كتاب من تأليف "الكسندر باليس"
هذا كتاب يبعث الحنين إلى العصور الحالية . فهو يذكر القارئ بحضارة الامبراطورية العثمانية . تلك الحضارة التى طالما دار حولها الجدل .
وقد أتخذ المؤلف إماما له ومرشدا فى تأليفه رحالة تركيا عاش فى القرن السابع عشر . ويسميه كاتب من الكتاب الإفرنج : ابن بطوطة القرن السابع عشر . وهذا الرحالة واسمه " أولياء " كان وصيفا من وصفاء السلطان مراد الرابع الذي كان أكثر السلاطين ظلمأ إلى سفك الدماء . والذي كان على الرغم من ذلك حاميا من الحماة الممتازين للموسيقى والفنون .
وكان "أولياء " هذا رجلا ذا عقل موسوعى . وكان يعني بالفلسفة . ويمكن للمؤرخ أن يحسبه قنطرة بين الرحالين العابرين والرحالين في العصر الحاضر . ومنهم هيرودوت ( ٤٨٤-١٢٤ ق . م ) وكازاوفا ( قصاص إيطالي ١٧٢٥-١٧٩٨) وكاناليتو (مصور إيطالي ١٦٩٧ - ١٧٦٨) وباركر (ناشر ألماني ١٨٠١-١٨٥٩ أصدر مجموعة من الكتب التي تقوم على إرشاد السائحين) .
وقد خلف ذلك الرجل مجموعة صالحة من الوثائق عن حياة المجتمع التركي فى عصره .
وقد كان الرجل ممن ركبهم الغرور . وكان ممن أوتوا الصبر على البحث والنقصى .كما كان ممن أوتوا القدرة على قص القصص ذات العرض والطول .
فاذا وقع كتابه هذا - واسمه "سباحات نامه" - بين يدى مؤلف هذا الكتاب جلس إليه جلسة العالم المشد الفطن وغربله غربلة تدل على البراعة والمهارة . وأخرج منه صورة متقنة في إطار بديع . وقدمه لقرائه ليروا فيه تلك الصورة الفاتنة لمدينة استامبول فى إبان مجدها وازدهارها .
ومن التناقضات التي يحسها القارئ لهذا الكتاب أن الأوتوقراطية العثمانية كانت أوتوقراطية محلاة محاوي الديموقراطية .
فقد كان المجتمع التركي يومذاك مجتمعا يستطيع فيه عبد الرق أن يبلغ مرتبة الوزارة . وكان المواطنون من التجار والصناع تحميهم وتذود عنهم نقابات قوية . وكان جمهور الشعب يستمتع بكل ما يرفه عيشه ويحبب إليه الحياة . وكانت المهرجانات التي تقام في الماسيات العامة تزرى بتلك التى كانت تقام فى روما القديمة . بل تزرى بموكب تنصيب عمدة لندن اليوم .
والمؤلف يصف لنا نقابات الحرف المختلفة التي كانت تشارك في تلك المهرجانات - وقد بلغ عددها خمسا وثلاثين وسبعمائة - وهو يقول إن المبدا الذي قامت عليه تلك النقابات منقول عما جاء فى الكتب المقدسة ، فقد قيل إن آدم أبا البشر كان فلاحا . وإن نوحا كان نجارا . وإرمياء كان طبيبا جراحا . والمسيح كان رحالة ومحمد (ص) وهو خاتم الأنبياء والرسلين كان مجاهدا فى سبيل الله .
ومن طوائف المجتمع التركي التي ورد ذكرها في ذلك الكتاب طائفة الكناسين بأحذيتهم ذات الرقبة التي تبلغ الركبتين . وأرديتهم التي تلفهم لفا محكما. وكان أولئك الكناسون يدفعون للحكومة جملا على أن تمنحهم حق البحث فى أكوام الزبالة عن المسامير والنقود والأحجار الكريمة .
ومن تلك الطوائف طائفة الأردن . وسماهم المؤلف الباحثين عن المعادن . وقال عنهم - بعد أن أساء القول فهم - إنهم لازمون للبلاد وقت الحصار .
