الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 652الرجوع إلى "الثقافة"

مع الفكر الأوربى المعاصر :, الحياة الإنجليزية واوقات الفراغ، للكاتبين الإنجليزيين " رونترى " و " لافرز "

Share

إذا غضضنا الطرف عن الحروب وشائعات الحروب ، فإن مما لاشك فيه أن حضارتنا تلاقى اليوم صنوفا وألوانا من التغيير والتبديل ، وكذلك مما لاريب فيه أن ليالى المستقبل حبالى باحتمالات لا يعرف كنهها ولا يسير غورها .

وحتى إذا سلمنا أن بيننا وبين العصر الذرى جبلا أو جبلين ، فإن من الواضح الجلى أن العلم والهندسة قد خففا إلى حد كبير العناء الذى تلاقيه الكثرة الغالبة من الناس ، وفى الوقت ذاته فإن التعليم على نطاق أوسع ، ونظام أحسن . قد وسع الآفاق لدى تلك الجماهير تدريجا - ولكن فى مثابرة ودؤوب - وقد أيقظ فيها كفاءات جديدة . وألوانا من النشاط واللهو مستحدثة

وقد بدأنا نحن نستيقن أن الطريقة التى يستغل بها المرء وقته قد تصبح فى وقت قد يكون قريبا مشكلة من كبريات المشاكل ذات الصلة بالأخلاق والاجتماع

وإذا صح ماقيل أن " ) ابليس " لا يزال دائبا على أن يوحى بالشر لكل من لا يعمل عملا ، فإن الفرص التى أمامه تؤذن بالاستزادة من الشرور .

من أجل هذا ندب مؤلفا هذا الكتاب نفسيهما لدراسة مشكلة أوقات الفراغ وقد عمدا إلى اتخاذ " مقاطعة يورك " ميدانا للبحث فى خير الوسائل التى تؤدى إلى الترفيه عن المواطنين هناك .

ولكن مما لاخفاء به أن المرء لا يستطيع أن يعرف تلك

الوسائل قبل أن يعرف ما يحتاجه فعلا أولئك المواطنون . وسرعان ما قد تعرض للباحث مسائل أخلاقية واجتماعية هى آية فى الخطورة . فقد يسال سائل : ما الذى يحل محل الصيد والقنص والرماية ؟ وقد يجيب مجيب بانه قد ميل محل تلك الأشياء الثلاثة . ثلاثة أشياء أخرى هى : الخمر والقمار والسينما

لهذا كان غير عجيب أن  باحثين اجتماعيين قديرين كالمتر ) رونترى ( وزميله المتر ) لافرز ( قد عرفا انهما بخوضهما غمار تلك الأبحاث قد ركبا غير عامدين - متن أمواج متلاطمة من الدراسات الثقافية والروحية للأمة ، وهو عمل - كما يقولان فى تواضع العلماء ما كانا يظنان أنهما سيتوليانه عن قصد وإصرار ، ولكنهما - وهذا لحسن حظنا جميعا - قد رأينا أن ليس من الصواب أن ينكصا فيه على عقبيهما ، بل سارا فيه قدما بكل ما يخطر على البال من غيرة ومثابرة وحسن إدراك . وقدما لنا صورة غير مسبوقة عن حياة الشعب الإنجليزى فى منتصف هذا القرن الذى نعيش فيه ، وهي دراسة اجتماعية بالغة الأهمية ؛ وهى دراسة كاملة تفيض بالحياة . وتجمع بين الجد والتسلية ، وهى دراسة تدعمها كلما كان ذلك ممكنا تحقيقات إحصائية ، وتعززها دراسات شخصية لحالات فردية .

