كتاب من تأليف سانتاراماراو
هذا كتاب تفيض دفناه بحقائق من الشرق تخلب المب . وهي حقائق فريدة في بابها .
و ((سانتاراماراو)) وهو اسم المؤلفة كلمة معناها ((الربيع )) وهي ابنة أول سفير هندي بعث إلي اليابان .
وقد صحبت المؤلفة أباها في صيف عام ١٩٤٧ كمضيفة رسمية في دار السفارة . وقضت خريف ذلك العام والشتاء التالي تعمل مدرسة في إحدي المدارس هناك . وطفقت تعني العناية كلها بمسائل المسرح . ثم خرجت وفي صحبتها اثنتان أو ثلاث من صوحيباتها تطوف بلاد الصين والهند الصينية وسيام واندونيسيا . وكن يعشن عيش الأقوام البدائيين . وكانت مطلباهن في غالبية مراحل هذه الرحلة عربات النقل العابرة . وهي عربات تنقل من يصادفها احتسابا لوجه الله .
ومن يقرأحاديث المخاطرات التي صادفتها فكأنما يقرأ قصة رائعة تجمع بين اللذة والفائدة . إذ يبدو أن المؤلفة قد أوثبت موهبة الحس الدقيق . والإعجاب بكل ما هو غريب مألوف ، سواء أكان ذلك في الشعوب أو في البلاد التي تقطنها تلك الشعوب . كما أوتيت عقلا يجمع بين الذكاء وبين سمة الأفق .
وهي قد لقيت في اليابان وكذلك في الصين كثيرا من الكتاب البارعين وجمهرة من الممثلين القادرين . ومن هؤلاء الممثلين ذلك ((الرجل - للمثلة)) الذي يمثل في براعة لا مثيل لها - وهو في الثالثة والسبعين من عمره - دور فتاة في التاسعة عشرة من عمرها . .
وقد عرفت - فيما عرفت - ما يعانيه الكتاب الصينبون من فقر شديد . فإن واحدا من أبرع أولئك الكتاب . قد ظل عاكفا على التأليف سنتين كاملتين أتم فيما تأليف كتابين . وكان ربحه الصافي من هذا المجهود المضي ما يساوي ثمن ثلاث كعكات من الكعك الصينى . .
وقد لقيت (( سانتا )) في أثناء رحلتها مناظر للبؤس لا يستطيع أن يصدقها أحد . كما رأت بذخا وترا ؛ يعجز عن وصفهما الواصفون .
في أحد أطراف الصين رأت الكاتبة الجندين يؤخذون للجبشي الصيني الوطني والمدافع تدفهم في ظهورهم دفعا . كما رأت الأطفال من الرقيق وقد أفسد المرض أجسامهم عن النمو . وهم يعملون في مناجم الفحم ولما يبلغوا السادسة من عمرهم لقاء ما يساوي عشرة قروش في الشهر .
وفي الطرف الآخر تصف المعابد القديمة في (( كبوديا )) وتصف راقصات القصر اللائى يرقص الرقصات المقدسة في خرائب معبد (( أعكورقات )) وهو أشهر تلك المعابد.
وهي تصف لدينة التي يقيم فيها " اللاما " وهي المدينة القائمة في الصحراء ، وكأنها من صنع جن لإنس . كما تصف الأديار ذات الجدران البيضاء والسقوف المذهبة . كما تصف ((اللامات )) وهم يرفلون في الأردية الحمراء ، ويسيرون بين أعمدة المعبد وحيطانه البديعة النقش والصنع ، وهم يتفكرون في خلق السموات والأرض .
