"Roman satire "or" the Death of Carlo Salustri")) مات الشاعر (( كارلو سالسترى والشهور باسم ""Trilues وهو أسمه معالجا بطريقة القلب والإبدال وهو الاسم الذى كان يضعه في ذيل قصائده الساخرة .
وبموته فقدت روما أحب شاعر إلى قلوب قومها ، بل فقدت بفقده جاحظها . وقولتيرها . وقد عرفه سكان (( روما )) منذ خمسين عاما ، يوم كان رواد قهوة (( أرانيو )) إذا مر بهم يتغامزون ، وهو قادم عليهم بقامته المديدة ، وجسمه النحيل ، وقبعته العريضة الجانب ، ليتخذ مكانه إلي جانب إحدي الموائد.
وفي ذلك الحين قد كان يدفع ثمن شرابه - وهذا قول يقول القائلون على سبيل الاحتمال لا التوكيد ، فلما تقدم الزمن كان كل مقهى وكل مطعم لا يتشرف بتقديم الطعام والشراب إلى هذا الشاعر بغير أجر يرى نفسه في عداد الخاسرين الذين فاتهم شرف عظيم .
وقد كان يكون هو الشاعر الوحيد الذي تفرد بالإجادة .
في نظم القصائد بلغة أهل (( توسكانيا )) متطوفة كما ينطقها أهل (( روما )) .
وقد كان أسلوب قصائده وما ضمنه إياها من لدعات أسلوبا لا يمكن أن يباري فيه أو يجارى . وكانت مقطعاته الشعرية تفيض بالعاطفة القوية التي تبعث كل ما يثير الشجن .
ومن الأساطير القديمة التي اقتبسها هذا الشاعر وألبسها رداء عصريا أسطورة ( أندروكل والأسد ) . وقد جعل فيها مكان ( أندر وكل ) ضابطا من الضباط الإيطاليين في ( أريتريا ) وقد أسدى الأسد إليه جميلا ، وذلك بأن افترس رئيسه فظفر الضابط بالترقية إلي الرتبة الأعلى التي مات عنها ذلك الرئيس .
ولما تولي ( موسولينى ) الحكم ، وساد النظام الفاشتى في إيطاليا . زاد الشاعري علي قيثارته الساخرة وترا جديدا فوصف مرة في إحدى مقطوعاته رجلا كان جالسا يتغدى في مطعم من المطاعم فدخل عليه أحد الموسيقيين المتنقلين . وأسمعه على قيثارته لحنا من أحسن ألحانه . فصاح في وجهه : إليك عنى فإن لا أطيق سماع هذا الطنين ! ولكن هذا الرجل الصاخب في يلبث أن رفع يده إلى رأسه بالتحبة ساعة أن أسمعه المغنى لحن الفاشست .
وكان (( تريلوما )) محبويا جدا ، حتى لقد رأي موسولينى أن من الخير أن لا يذيقه مرارة الاعتقال على الرغم من غضب الفاشيستين بسبب ما كان يصدر عنه من سخرية بهم وزراية عليهم . فاذا صرح الشر وبان . وقال قائلهم إن من الخير ان تنحى عن رأس النسر الرومانى كل بقات الطير ، رأي شاعرينا أن يشتري حريته الشخصية بالسكوت النسى .
وعلى الرغم من ذلك فقد نشر فى عام ١٩٣٥ ديوانا سماه ( الكتاب الأصم ) وضمنه سخطه على النظام الفاشستى ولقت أقواله في ملاءة من الدهاء .
وقد أصابه في أخريات أيام حياته شئ من الاضطراب
العقلي فنظم قصيدة عنوانها و جنون الاضطهاد ، Mania " de persecutione" أشار فيها إلى أنه أصبح يخاف من خياله ، وذلك مخافة أن يكون واحد من أعدائه مختبئا في ظلال ذلك الخيال .
وفي ذلك الحين لم يكن (( تريلوسا )) يظن أن القدر قد كتب له في سجله أن يصبح يوما ما عضوا في مجلس الشيوخ ، وذلك يوم تحررت إيطاليا ، وقد صح وعد القدر وأصبح عضوا بالفعل ، ولكنه لم يحضر جلسة من جلسات ذلك المجلس مكتفيا بالانتفاع بالمكافأة البرلمانية ليستعين بها علي إنقاذ نفسه من العصر التالي .