ويجب أن نسارع فنقول : إن الكتاب دراسة لبعض

مع الفكر الأوربى المعاصر ستبدأ الثقافة مع قرائها هذا الباب الجديد لتطلعهم فيه على ما تخرجه المطبعة الأوربية اليوم من نتاج الفكر ، حتى يكونوا على صلة قريبة سريعة بسائر رجال الفكر المعاصر . " الثقافة "

العادات والميول أكثر مما هو دراسة للأخلاق كوحدة كاملة . وهو كذلك ليس تحليلا للمبادئ الانجليزية . ولا للمثل العليا ، ولا لطريقة النظر إلى الأشياء بصفة عامة .

وهناك مسائل مسلم بها جدلا كمسائل احترام قوانين اللعب ، وهو ما نعتبره نحن الإنجليز كجزء أساسى من تكويننا ، وكذلك التقليد القومى من تقاليدنا وهو العمل تطوعا واختيارا ، وهو ما نرجو ونأمل أن يظل من خلائقنا الثابتة

كل هذه المسائل ومثيلاتها قد اخذت كإطار للصورة فى ذلك الكتاب .

والمؤلفان لم يذكرا الالعاب الرياضية فى كتابهما إلا قليلا . بل إن اللعبة الرياضية الوحيدة التى درساها بعناية هى القمار الخاص بالمراهنة .

والمؤلفان - فى الحدود التى أخذا نفسيهما بالتزامها قد جمعا فى صبر وجلد بالدين مجموعة من الحقائق المدهشة . وقاما بعرضها فى براعة وسهولة ، جعلت من كتابهما مؤلفا هو أبدع ما ظهر من نوعه .

وإذا نحن حاولنا فى هذه السطور أن نلم المامة وافية كل ما جاء فى هذا السفر الضخم فإنما نحاول بلوغ هدف الوصول إليه جد عسير .

وكل ما نستطيع عمله هو أن نمثل لطريقة المؤلفين فى تناولهما موضع الإصلاح ، وفيها يريانه من الوسائل التى تبلغ بهما إلى ما يهدفان .

وقد يثير شيئا من العجب أن يجعل المؤلفان للقمار التجارى المقام الأول . ولكن يبدو أنهما يعملان بعد اقتناع برأى ) دكتور تريثيليان الذى ذكره فى كتابه ) التاريخ الاجتماعى للانجليز " حيث يقول : إن مضار القمار الآن قد تفوق مضار الخمر .

وهما يصوران لنا الشعب الإنجليزى وعاداته فى المقامرة ، وما استتبع هذا من قيام صناعات وحرف غايتها إشباع رغبات أولئك المولعين بالقمار . وهى صناعات يعمل فيها عدد من الناس يساوى الذين يعملون فى صناعة المنسوجات القطنية . بل يعمل فيها عدد من الناس يبلغون ضعفى عدد الذين يعملون فى البحرية الإنجليزية

والخسارة المادية فى القمار قد تبلغ واحدا فى المائة من مجموع

الإيراد القومى ، وهو رقم ليس عاليا جدا .

ولكن العادة فى ذاتها - عادة القمار - هى ظاهرة تبعث على الذهول والدهش . وهما يعرفان المراهنة بوصفها بأنها محاولة لا بتزاز المال بغير مقابل من شخص غير معروف . أو أنها الرغبة فى الكسب على حساب شقاء الآخرين ومصائبهم ؛

وقد جاء فى الفصل الذى عقداه عن الخمر أن مجموع عدد الزيارات التى يقوم بها رواد الحانات كل أسبوع . قد بلغ ثمانين مليونا ، وقد أثبت مكتب من مكاتب الإحصاء أن ثلث عدد السكان الذين تجاوزوا الثمانية عشرة من عمرهم يشربون البيرة بغير انقطاع .

وليس من شك فى أن إناقة مشارب الخمر ، والعناية بتأثيثها ، هما من دواعى اجتذاب أولئك الرواد ولا يضي المؤلفان ما للاعلانات من أثر بالغ فى الإيحاء والترغيب فى شرب الخمر .