وهي تصف من ناحية اخرى مشاهد تقشعر منها الجلود ؛ فقد حدث أن أمضت ليلة من الليالي بعيدة عن صوحبياتها في إحدي القري النائية في الشمال الغربي من الصين . وهي قرية لم تكن تعرف حتى اسمها . ولم تكن تعرف كيف تخاطب القوم هناك . حتى لقد ظنت أنها لن ترجع إلى أهلها أبدا . وقد كتبت لها النجاة على يد رجل من أهل التقوي من قوم (( التبت ))
ومما جعل لهذا الكتاب قيمة ممتازة أن المؤلفة قد ولدت في الهند ثم تثفقت في انجلترا وأمريكا . ومن ثم جاءتها هذه النظرة التي تجمع بين الحنان إلي الشرق والرضى عن محاسن الغرب .
وفوق ذلك فإنه لم يكن لها من رحلتها غرض خاص تسعى وراءه . وبذلك استطاعت أن تنظر إلى العالمين الشرقي والغربي نظرة المعتبر والمستمتع على حسابهما كليهما . فهي
تنصت في متعة يمازجها النشيطن إلى ذلك الرجل الإنجليزى الذي يقول إن الصينيين لم يوهبوا حاسة الفكاهة . ذلك لأنها تعرف من قبل رأي الأسيويين في ذلك . فهم يقولون إن قدرة الغرببين على اصطناع الفكاهة إنما يغشيها ركام من ظلمات الجشع المادي .
وهى كذلك لا تتردد فى أن تسخر من أخطائها وقلة فهمها . كما حدث لها يوم اشترت باسم أبيها بيتا في طوكيو ونسيت أن تذكر في العقد أن البيع يشمل أشجار الحديقة وكانت تلك الأشجار أحمل ما في البيت . فلما راحت تضع يدها على البيت ألقت الأشجار وقد قامت وحملت إلى مكان بعيد .
وقد وصفت ما كان ينالها من ضيق كلما ضحك البنات في المدرسة ضحكات لا تنتهي . وذلك عندما كانت تشرح لهم عادة الإنجليز في القسم على الإنجيل . فلما سألت والدها في ذلك فسر لها سر ضحك التلميذات بقوله : إن كل أمة تنظر إلى الطقوس الدينية لدى الأمم الآخرى كأنها خرافات وأساطير .
وقد ذكرت في كتابها ما شاهدته من أمارات القلق عند رجل باباني من المثقفين وهو جيب على الأمريكيين محاولتهم صبغ اليابانيين بالصبغة الأمريكية في أساليب الحياة ، والفكر والفن ، والعادات ، وهم قدم بختلفون عن الأمريكيين في كل شئ : في النظر إلى املستقبل ، وفي المزاج ، وفي الميراث القومي .
والأمريكيون بعملهم هذا يقعدون القواعد ويضعون الأسس لأعقد مشكلة تواجه أية دولة محتلة في بلاد كتبت عليها الهزيمة .
وهي تقول : إذا فرضنا أن النظام الديموقراطي ملائم للأسيويين - وأنا لا أظنه كذلك - فيجب أن يكون نظاما ديموقراطيا يعين على الإبقاء على أحسن ما في ثقافتنا . وذلك أولى لنا من أن نقبل نظاما من أحسن الأنظمة السائدة عند أقوام آخرين . .
من كتاب عنوانه " هينريك " هيني لكاتب ألماني
ولد " هينريك هيني " عام ١٧٩٧ ودرس القانون في جامعات " بون " و " جوتنجن " و " برلين " .
وقد ولد يهوديا ثم تنصر وهو في الثامنة والعشرين من عجره . وألزمه المرض - وكان شللا في العمود الفقري - الفراش طوال الثماني سنين التى سبقت وفاته ، ومات وهو في التاسعة والخمسين من عمره . . قال " الفرد دي فيني في المقدمة التى كتبها لمسرحيته التي سماها " شترتون " إنه بشبه حظ الشاعر في المجتمع بتلك اللعبة الشنيعة التى يلعبها الأطفال في بعض البلاد الفرنسية . وهي أنهم يمسكون عقربا بين ذراعي " كماشة " ثم يضعونها في فراغ دائرة يحيط بها الجمر المتوهج فتعاني من حره ما تعاني . ثم يضحكون منها وهي حاول النجاة فلا تستطيع . ثم تعود إلى مكانها الأول وتظل جاثمة يكاد الضيق يقتلها . ثم تسدد زبانيئها إلى صدرها فتقتل نفسها . وإذا بالصبية يقابلون هذا الصير المنكود بعاصفة من الضحك لا تهدأ .