ولقد بكته روما ، كما شاركتها البكاء مدن أخري فى إيطالبا ، والكل آسف على موته . أو علي انتهاء الطريق كما كان هو يصف الموت .
" The Art of Turgenev " or "Constance Oarnett's Complete Turgenev" قبل التحدث عن هذا الكتاب تجئ نترجمة مختصرة لحياة الكاتب ، وبكلمة موجزة عن روايته (( الأباء والأبناء )) أما ترجمة حياته فهناك إياها .
قال ) إرتسث ربيان ) : كان نورجنيف عظيما ككاتب ، كما كان في الوقت نفسه عظيما كرجل ، وكأنما قلبه الكبير كان ينبض بما تفيض به قلوب جميع أفراد الأمة .
وقال عنه ( جور ح براندي ) المؤرخ والناقد الدنماركى : إن كلمات التحقير التي يجري بها قلمه ليست كلمات باردة جوفاء ، بل هي كلمات تفيض بالحياة فيضا .
وقال عنه ( جورج مور ) : إن ( كتاب القصة من الروس هم أبطال حقا ، وأرفع أولئك الأبطال قدرا ، وأعظمهم أثرا ، هو نورجنيف ) .
ونورجنيف هو ( إيمان سرجيفنثى نورجنيف ) المولود عام ١٨١٨ والمتوفي في ٤ من سبتمبر عام ١٨٨٣ .
ولد في مدينة (( أوريل )) وتلقى علومه في موسكو ، وسان بطرسبرج ، وبرلين .
ومات في مدينة (( بوجيفال )) بالقرب من باريس ، وقد ثبت من تصريح جثته أن مرضه كان سرطانا في الحبل الشوكى .
ونورجنيف الذي كان يفخر بأنه يستطيع أن يحبس بإسمه نبض الجمهور . وأنه قوي الإحساس بإتجاهات عصره ، نور جنيف هذا هو الذي أخرج للناس روايته (( الآباء والأبناء )) .
ومهما يختلف القول في بناء الرواية من وجهة الأدب ومن حيث دلالتها التاريخية فإن لها أهميتها الكبرى فيما كان لها من أثر بالغ في حياة مؤلفها . فقد دفع مؤلفها بسبب تأليفة لها ما يدفعه الرسل من ثمن قال ، قوامه احتمال ألوان الأذي ، وضروب القصاص . وقد احتمل هو بسبب تأليف لتلك الرواية أذي لا تزول آثاره . وكيف تزول آثار في مؤيد لم ير المؤلف بلاده خلال سنى ذلك التقى إلا قليلا .
وقد كتب نورجنيف - فيما كتب - رواية باللغة الفرنسية ، وجعل واحدا من الروسيين ينقلها إلى الروسية . كما أنه أملي - وهو على فراش تلوت رواية كتبها بالفرنسية . ثم أملاها مرة أخرى مترجمة إلى الألمانية ثم إلى الإيطالية .
أما رواية الأباء والأبناء ، فهناك كلمة موجزة عنها : نشرت هذه الرواية أول مرة عام ١٨٦١ فى مجلة كانت
تصدر في موسكو وإسمها (( الرسول الروسي )) . وموضوع الرواية - كما يدل عليه اسمها - حرب بين القديم والحديث . تدور رحاها في المجتمع الحديث . والقوى التي تتقاتل كانت قوي بادية للعيان . وكانت قوى لا يغتابها نصب ، ولا يمسها لعوب .
واتخذ المؤلف من البلاد الروسية مسرحا لروايته حيث كانت تقوم السلطة ذات اليد الحديدية إلى جانب التحرر العقلي المتخفف من أثقال الأغلال والقبود .
وقد خلق ( نورجنيف ) في روايته تلك شخصية ( بازاروف ) فكان خلقا جديدا في عالم الشخصيات الروائية . وقد كان (نورجنيف) يرجو ويأمل أن يلتقى من قرائه الإعجاب والرضا ، ولكنه لم يلقى منهم إلا الضرب والرجم .
ومما زاد في غيظه وغضبه أنه لقى الأذي لا من أعدائه وخصومه ، بل من مريديه وأوليائه .
