن حرة في كل شئ لها ، ولو حرمت الاستمتاع بها وبأصواتها .

إن موسيقاها متنوعة تنوع نغمات البيان ، علوا وانخفاضا ، ورقة وغلظا ، وقوة وضعفا ، تغني إذا هاجت عواطفها ليلا او نهارا . وما أحلاها وهي تغني فتقفز من شجرة إلى شجرة ، ومن سطح منزل إلى سطح ، مندفعة في طيرانها بشكل كله خفة ورشاقة لقد حرمنا دقة الملاحظة فحسبنا أن كل أصواتها سواء ، وأن غناء كل نوع منها متشابه ،ولكن ما أبعد هذا عن الحق ، فهي تغني مناغاة للحب ، وتغني محذرة من خطر ، وتغني سرورا بحياة الربيع ، وتغني دعوة إلى الرحيل ، وتغني حزنا على فقد حبيب ؛ فما  أكثر أغانيها وما أغبانا في فهمها ! لغاية مغنينا أن يكون " بلبل الشرق " وغاية أديبنا أن يكتب " هدية الكروان " و " دعاء الكروان " .

أمامي الآن يمامتان ظريفتان حقا ، يسكنتا بالقرب من غرفة نومي ، ما أجمل غناءهما ، وخاصة في الفجر إذا شعشع النور ، وما أرشق حركتهما ، لا عيب فيهما إلا أني آنس بهما ولا تأنسان بي ، وأحن إليهما وتفرقان مني - ما ألطفهما وألطف نوعهما وألطف الحمام كله ! لقد كان ذوق رسول الله (ص) ظريفا حقا ، إذ روى أنه كان يعجبه النظر إلي الخضرة وإلى الأترج وإلى الحمام الأحمر ، وكان في منزله حمام أحمر يقال له " وردان " ؛ وشكا إليه " علي " الوحشة فقال له : " اتخذ زوجا من حمام تؤنسك وتوقظك للصلاة "

ظريف هذا الحمام كل الظرف ! غزله علم الانسان الغزل ، يدعو فتتمنع ، ثم تجيب وتلوي عنه عنقها ، " ثم يتعاشقان ويتطاوعان " ثم ما شئت منه من رشف وتقبيل ، ثم ما شئت منها من تيه ودلال ، ثم ما شئت منهما من فرح ومرح بالوصال .

ثم هو لطيف في حنانه على ولده ، أرأيت كيف يقلب بيضه حتى تنال جوانب كل بيضة حظها من حرارته وحضنه ؟ او رايت تعاقبه ذكرا وأنثى على رعاية بيضه وفرخه في الحضن والتغذية ؟ أو هل رأيت عنايته بعشه كيف يتخير مكانه ، وكيف يتخير عيدانه ثم ينسجها نسجا متداخلا ؟ وكيف يهندسه ليحفظ البيض من التدحرج ، ثم يتعاون الذكر والأنثي على العش :

" يسخنانه ويطيبانه وينفيان عنه طبعه الأول ، ويحدثان له طبيعة أخرى مشتقة من طبائعهما ، ومستخرجة من رائحة أبدانهما . . لكي تقع البيضة إذا وقعت في موضع أشبه المواضع بأرحام الحمام ) ١

ليت كل أسرة تربي في بيتها حماما وترقب عيشته ، فيتعلم منه الآباء كيفية تكون العناية وكيف يكون الحنان ،

ويتعلم منه الأبناء كيف يجازون جهد الأباء وتضحيتهم .

لتمنيت أن تكون الطيور كالأزهار ، آنس بها وتأنس بي ، وأكون بجوارها وتألف جواري ، ولكنها سيئة الظن بالإنسان جدا ؛ ولعلها وحدها هي التي عرفت حقيقة الانسان ، فهربت منه ، وأبت أن يكون بينها وبينه رابطة ، تحوم حوله في حذر ، وتمس أرضه في وجل ، وتفضل حياتها القليلة - تتعب في البحث عنها - على القرب منه ، وإن كان معه شبعها وريها ، أنفة منه ، وكراهية له ، وضنا بحريتها وطلاقتها .

هل عرفت بغريزتها طبيعته ففرت منه ابتداء ، أو سالمته وأنست به ، فلما جربته ورأت أنانيته وسوء سلوكه رسمت خطتها في البعد عنه ؟ أقرب ظني أنه الوجه الثاني ، فإنها تأنس ببعض الحيوان الذي لا يؤذيها . ويذكر بعض الرحالين أنهم نزلوا في جزيرة لم ينزلها قبلهم إنسان ، فرأوا طيورها تألفهم وتطير عليهم وتأكل من الحب في أيديهم - وهذا حمام الحرم أمن شر الإنسان فاستأمن ، وأنس به الإنسان فاستأنس . فلولا ما رآه قديما من مطاردة الانسان ومحاولاته في نصب الشباك له والإيقاع به بكل الأشكال ، واستلذاذه قتله ، وتعلمه الرماية فيه ، وتصويب أسلحته عليه ، ما ذعر من الانسان هذا الذعر - ثم هو قد رآه خائنا غادرا ، غفر له أولا أن كان جائعا فصاده ليأكله ، فكيف يغفر له أن رآه شبعان ثم يصيده لمجرد اللذة في قتله ؟ وعجب كيف يكون مجرد القتل لذة ، فعد الانسان - بحق - أعدى أعدائه ، ولم يقرب منه للضرورة إلا وترتعد فرائصه ، وأسر الآباء للأبناء هذا السر الرهيب - فما رأي طائر إنسانا إلا واستحضر هذا السر وأدركه الفزع منه .