ومثل " هينريك هيني " مثل تلك العقرب . فإن ألمانيا التى ولد فيها كانت تضن على فناها بشئ من الجنان ، وأفراد المجتمع الذين كانوا يحيطون به كانت قلوبهم تجمع بين الهشاشة والبشاشة . وبين القسوة والتحجر ، وكأنهم وقد التفوا حوله ، قد اجتمعوا ليضيقوا الخناق على جرو من أجراء النمورة ، فكانوا يعدون الأشراك ، وبهيئون مهاوي الهلاك لشاعر من أكبر الشعراء في جميع العصور ، شاعر مل يرويه واحد من عناة الساخرين المستهزئين الذين تقطر أقلامهم سما .
وتبين صحة هذا المثل عند قراءة ارسائل التى كتبها " هيني " في بدء شبابه . وهو ما يزال في ألمانيا . وفي ذلك الجو العابس . وفي أباطح تلك الأرض الصلبة نمت - بأعجوبة من الأعاجيب - أزهار حبه كما نمت أزهار حقده .
وتلك الرسائل تبدي لنا صورة الشاعر الشاب وهو في مباذلة ، وليس في أحسن زيه وزينته .
وتلك الرسائل سداها ولحمتها الصدق ، فهي تصور تلك
المآزق التي تغمق لها النفس . والتي كان عرضة لها وهو يكافح في سبيل البقاء . وهي تصور تلك الوسائل الخسيسة التى كان يلجأ إليها أحيانا . وهي تصور حقده وبغضه لأعدائه . وهي تصور اطوار رجل كان في الأعم الأغلب من حالاته مريضا حزينا . ولكنه كان يحيل المادة التي تبعث الحزن والأسي إلى مادة تبعث الفرح والسرور .
وهي تصوره صديقا ، ومعاندا ، ومحبا ، ومعترفأ بالجميل . وسخيا كريما . وقاري تلك الرسائل لا يعدم أن يجد فيها أحيانا براعة المتخييل التي لا حد لها . وأن يجد فيها غالبا ومضات من الفكاهة ، ولمحات من براعة النكتة .
وهي رسائل تكشف إلي حد ما عن المستور من أمر صاحبها ، ولكنها لما تكشف عن الأسباب الأصلية لآلام صاحبها .
ولولا ما أوتي النقاد من جلد على البحث ، وصبر على التقصي لما استطاعوا أن يكشفوا عن غرامه الثاني ، الذي بالغ هو في تغشيته بغشاء من التعمية ، وهو غرامه بابنة عمه الصغري . وكانت أحلى شكلا وأجمل قدا من أختها الكبرى . وقد كان نصيبه في الحالين الصدود أبلغ الصدود ، وما برح الجرح الذي أصابه في هذين الحادثين ينغر إلى حين وفاته .
وهناك لطمة أصابت كبرياء هذا الشاعر الجبار يوم زار جوتة وقبعته في يمينه من فرط التوقير . وقد طار قلبه شعاعا من فرط التهيب . فلقي من " حكيم الأولمب " كل زراية وتحقير ، لم يبرأ من آثارهما أبدا .
كذلك لاذ صاحبنا بالصمت ، ولم يذكر لأصحابه شيئا عن شعوره يوم تقدم للتنصير . وذلك عام ١٨٢٥ فقد كان ذلك العمل محاولة بائسة أراد بها أن يخلع عنه ثوب اليهودية . وهو ثوب عسير على الحلع ، بل قد كان ذلك العمل محاولة فاشلة ليظفر بمكان تحت الشمس ، وليخفف أثر الحزن الذي جلبته عليه يهوديته .