ومن تلك الطوائف أيضا طائفة الغواصين . وكلهم من الأغريق . وقد قال عنهم إنهم يصفون الزيت من أفواهم فوق صفحة البحر فيحيلونها مرآة يرون فيها قاع البحر مهما يكن عميقا .
ومنهم طائفة بائعى الثلج الذين يجيئون به من " جبل
أولب " ليضمنوا لسكان قصر السلطان أشربة مثلجة
ومنهم طائفة دابغي الجلود الذين تبض جلودهم رائحة كريهة . وهم الذين تفني نفوسهم إذا شموا رائحة العطور .
ومنهم طوائف مروضى الوحوش . وقصاصي القهوات ، وبائعي الشربات . وحارقى الفحم من الأغريق ، والقائمين بعملية شنق المجرمين ، ومنهم كذلك طائفة النشالين البارعين .
وهذه - كما نري - مجموعة طوائف كان يتمني " ديكنز " أن تكون لديه ليجيد وصفها ونعشها .
ويقول المؤلف إن الطبقة العليا من القوم كانوا يحبون حياة لا تختلف عن حياة أمثالهم من الإيطاليين فى القرنين الخامس عشر والسادس عشر . أو عن حياة أمثالهم من الإنجليز فى عصر الملكة " إليزايث " فكانوا يلهون كما لهوا ، ويقصفون كما قصفوا. وكانوا في الصيد والقنص اشباههم ونظراءهم . وكانوا يستطيعون عيش الريف . وكانوا في سهراتهم تعبق حدائقهم بزهر الخزامي . وتضاء بآلاف المصابيح الصغيرة تحملها ظهور السلاحف وهي تزحف بين الزهور ...
كتاب من تأليف مارجريت كدل
شهدت السنون القلائل الماضية بعث أناس كان النسيان قد جر عليهم ذيوله . ثم انتفضوا فزال القبر والكفن .
من هؤلاء الناس "كارولين شيزوم" وهي تلك السيدة التي ذاع صيتها في الخاففين في منتصف القرن التاسع عشر . ثم نسها الناس بعد حين .
وقد جاءت اليوم الأنسة " كدل " فترجمت لها ترجمة وافية ، ولكن الترجمة لم تكن قصة الحياة الخاصة " لكارولين شبزوم " . ذلك لأن المعروف عن حياة هذه السيدة هو أقل من القليل ، حتى لقد عرف عنها أنها نبذت كل شئ يدل عليها ، ويعرف الناس بها ، وحتى لقد تخلت عن أبنائها الأطفال في سبيل ما نذرت نفسها له . وحتى لقد جهل الناس تاريخ مولدها ، واسم البلد الذي أنجبها ، ولو
أن المظنون أنها ولدت في شهر من شهور عام ١٨٠٨ في قرية تجاور مدينة " نورعبتون " . وعلى هذا فإن الكتاب الذي نحن بصدده لا يعطينا إلا قصة حياة عامة ، وإلا بيانا عن مشكلة الهجرة إلى أستراليا .
وتقول المؤلفة إن السيدة شيزوم كانت زوجة لضابط يعمل في شركة الهند الشرقية . وقد رضيت به زوجا يوم رضي هو أن يتركها حرة تفعل ما تشاء في سبيل عملها الإنساني .
وقد حطئا رحالهما في " مدراس " حيث أنشأت هي مدرسة لتعليم أولاد الجنود . ثم سافرا إلى أستراليا فبلغا مدينة " سدني " عام ١٨٣٨ ثم بدأت تعرف تدريجا خبايا مشكلة الفتيات اللاتى لا مأوي لهن . واللاتى وصلن إلى تلك المدينة بعد سفر شاق طويل مضن ، تحطمت فيه أخلاقهن . وتركن بعد وصولهن لرحمة الأقدار - وهي قاسية - في تلك المدينة .
"بدأت تلك السيدة أعمالها بإيوائها أولئك الفتيات في بيتها . ثم سعت سعيها لدى الموظمين العديدين ولدي زوجاتهم لكي يتعاونوا على إنشاء بيوت تأوي إليها تلكم الفتيات ، وإقامة مكاتب تعمل على إيجاد عمل لكل واحدة منهن ( وقد بلغ عدد الفتيات في السنين الست الأولى أحد عشر ألفا ) .