من عظمة الطير أن الانسان سهل عليه أن يدرك مزايا الحيوان فيقلها وينتفع بتقليدها ، تعلم من الاسد شجاعته ، ومن القرد كياسته ، ومن الحرباء تلونها ، ومن الذئاب خداعها ، ومن الثعالب روغائها ، ومن النحل مهارتها في صناعتها ، ومن العمل جده وادخاره الخ . ولكن مرت آلاف السنين وهو يعجب من الطير كيف يطير ، وحاول تقليده فلم ينجح ، وأخيرا جدا بعد أن شاب الزمن اهتدى إلي سر طيرانه قطار ، وليته لم يطر فقد عاش الطير منذ خلق وهو يطير من ظلم الانسان ،

يظلم الانسان ، ويطير جمالا ولا يطير قبحا ، ويطير سرورا إلي عشه ، وحنينا إلي إلفه ، وطلبا في رزقه ؛ فلما طار الانسان لون طيرانه بشره فخرب ودمر وسفك وأهلك ، وكره إلينا السماء والقمر ، وطاطأ رء وسنا مما لزمنا من عار وخجل ! فيا لله للانسان !

ومع هذا التقليد من الانسان لا يزال أمر الطير عجبا أى عجب فهو يقطع المسافات الشاسعة باحثا عن غذائه ودفئه ، فما كان منه في شمالي آسيا يأتي في الربيع إلى مصر ، وما كان في شمالي أوربا يرحل إلى جزائر في البحر الأبيض ، أو يعبره إلى أفريقيا ، ويرحل أكثر ما يكون ليلا يتقي الأخطار ، ويهتدي بالريح وبالشواطىء وسير الأنهار ، ويعلو في طيره عن الأرض ميلا إلى ثلاثة أميال ثم هو يقطع آلاف الأميال عابرا البر والبحر من غير دليل إلا طبيعته ، فأذا لم يقتله الانسان عاد كما جاء إلى عشه مهتديا بذاكرته . فسبحان خالقه

تحسن الطيور إلى الانسان كثيرا ويؤذيها الانسان كثيرا فهل كان الانسان يستطيع أن يحصل على قوته وزرعه لو لم يعنه الطير على الفتك بدوده وحشراته ؟ فمثانها طعام كل يوم لكل طير من أكلتها ، فكيف لو سلطت على مزارع الانسان ولم تسعفه الطيور فتقضي عليها ؟ إذا

أرأيت الأرض غطيت بالدود ، وا كتسحت الزرع وأعقبه فناء الانسان . لقد أحصى ظريف ما تأكلة الطيور من الدود في مقاطعة في أمريكا فكان مليونين ونصفا  كل يوم ، فقدر حالتها لو تركت وتناسلت ومع هذا كله جهل الانسان فضل الطير ، واتخذه ملهاة لصيده ، ومجالا لقماره ، وملعبا لرمايته ؛ كان المتوحش يصيد طلبا لغذائه ، فأصبح المتمدن يصيد تملأ لفراغه .

لقد عجب أوربي أن الطيور في مصر لا تغني كثيرا ، فلك الله أيها العاجب . فلم تغني وكيف تغني ولمن تغني ؟ لو رأت ما يسرها لغنت ، فالأسي يبعث الأسى ، والسرور يبعث السرور ، وسعادة الجار تنضح على الجار ، ولو ضحك من في الأرض لضحك من في السماء ، ولو غنت الطير في مصر كثيرا لغنت حزينا كما غني الناس حزينا ، ولكن تأبى طباعها إذا غنت إلا أن يكون غناؤها مرحا وطيرها فرحا ، ففضلت السكوت إلا أن تلح بها الحاجة وهل سمع الناس يا أخي - غناءها القليل لتفيض عليهم بالكثير ؟

إنهم في شغل عن جمال الطبيعة بتزييف الصناعة ، وعن غناء السرور بغناء الحزن ، وعن النداء العالي بالنداء السافل ، وعن التسامي إلي التدلي ؛ فيوم يبتهج أهل الأرض يبتهج أهل السماء ، ويوم يسعد السكان يغني الطير ، ويوم يتسامى الناس تعلو أغراضهم وتطير نفوسهم ، فتحازي الطير ويحدو لها فيمرح كثيرا ويغني كثيرا .

ولفخر للطير عظيم أن تخلق الملائكة خلقته ، وتغار أجنحته الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء . إن الله على كل شئ قدير " .

اشترك في نشرتنا البريدية