وقد جاء (نور جنيف ) في تلك الرواية بكلمات جديدة مثل Nihilism, Nihilst ، ولم يكن يعنى بتلك الكلمتين أن يكون المنصف بهما عدميا إرهابيا . ولكنه كان يريد أن يكون صاحبهما رجلا ماديا ، خشن الطبع ، وأن يكون
واقعيا ، وأن يكون محطما للأصنام ، وخارجا علي العادات ، وأن يكون من الملاحدة . ( في أحد فصول الرواية يقول والد لولده إنه قد أسكن حظية من حظاياه في بيت من بيوته ، وانه قد أولدها ولدا . فلا يغضب الولد ولا يثور ، ولا يري أن أباه قد أتى شيئا نكرا ..)
وقد وصف (( نورجنيف )) بطله وصفا قويا ، وقد أضفى عليه من الواقعية ثوبا كأنه قد حيك على قده .
ثم جاء بشخصية ( أركادى كرسانوف) وهو ابن آخر من الأبناء فجعله مضيفا لبازاروف فى ضيعة لأبيه .
ثم جعل من والد (( أركادى )) وعمه ممثلين للجيل القديم ، وجعلهما يحاجان (( بازاروف )) ويحادانه .
وقد جعلت هذه الرواية القوم في روسيا ينقسمون إلى معسكرين . فمنهم من ناصر الآباء ومنهم من ناصبهم العداء .
وقد أخذت الحكومة الروسية على المؤلف استعماله لكلمة Nihilist وقد حسبته يرمى بها إلى لومها وإعنائها .
والرواية بعد كل هذا فى المكان الأول بين أبرع ما كتب فى الأدب الروائى الروسى .
وهالة حديث الكتاب موضوع هذا المقال : تظهر ترجمة هذا الكتاب اليوم في طبعة جديدة تأثق الناشرون في نبويها وتنسيقها ، وهي متحة جزيلة يدين بفضلها أبناء هذا الجبل . كما دان بفضل الطبعة الأولى أبناء الأجيال الماضية . ذلك لأن " نورجنيف " وإن كان قد بدأ الكتابة منذ قرن مضى ، وجعل رواياته تدور موضوعاتها حول الإنسان . وهو ذلك العالم الأصغر الذي جعل من خلائقه وخصائصه الكبرياء ، والسكيح ، واحتمال الألم . فإنه كان أيضا أول كاتب من كتاب الرواية في أية لغة من اللغات ، هي دراسة المسائل الأخلاقية دراسة سيكولوجية .
وكان أبواه من أرباب الغنى وأصحاب الجاه ، وكانوا ملكون أرضا واسعة في إفم (( أوريل )) إلى الجنوب من موسكو ، وإلى الشمال من أوكرانيا .
وكانت أيام طفولته أيام عزلة موحشة . حتى لقد حفظ عن ظهر قلب موقع كل ركن من أركان ذلك الإقليم .
ولما بعث به أهله ليتلقى العلوم في جامعتي ( سان بطرسبورج ) و (برلين )حب ونهل من أفاويق المثل العليا في العلوم السياسية والفلسفية . وذلك على أيدى أبرع المسلمين ، وأقدر الأساتذة . وقال له أولئك الأساتذة والمعلمون إنه
شاعر ، وصدقهم هو حينا ، ثم التي نفسه ذات يوم محبا ممن فيهم الحب . فقد تدلله في حب مغنية مشهورة ، ولكنها لم تبادله حبا يحب . وهو الذي عادى في سبيلها أمه وخاصمها الجزئه أشه على هذه المعاداة والخصومة بأن منعت عنه رقدها وعونها .
وفي عام ١٨٥٢ أصدر أول كتاب له ، وهو الذي سماه (( صور موجزة لرجل رياضي )) وغضبت عليه الحكومة الروسية لأنه أشاد - في حماسة بالغة - بما كتب (( جوجول )) ( كاتب روسي عاش معظم حياته فى إيطاليا وتوفي عام ١٨٥٢ ) من كتابات سخر فيها بحياة المجتمع الروسي . وكان جزاء نورجنيف على هذا أن نفته الحكومة إلى ضيعته . وأعقب هذا النفى الذي دام سنتين نفى مؤبد من روسيا ، وكان ذلك باختياره .
وقد جعلته رواياته كاتبا عالميا ، وهى تلك الروابات التى ضمنها وصف مشاهد البلاد الروسية وطبقات الأقوام فيها . وهم الأقوام الذين عرفهم وخالطهم فى أيام الطفولة والصبا ، وهم الذين عكف على دراسة الكتب التي تبحث فى مسائلهم ومشكلاتهم ، دراسة رجل كثير التطلع شديد الهمم ، بل دراسة رجل قد بات صدره ضيقا حرجا .