وقد لفتت إليها الأنظار برفعها الأمر إلى القضاء لتظهر الناس على الحزي والريبة اللذين تفيض بهما جنبات بواخر المهاجرة . ثم أمطرت وزارة المستعمرات في انجلترا بوابل من الشكاوي والاقتراحات ، وكلها تري إلى نفع المهاجرات وخدمتهن . ثم قصدت إلى الجزر البريطانية فزارت الريف والحضر ، وطاقت بالسهل والجبل ، تخطب القوم في مشكلة الهجرة والمهاجرات . ثم اختتمت المسعى بإنشائها جمعية المهاجرة . ونصت في قانون إنشائها على الأخذ بيد الفتيات اللآتى كن يرضين عن غرام الشيوخ بهن طمعا في أموالهم .
ثم سارت تلك السيدة قدما في سبيل تحقيق أهدافها ، وانتقلت من زوجة شابة فيها حياء وخفر إلى رحالة جريئة لا يشق لها غبار . وإلى فاعلة للخير في مختلف نواحيه. حتى لقد سماها الكاتب الانجليزي " شارلس ديكنز - وقد كان صديقا لها Mrs Jellyry- وذلك في روايته التى سماها البيت الذي تخفق الريح فيه .
وكانت السيدة " شيزوم " تري أن أعلى الممالك عند المرأة ما كرسيه البيت . وكانت توصي بعدم زيادة أجور الفتيات العاملات وحجاتها فى ذلك أنه إذا زادت أجورهن أصبحن فى غير حاجة إلى الزواج .
أما رأس مال تلك السيدة المجاهدة فلم يكن سوى زوجها الذى نسى نفسه وأنكر ذاته فى سبيل السرد عن القضايا التى تناصرها امرأته . هذا بالإضافة إلى ما أوتيت هى من لباقة وكياسة . وبراءة من الموجدة والضفينة . وقد سمتها مجلة Punch الإنجليزية " موسى الثانى فى قبعة وشال "
وقد منحتها حكومة " فكتوريا " الأسترالية منحة مقدارها خمسمائة وسبعة آلاف جنيه عرفانا لفضلها وتقديرا لمجهودها . فأنفقت هذا المبلغ فى دعم مشروعاتها الإصلاحية . وقد كانت هى تأبى أن تأخذ على صنيعها أجرا ، حتى لقد ماتت فقيرة معدمة .
والكتاب فوق ذلك يعنى بمسائل النقص فى أساليب الإدارة وفى وسائل النقل فى دولة حديثة عهد بالإنشاء والتعمير . وقد استتبع هذا النقص تكدس المهاجرين فى المدن الساحلية . وكراهية ملاك الأرض لكل قادم جديد إذا لم يكن من الطبقة العاملة الكادحة .
وقد أنتهى المطاف بالسيدة " شبزوم " أن أقامت من نفسها مدافعا شديد النبرة على حقوق الفقراء . وإن كانت مؤلفة هذا الكتاب لا توافقها على دفاعها عن حقوق أصحاب الملكيات الصغيرة ذلك لأنها ترى أن الأرض فى " استراليا " هى أصلح للمراعي منها للزراعة .
وقد اقتضى تأليف هذا الكتاب مؤلفته ثماني سنين ، فجاء بحثا رزينا مدعما بالوثائق ، يدل على براعة صاحبته ويشير إلى اقتدارها .
كتاب من تأليف الآنسة مارجرى فراى
إنه فرض على المجتمع أن يحمى نفسه ويوقيها شر الجريمة والمجرمين ، كما أن فرضا عليه أن يأخذ بيد الخارجين على القانون ، إلى طريق الهداية والرشاد .
وخليق بالمجتمع أن يقوم بعمليتي الهدم والبناء ، يجرح ثم يأسو، ويهدم ما نخرب من نفوس المجرمين ، ويقيم مكان بناء صالحا قوي الدعائم ثابت الأركان .