ويرى المؤلفان أن يسن قانون بأن لا يشمل الإعلان عن الخمر شيئا سوى اسمها واسم بائعها وصانعها .

وهما فى الفصل الذى كتباه عن الدين قد عقدا مقارنة بين عدد الذين عمروا الكنائس فى عام ١٩٠١ وبين عدد الذين عمروها فى عامى ١٩٤٥،١٩٣٨ ، فكانت نتيجة الإحصاء ان التمسك بشعائر الدين كان فى الجيل الماضى أشد وأقوى .

أما امتع فصل من فصول الكتاب ، فهو ذلك الفصل الذى ضمناه دراسة شخصية لحالات أفراد من المجتمع الإنجليزى . وهو فصل قد أجادا فيه الإجادة كلها .

وهذه الدراسة لم تكن وسيلة توجيه الأسئلة وتدوين الإجابة عليها ، ولكنها كانت بطريقة الاستجواب غير المباشر وذلك بعقد أواصر التعارف والصحبة مع كل من أرادا التحدث إليه ، وقد دونا فى كتابهما خلاصة دراستهما لعشرين ومائتى حالة من بين ألف حالة قاما بدراستها دراسة تفيض بالحياة .

والقارئ لتلك الدراسات يتملكه العجب من هذه الروايات التى تجمع حياة أشخاصها بين النقيضين : الماساة والملهاة .

ولقد كان بودى أن اقتبس اثنى عشر مثلا من تلك الدراسات ، ولكنى مكتف بواحد منها . وقد اخترته مصادفة وانفاقا :

الآنسة ) أ ( فتاة من فتيات بيت من بيوت الطبقة العاملة ، عمرها واحد وعشرون عاما . يعيش أهلها فى بيت ملأ الزحام جوانبه . ويعيش الأبوان والبنات الثلاث والفتيان - وكلهم قد جاوز سن البلوغ - فى ذلك البيت المكون من غرفتين للنوم .

ويعمل الرجل وواحد من ولديه فى مسبك . وليس فى البيت حمام ولا حديقة . وليس يفصل البيت من بيت الجار غير فناء ضيق .

والآنسة " أ " التى أسلفنا القول عنها تقوم بمعجزة من المعجزات ، وذلك بالعيش فى هذه البيئة . فهى تخرج من هذا البيت . وكأنها غانية مبتدئة ، وهى مخطوبة على صانع يعمل فى البحرية . وهذه الحالة - حالة الخطبة - تعبر ارتقاء فى مدارج الحياة لدى هذه الفتاة . وهى جد راغبة فى أن تبدو ظريفة فى عين خطيبها .

والمحيط الذى تعيش فيه هذه الفتاة محيط وبئ . ففيه مضاجعة المحارم . وفيه الفسق بالإكراه أما الزنا فهو كوجبة الطعام الكاملة .

ولا شك أن الفتاة كانت تعرف أشياء عن الرجال . ولكنها منذ التقت بخطيبها قد نسيت كل شئ . وهى تحاول أن ترقى بنفسها . وقد ظفرت بكتيب صغير يتضمن نبذا عن مسائل التجميل

وقد اشترت كتابا يبحث فى قواعد آداب السلوك والآنسة ) أ " تدخن وتعاقر الخمر قليلا وهى تحب الرقص والسينما ، وهى تشتاق أن يكون لها بيت ، أو شقة مستقلة . وهى لا تريد أن تنجب أطفالا إلا بعد سنين . .

وهذه القصة قصة كاملة . فى غنى عن التعليق . وهى كذلك فى غير حاجة إلى البيان والشرح .

ولعله ليس خيالا أن يكون هذا الكتاب نقطة التحول لنهضة كبرى تؤدى إلى تجميل أوقات الفراغ لدى الملايين . والرقى بها إلى غاية أنبل وأسمى . .

) عن الإنجليزية (

اشترك في نشرتنا البريدية