ولقد بلغت بهيني المهانة أن يحس أن كلبه الصغير قد كانت تناله كل مساءة من كلاب أصحابها مسيحيون .
ولقد حرمته يهوديته إلى حد كبير من مجالسة ارباب
الجاه وأصحاب السلطان ، كما حرمته حرمانا تاما من الوظائف العامة
وهيني الذي كانت نظرته إلى كلتا الديانتين اليهودية والمسيحية نظرة غير خالصة قد ظل حياته كلها مقيتا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، كما تشهد بذلك وصيته التي ضمتها إحدى قصائده .
و " هيني " ثم يكن من أولئك الذين يستطيعون التغلب على المشكلات ، وما كانت جروحه قريبة البرء والشفاء . وما كان من العاقين عن أعدائه . ولا الغافرين لهم خطاياهم . وما كان ينسي الإساءة أبدا .
وكأنها كان جزءا من مأساة حياته ، بل جزءا من انتصار فنه أنه لم يكن يستطيع أن ينسي ، بل لم يكن يريد أن ينسي .
وكان لهيني عم من أصحاب الملايين اسمه " سولومون هيني " وكان على فرط غناء فظا غليظ القلب ، وكان غير مثقف ، وكان الذي بينه وبين ابن أخيه مختلف جدا .
ومن يعرف ثراء قوم " هيني " وصلاتهم بأصحاب الجاه والسلطان ، لا بد له أن يلوم " هيني " على تخلفه عن الركب . ولكن الواقع أن أسوأ ما لقى " هيني " في حياته من أذى ومضرة قد لقيه على أيدي أولئك الأقرباء وأيدي أصحابهم وخلطائهم .
وقد قيل عمه هذا على مضض أن يهبه قليلا من المال . ولكنه مال لم يحرمه صحبة الفقر ، بل لم يحرمه من أن تدوم تلك الصحبة حتى وافت منيته .
وطارد المرض " هيني " مطاردة طال أمدها ، فلازمه الصداع أيام فتوته . ثم مشي في ركابه حتى أقعده . ولكن أنسته آلامه صحبة بعض خلائه الأوفياء ، وبخاصة صديقه " قارنهاجن " وزوجته البارعة " راحيل " . وفي ذلك يقول له في إحدي رسائله :
" لقد عنيت في هذه الدنيا ، وكان يضحي بي في كثير من الأحيان . ولكنك أنت وزوجك كنتما أول إنسانين لقيت منهما معاملة إنسانية ، ولا بد لي أن أنطق بهذه الذكريات . ذلك لأن إساءات خبيئة تلح في اللحاق بي
ورأسي لا يزال يشكو الصداع ، وقلبي لم يبرأ من علته برءا كاملا .
وكان " هيني " يعرف أن في أقصى نواحي ضميره هاوية يخافها ويخشاها فيقول : " إن طائفا من الهوس يتملكني وأنا قد بدأت اعتقد أني اختلف من الوجهة الروحية عن سائر الناس ، وأني اكثر منهم عمقا وأبعد غورا ، وان هناك حزنا قاتما يجثم فوق روحي ، وكأنه غشاء من الثلج ، وأني مشوق غاية الشوق إلى الليل السرمدي " .
وكان يعرف كذلك أنه لم يكن مبرأ من الخطيئة ؟ فهو يقول في إحدي رسائله : " إن قلة المال أو كثرته ليس لها أقل أثر علي مبادئ ، ولكنها لها الأثر كل الأثر على أعمالي ، وأنا - على مابي - أعرف معرفة يقينية أن لي روحا . فليكفك هذا مني . فأوليني حبك من أجل هذا ، ومن أجل ذلك الإحساس الغامض الذي يجد له تفسيرا فيما يتعاورني من جنون وعقل ، وفيا جبلت عليه من خير وشر ، وكذلك أوليني حبك من أجل ما عاهدت عليه نفسك بأن تمنحيني ذلك الحب ، ومن أجل ما تؤمنين به من أني أستحق أن أحب .