أما لدى القراء من غير الروسيين فهو الروائى الأوحد بين جميع الروائيين فى العالم كله الذي كان فنانا لا يبار به فى فنه أحد ، ولا يبلغ شأوه أحد .
وأما لدى النقاد الروس فقد كان رافضيا من الروافض ، وكان لذلك مخيبا لظنونهم ، وهو عندهم - إذا قيس إلى نولستوي ودستويفسكي - قزم من الأقزام .
وأما فى فرنسا حيث كانت الانقسامات السياسية أقل خطرا ، وحيث كان القوم ينظرون إلى فن (( الرواية )) نظرة جدية ، فقد كان نورجنيف يستمتع بنفوذ قوى .
وأما في الولايات المتحدة الأمريكية فقد كان القوم يوقرونه ويعظمون جنابه . وقد سار على نهجه من كتابهم وشعرائهم (( هنري جيمس )) المتوفي عام ١٨٨٢ ، وهو ابن الفيلسوف (( هنري جيمس )) و ( وليم دين هويلز ) المتوفى عام ١٩٢٠ .
وأما في انجلترا فكانوا يعدونه سيد مؤلفى الأقصوصة . وقد ذاع صيت نورجنيف فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين . وكانت تلك الفترة من الزمن فترة العيش النضير التي بعد فيها صوت ( نورجنيف ) ، وطارت
شهرته كل مطار . ثم أعقبت تلك الفترة فترة أخري أحس فيها الكتاب بأن الحياة قد بدأت تصبح كثيرة التعقيد . وبدأ الناس يسمعون أشياء عن الأبراج العاجبة التي لجأ إلى حماها الفنانون المزعومون ، الذين بانوا عاجزين عن رياضة أنفسهم على السكون إلى الحقائق .
وقد بدا للناس على أثر ذلك أن (( نورجنيف )) قد ذهب زمانه وانقضى أوانه ، ولكن كبار الكتاب ككبار القواد لا يموتون أبدا ، وهم إذا تصل لونهم فإن مؤلفاتهم تكتسب بمضى الزمن حلاوة كتلك الحلاوة التي اختصت بها رسائل الحب القديمة ، ثم يجيء الناس فيحيون من مؤلفاتهم ما درس ، ويلبسون شخوصهم التي ابتدعوها ملابس العصر القائم ، ثم تنبعث التنهدات من أعماق النفوس أسفا على أن الحياة التى جاء بوصفها أولئك الكتاب القدماء قد كانت أقل شقاء وأكثر هناءة من الحياة الراهنة التي يحيونها .
ثم يستيقن الناس أن المسائل التى كان أولئك الكتاب يعتون دراستها وبحثها كانت أقرب إلى قلوبهم من الألاعيب السياسية ، ومن مسائل (( البترول )) وإن كانت هذه المسائل مما لا يستطاع ، بل مما لا يجب تجاهلها وإنكارها ، إذ هى المسائل التى وصفها أحد النقاد الفرنسيين بقوله (( إنها جلية الحياة وضوضاؤها )) .
وقد اختص نورجنيف بموهبة ، وهى إجادته لرسم صور الشابات من النساء اللاتي ييمتن في النفس التطلع والتوقر . واللاتي لسن بالتافهات ولا السخيفات .
أما الشخوص الأخرى الأقل وزنا وقيمة فهو يذكرها - فى وضوح وإ يجاز - فى جملة أو جملتين ، وذلك لكي تتم الصورة ، دون أن يبعد بالقاري ، عن الصورة الاجتماعية الكاملة . ودون أن يصرف الأنظار عن صور الشخوص الأصيلة .
وكان (( نورجنيف )) قوى الملاحظة إلى حد يشبه الإعجاز . حتى لنجيء صوره التي يرسمها فى غير حاجة إلى مزيد من الشرح والتفصيل .
وكان " نور جنيف ، يجعل شخوص رواياته تتحدث عن آرائها حينا ، وتدل بالصمت على تلك الآراء أحيانا ، وكان كل مشهد من مشاهد رواياته يتعاون مع سائر المشاهد على إبداء الصورة الكاملة للرواية وعلى إتقانها .