ومؤلفة " يد القانون " تبحث في كتابها هذا عن مدى ما تحققه القوانين الحالية وطرق العقاب السائدة فى المجتمع اليوم من مطابقة للمبدأين سالفي الذكر . وهى قد عاشت حياتها تبذل الجهود لمنع الجريمة . وتسعي السعى كله لتظفر للمجرمين الأئمين بحسن المعاملة . وهى تحدث قارئ كتابها حديث حجة من الافات عن صنوف العقوبات التى تستطيع المحاكم توقيعها ، كما تحدثه عن مختلف أنواع السجون التي يبعث إليها بالمجرمين .
وقانون الجنابات الذي صدر عام ١٩٤٨ قد عدد وأحصى مختلف معاهد العقوبة وزاد فيها ؛ فمن نظام ضباط للمراقبة إلى مراكز التدريب إلى مدارس التعليم إلى نظام السجون المفتوحة . إلى نظام سجون بورستال Borstals ( وهي إصلاحيات أنشئت بمقتضي قانون صدر عام ١٩٠٨ . والقصد من إنشائها صد الأحداث الغاوين الضالين من الجنسين عن غوايتهم . وقد جرب النظام الذي استحدثه هذا القانون لأول مرة فى سجن بورستال بالقرب من مدينة روشتر بمقاطعة كنت ).
والقصد من تعدد هذه المنشآت هو إيجاد الفرص لإصلاح المجرمين بطريق التعليم والتثقيف ، وتمكين المحاكم والسجون من مكافحة النزعات الشريرة ، ونزعات اعتياد الجريمة .
ومؤلفة الكتاب مع إعجابها بكل هذا لا نري فيه إلا خطوة أولى في سبيل إيجاد نظام إصلاحي حقيقي ، يمكن تطبيقه وفقا لحالة كل فرد من أفراد المجرمين .
وقد جاءت في كتابها ببيان واف دقيق يثبت أن هناك كثيرا من العوامل المضادة تقف حجر عثرة فى سبيل هداية أولئك الذين زلت بهم القدم وتحول دون رد الأعتبار إليهم . فبنايات السجون لا تزال بنايات قد أكل عليها الدهر وشرب. ولا تزال تلك السحون مكتظة بنزلائها، ولا تزال وسائل العيش المنظم ، والعمل المنظم غير متكافئة ، ولعل هذه العقبة أن تكون عقبة مؤقتة .
وهناك عقبة أخرى قد تكون أكثر استعصاء على الحل . وهي عقبة قوامها حالة عقلية متوارثة من العصور القديمة . ولا تزال تداهب عقول القائمين بالأمر على السجون اليوم . وهي الاعتقاد بأن المجرمين قوم لا يستطاع إصلاحهم . وأن من يقبل الإصلاح منهم إنما يقبله رغم أنفه، أو مصادفة واتفاقا .
والمؤلفة تتمثل " بسير فرانك نيوسام " إذ يقول :
لا تزال في هذا البلد مدرسة من مدارس الرأي ينظر أتباعها إلى البطش بالمجرمين كأنه نظام من أنظمة الحكم . وهي تقول : إن العلاج الإصلاحي لا يبلغ غاية النجاح إلا إذا بذل السجين نفسه غاية الجهد فى التعاون مع القائمين على إصلاح شأنه .
ولذلك كانت مجاهدة النفس ومراقبتها وتهذيبها والثقة بها هي الأمور التي يجب على القائمين بالأمر في السجون تنميتها في نفوس السجناء . وذلك إعدادا لهم لبدء ، حياة جديدة بعد خروجهم ، ثم العمل على إقناعهم بأنهم هم القادرون
على أن يردوا لأنفسهم اعتبارها .
وسلوك المجرمين سلوكا حسنا بعد الإفراج عنهم هو الدليل الصادق على حسن سير القائمين على إصلاحهم ، وعلى تجنبهم مقربات العودة إلي ارتكاب الجريمة .
وحسب هذا الكتاب ، كتاب " يد القانون " فخرا أن يزيل عن أمين الرأي العام تلك الغشاوة ، غشاوة عدم المبالاة بمصير المجرمين ، وإثارة الرغبة في التفكير الجدى في هذا الموضوع الحيوي الخطير ...