" وأخيرا فإني لا أحبك ، وكيف أستطيع أن احبك وأنت مثال قد جمع بين صور الفضائل كلها " .
والناس ينظرون دائما إلى " هيني " نظرتهم إلى بيرون " ، ولا خلاف في أن بينهما مشابه . وقد استطاع هذان الحيوانان الضاريان أن يقضيا على خصومهما وأن يفقداهم عطف النظارة والمنفرجين .
ولكي يحس الناس إحساس " هيني " ويشعروا شعوره يجب عليهم أن يلموا إلماما تاما بما ناله من صنوف المهانة ومرارة الذل بوصفه يهوديا . ثم الإلمام بحالته العقلية يوم رأي نفسه يهوديا قد تنصر .
ولقد أمضه - فيما أمضه - أن صديقه الكبير " الكونت بلاتن " صوره أبشع صورة في بيتين من الشعر يقول فيهما :
" أما أنا فصديقه ، ولكني لن أكون يوما له محبا .
ذلك لأن رائحة النوم الكريهة تفوح من فيه " .
ولما بلغ " هيني " الرابعة والثلاثين من عمره غادر بلاده إلى فرنسا حيث عاش هناك بقية حياته ، وكأنه رجل مقضي عليه بالنفي من بلاده . وهو في هذا النفي قد أشبه " بيرون " مرة اخرى .
وفي العاصمة الفرنسية بلغ " هيني " درجة النضج في السياسة وفي الفلسفة ، وقد وصف " هنري ليشتينبوزا " الذي كان أستاذا للآداب الألمانية في جامعة باريس ( مقالات " هيني " التى كتبها عن الأدب والعقائد والسياسة الألمانية بأنها " نتاج استقراء واسع ، ومحصول دراسة مستفيضة " .
ولقد احتمل ) هيني عذاب المرض سنوات فوق حشية من الحشايا كانت عنده باللحد أشبه ، فكان احتماله هذا يبعث الرعب في القلوب ، ولكن قصائده التي قالها في تلك السنين كانت من اروع قصائده ذلك لأن روحه كانت كالشمس لها مفاتن الشروق والغروب .
وتلك القصائد ، سواء ما كان منها في مرارة الحنظل أو في حلاوة الشهد ، وسواء ما كان منها من قصائد البكاء والنحيب أو من قصائد الحب وملاعبه ، فكلها قد بلغ غاية الجودة ، وكلها قد أعجز القائلين .
ومن ذا الذي يستطيع أن يؤدى له واجب الإنصاف في اللحظة التي سبقت نهايته . وقد ألقى القلم لآخر مرة من بين أصابعه . وقد وقف إلى جانب سريره صديق من أصدقائه ينظر إلى الأوراق وهي تغطى سريره وتنتثر على الأرض فيقول .
لقد سمعت ضحكة جانبية . ولقد نظرت إلي " هيني " وسمعته يصرخ فيقول : إني أمسك بهم ؛ وإن أعدائي سواء منهم من كان حيا أو من غيبته القبور لن يستطيعوا الفرار ، وليس " هيني " هو الذي يموت كما يموت الرجال العاديون ، وسوف تبقى مخالب النمر تعمل عملها بعد موته : .
كتاب من تأليف نورمان ويمر "
كتاب من تأليف " ريوبرت كروفت كوك " و " نويل باربر "
كتاب " حياة القرية " ألفه كاتب من الهواة . وهو كتاب قد أحاط بموضوعه إحاطة شاملة ، فالفصل الذي عنوانه " ميلاد قرية" يلخص للقارئ تاريخ الزراعة منذ عصور ماقبل التاريخ . وفيه يعالج المؤلف موضوعات مختلفة منها الصناعات ، وفنون العمارة ، والخرافات ، والأعياد ، واللهجات الوطنية ، وسوق القرية .
وقد أضيفت إلى مواد هذه الموضوعات الحلق اقتبسها المؤلف من كتب له كتبها منذ سنين .
وهو يضفي على قريته التي وصفها غلالة رقيقة من الرقة والظرف ، أما تاريخ تلك القرية فلا معالم له ، ذلك أن المؤلف لا يريد - إلا في القليل الأقل - أن يشوش الأمر على القارئ بذكر الشهور والسنين ، وسواء عنده أكانت الحوادث التي يصفها من حوادث القرن الحادي عشر أو السادس عشر أو التاسع عشر ، فكل الأزمان عنده لها مكانتها ؛ ذلك لأنها قد أصبحت في سجل الغابرين ، وقد أضفى عليها القدم وقاره وجلاله .
وهو بين آونة وأخرى بجعل حادثة من الحوارث تخترق السحاب ، فتبدو للناظرين ، كأن يذكر انه في عام ١٣٨١ قد ثار الفلاحون ثورتهم من أجل الاستقلال .
وأحسن فصول الكتاب ما كتب عن الصناعات ، وفيه يذكر المؤلف نثقا لطيفة كقوله إن صناعة القرم في " بكتها مشير " و " بدفورد شير " قد أدخلها الأقوام " البروتستانت " الذين جاءوا من بلجيكا واتخذوا قرية " كرانفيلد " بمقاطعة " بدفوردشير دار إقامة ، وذلك في عام ١٥٦٣ .
وهو يقول إن العيش في الريف متعة لمن كان ذا ثراء ومال . والكتاب جزيل النفع جم الفائدة لطلاب العلم من أهل الشرق الذين يرغبون في معارف مبسطة عن القرى في
ريف أنجلترا وعن عادات أهل تلك القرى . .
أما كتاب " حياة المدينة " فهو كتاب خفيف الروح ، فيه محاولات لوصف ثلاثين مدينة من كبريات المدن في العالم .
ويقول المؤلفان إنهما ألفا كتابهما عقب سهرة من سهرات باريس ، خرجا في نهايتها وهما يتناجيان بقولهما إنهما بزيارتهما لباريس قد نمت لهما زبارة كل مدينة من المدن الكبرى في العالم ، ثم استدركا فقالا : إلا تلك المدن التى تقع في النصف الثاني من الكرة الأرضية ، ثم أضافا إلى ذلك قولهما : على أننا قرأنا كتبا عن تلك المدن التى لم نزرها زيارة شخصية . .
وقد اختصا كل مدينة بصورة موجزة يصوران فيها مشهدا أو مشهدين من مشاهد المدينة فهما يقولان :
إن أعجب ما في " برشلونة " هي تلك الأنفاس الحارة حرارة الندم ، أنفاس أولئك الأنقياء المعترفين بذنوبهم . والمتصاعدة من نوافذ الكنائس الكبرى ، وإن في " باتافيا " ) في جزيرة جلوء ( يهرم المرء وهو في سن الخامسة والعشرين
وإن في " حاربين " تعلق لافتات في حلقات " الجولف " تقول : لا يسمح باللعب إلا لحاملي المسدسات .
وإن في شوارع لندن قد غاشت الابتسامات وغاب القوم ذوو البشاشات ، وخلوا مكانهم لقوم عابسين قد رثت ملابسهم وسمج هندامهم ، وعلتهم فترة من الجد العابس .
وهما يقولان :
إن موسكو لا تحسب من مدن أوربا ، إنما هي مدينة أسيوية ، وإن نيويورك مدينة قد شغفها حب المال فهي مشغولة بجمعه وصنعه .
وإن فن الحياة في باريس لايبدو في الحب بين المحبين كما يظن الظانون ، وإنما يبدو في فنون الطعام .
وهما يقولان : إن " روما " أشبه بسارية من ذهب .
وإن مدينتى " شنغاي " وسنغافورة " تقصان على العالم قصصا تثير الرعب ، وقصصا تفنى لها النفس .
وإن مدينة " البندقية تفوح منها راتحة القدم . وهي الرائحة المحبية إلى كل نفس . .
والكتاب في جملته صالح للقراءة إلى جانب السرير في يوم عطلة . .

